إيران ومفاوضات إسلام آباد… بين الغموض السياسي واحتمالات الانفراج أو التصعيد

تتصاعد وتيرة التوتر في المنطقة على وقع رسائل متضاربة تجمع بين التلويح بالقوة ومحاولات إبقاء قنوات الاتصال مفتوحة، في مشهد يعكس هشاشة التوازن القائم. فالتصريحات المتشددة تتزامن مع تحركات دبلوماسية غير معلنة، بينما تتسارع التطورات الميدانية بوتيرة تزيد من ضبابية المشهد. وبين منطق التصعيد وحسابات التهدئة، تبدو اللحظة الراهنة محكومة بحالة ترقب حذر، حيث تتداخل الحسابات السياسية مع الاعتبارات الأمنية، في ظل غياب مؤشرات واضحة على اتجاه الأحداث. وفي خضم هذا المشهد المعقد، يبقى السؤال مفتوحا حول المسار الذي ستتخذه المرحلة المقبلة، وما إذا كانت ستنحو نحو الانفراج أم مزيد من التوتر.

مشهد ضبابي… هل تتجه طهران إلى طاولة المفاوضات أم تواصل التشدد؟

تتسم الساعات الأخيرة التي تسبق الجولة المرتقبة من المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في إسلام آباد بحالة غير مسبوقة من الضبابية والتضارب في المعطيات، حيث تتقاطع التسريبات الإعلامية مع النفي الرسمي، وتختلط المؤشرات السياسية بالرسائل العسكرية، ما يجعل من الصعب الجزم بمصير هذه الجولة حتى اللحظة. فبينما تتحدث وسائل إعلام دولية عن ترتيبات قائمة لانعقاد المفاوضات صباح الأربعاء، لا تزال طهران تلتزم موقفا حذرا، يراوح بين النفي الضمني وعدم الحسم، وهو ما يعكس حجم التعقيدات التي تحيط بهذا المسار.

المصادر الإعلامية الغربية، وعلى رأسها شبكة سي إن إن الأمريكية، تشير إلى أن الجولة الثانية من المحادثات قد تم تحديد موعدها بالفعل في العاصمة الباكستانية، مع توقعات بوصول وفد أمريكي رفيع المستوى، ربما بقيادة نائب الرئيس الأمريكي، في حين تتحدث تقارير أخرى عن استعدادات لوجستية على الأرض، من بينها وصول فرق الدعم من الطرفين إلى إسلام آباد. غير أن هذه المؤشرات لا تقابلها تأكيدات رسمية من الجانب الإيراني، بل على العكس، صدرت تصريحات واضحة من مسؤولين إيرانيين، وفق ما نقلته وكالة تسنيم الإخبارية الإيرانية، تنفي إرسال أي وفد، سواء كان تمهيديا أو رسميا، إلى باكستان حتى الآن.

Image

هذا التناقض بين ما ينشر إعلاميا وما يعلن رسميا يعكس في جوهره لعبة سياسية دقيقة، يسعى فيها كل طرف إلى إدارة التوقعات والضغوط في آن واحد. فإيران، التي تؤكد أنها لا تتفاوض تحت التهديد، تبدو حريصة على عدم الظهور بمظهر الطرف الذي يستجيب للضغوط الأمريكية، خاصة في ظل استمرار ما تصفه بالحصار البحري والتصعيد العسكري. في المقابل، تحاول الولايات المتحدة، من خلال تسريباتها الإعلامية وحسب خبراء، الإيحاء بأنها الطرف المستعد للدبلوماسية، واضعة طهران في زاوية الرفض أو التعنت.

Image

في هذا السياق، تبرز تصريحات الرئيس الأمريكي، دونالد ترامب، كعامل حاسم في تشكيل مناخ هذه المفاوضات. فقد أعلن بوضوح أنه لا يرغب في تمديد وقف إطلاق النار، معتبرا أن الوقت لم يعد يسمح بالمزيد من الانتظار، ومؤكدا في الوقت ذاته أن الخيار العسكري لا يزال مطروحا بقوة، بل وربما يكون الخيار المفضل في حال فشل المسار الدبلوماسي. هذه التصريحات، التي ترافقها لغة حادة، تضع ضغوطا إضافية على طهران، لكنها في الوقت نفسه قد تدفعها إلى مزيد من التشدد، بدلا من الانخراط في مفاوضات تجرى تحت سقف التهديد.

Image

ولم يكتف ترامب بذلك، بل ربط بشكل لافت بين تقدم المفاوضات وقضايا إنسانية، مثل دعوته إلى الإفراج عن ثماني نساء يواجهن خطر الإعدام في إيران، معتبرا أن هذه الخطوة قد تشكل بداية جيدة للمحادثات. ورغم الطابع الإنساني الظاهر لهذا الطرح، إلا أنه يقرأ في طهران على أنه محاولة لفرض شروط مسبقة أو توسيع نطاق التفاوض إلى ملفات غير متفق عليها، وهو ما يزيد من تعقيد المشهد.

Image

من جهة أخرى، تشير تقارير إعلامية إلى أن أحد أبرز نقاط الخلاف يتمثل في شرط إيراني بضرورة إنهاء الحصار على الموانئ الإيرانية كمدخل لأي تفاوض جدي. وفي هذا الإطار، تحدثت بعض المصادر عن احتمال قبول أمريكي برفع غير معلن لهذا الحصار، بما يسمح بمرور السفن الإيرانية دون عوائق، مع الحفاظ على الوجود العسكري في المنطقة. إلا أن هذا الطرح، إن صح، لا يبدو كافيا لإقناع طهران، التي تطالب بضمانات واضحة وعلنية، خاصة في ظل ما تعتبره سجلا أمريكيا غير موثوق في الالتزام بالاتفاقات.

في المقابل، تلعب باكستان دورا حساسا في هذه المرحلة، فهي من جهة تسعى إلى تثبيت موقعها كوسيط إقليمي قادر على جمع الأطراف المتخاصمة، ومن جهة أخرى تحاول الحفاظ على توازن علاقاتها مع كل من واشنطن وطهران. ورغم إعلانها الاستعداد الكامل لاستضافة المفاوضات، إلا أن قدرتها على دفع الأطراف نحو الطاولة تبقى محدودة في ظل حسابات أوسع تتجاوز الإطار الثنائي.

Image

وحسب محليين، فكل هذه المعطيات تشير إلى أن انعقاد المفاوضات لا يزال احتمالا قائما، لكنه غير محسوم، وأن قرار طهران بالمشاركة من عدمه سيتوقف على توافر حد أدنى من الشروط التي تضمن لها عدم الدخول في مسار تفاوضي غير متكافئ. وفي ظل استمرار التصعيد الإعلامي والعسكري، يبقى السؤال مفتوحا: هل تتغلب البراغماتية السياسية على منطق المواجهة، أم أن هذه الجولة ستضاف إلى سلسلة الفرص الضائعة؟

سيناريوهات المشاركة… بين الاتفاق الجزئي والانهيار الكامل

يرى خبراء أنه في حال قررت إيران في نهاية المطاف المشاركة في مفاوضات إسلام آباد، فإن ذلك لا يعني بالضرورة أن الطريق نحو اتفاق شامل سيكون ممهدا، بل على العكس، تفتح هذه المشاركة الباب أمام مجموعة من السيناريوهات المتباينة، التي تتراوح بين تحقيق تقدم محدود وانهيار كامل للمحادثات.

السيناريو الأول، والأكثر تفاؤلا نسبيا، يتمثل في التوصل إلى اتفاق جزئي يركز على القضايا الأقل تعقيدا، مثل الإجراءات الإنسانية أو بعض الترتيبات الاقتصادية المحدودة، أو حتى خطوات بناء الثقة بين الطرفين. هذا النوع من الاتفاقات لا يحل جوهر الخلاف، لكنه قد يشكل أرضية لاستمرار الحوار وفتح قنوات تواصل أكثر استقرارا، خاصة إذا ترافق مع إجراءات ملموسة مثل تخفيف محدود للعقوبات أو تخفيض نسبي للتوتر العسكري.

Image

أما السيناريو الثاني، فهو سيناريو التوقف المؤقت، حيث تنعقد المفاوضات بالفعل، لكن دون تحقيق اختراق حقيقي، نتيجة استمرار الخلافات الجوهرية، لا سيما فيما يتعلق بالبرنامج النووي الإيراني، وآليات رفع العقوبات، والضمانات المطلوبة من كلا الطرفين. في هذا السيناريو، قد يتم تعليق المحادثات أو تأجيلها إلى جولات لاحقة، مع الإبقاء على قنوات الاتصال مفتوحة، وهو ما يعكس نمطا تكرر في تجارب سابقة، حيث تتحول المفاوضات إلى عملية طويلة من الكر والفر دون حسم نهائي.

السيناريو الثالث، وهو الأكثر تشاؤما، يتمثل في فشل كامل للمفاوضات، في حال أصر كل طرف على مواقفه القصوى دون تقديم تنازلات. في هذه الحالة، قد يؤدي انهيار المحادثات إلى تصعيد جديد، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي، خاصة في ظل التصريحات الأمريكية التي تلوح بالعودة إلى الخيار العسكري، وردود الفعل الإيرانية التي تؤكد استعدادها للرد. هذا السيناريو لا يهدد فقط فرص الحل الدبلوماسي، بل قد يفتح الباب أمام مرحلة أكثر خطورة من عدم الاستقرار الإقليمي.

غير أن تحديد أي من هذه السيناريوهات هو الأقرب للتحقق لا يعتمد فقط على مواقف طهران وواشنطن، بل يتأثر أيضا بعوامل أخرى، من بينها الدور الذي ستلعبه باكستان كوسيط، ومدى قدرتها على تقريب وجهات النظر، إضافة إلى السياق الإقليمي الأوسع، الذي يشهد توترات متعددة قد تنعكس بشكل مباشر على مسار المفاوضات.

Image

كما أن تجربة الاتفاق النووي السابق، اتفاق 5+1 الذي وعد ترامب بالتوصل لاتفاق أفضل منه، تظل حاضرة في خلفية هذه المحادثات، حيث يدرك الطرفان أن التوصل إلى اتفاق ممكن، لكنه يتطلب إرادة سياسية حقيقية و استعدادا لتقديم تنازلات متبادلة. وفي الوقت ذاته، فإن انهيار ذلك الاتفاق في السابق يجعل من الصعب بناء ثقة جديدة دون ضمانات أقوى وأكثر وضوحا.

في المحصلة، تبدو مفاوضات إسلام آباد، إن عقدت، بمثابة اختبار جديد لقدرة الدبلوماسية على الصمود في وجه الضغوط المتصاعدة. فإيران تجد نفسها أمام خيار معقد بين الانخراط في مسار تفاوضي قد يحمل فرصا محدودة، أو الاستمرار في موقفها الرافض لما تعتبره شروطا غير عادلة، بينما تسعى الولايات المتحدة إلى تحقيق مكاسب سياسية واستراتيجية دون تقديم تنازلات كبيرة. وبين هذين المسارين، تبقى المنطقة بأسرها رهينة لنتائج هذه الجولة، التي قد ترسم ملامح المرحلة المقبلة، سواء نحو التهدئة أو نحو مزيد من التصعيد.

كلمات مفتاحية: