- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 188 Views
لم تأت زيارة وزير الخارجية الإيراني الحالية إلى بغداد زيارة بروتوكولية، بل جاءت في توقيت مفصلي عقب انتهاء الحرب الأخيرة، لتؤشر إلى مرحلة جديدة في السياسة الخارجية الإيرانية. واختيار العراق كأول وجهة خارجية عكس مكانته في رؤية طهران لترتيبات ما بعد الحرب، سواء لتثبيت التفاهمات السياسية أو بحث منظومة الأمن الإقليمي وتعزيز العلاقات مع المحيط العربي. كما تزامنت الزيارة مع تشكيل الحكومة العراقية الجديدة، وبدء تنفيذ تفاهمات ما بعد الحرب، ومناقشة ملفات أمن الخليج ومضيق هرمز والاتفاقية الأمنية، إلى جانب التنسيق لمراسم التشييع. وبذلك، سعت إيران إلى توظيف الدبلوماسية وتعزيز شراكاتها الإقليمية عبر العراق بوصفه محورا رئيسيا في توازنات غرب آسيا.
بغداد… أولى محطات الدبلوماسية الإيرانية في مرحلة ما بعد الحرب
أجرى وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي زيارة رسمية إلى العراق الأحد 29 يونيو/حزيران 2026، على رأس وفد دبلوماسي. وشملت الزيارة لقاءات مع عدد من كبار المسؤولين العراقيين، بينهم رئيس الجمهورية نزار آميدي، ورئيس الوزراء علي فالح الزيدي، ورئيس مجلس النواب هيبت الحلبوسي، ووزير الخارجية فؤاد حسين، ومستشار الأمن القومي قاسم العبودي، حيث تناولت المباحثات العلاقات الثنائية، إلى جانب القضايا الإقليمية والدولية ذات الاهتمام المشترك.

وجاءت الزيارة في وقت تشهد فيه بغداد انتقالا سياسيا مع تشكيل حكومة جديدة برئاسة علي فالح الزيدي، ما دفع إيران إلى المسارعة بإظهار دعمها للحكومة الجديدة، والتأكيد على استعدادها لفتح صفحة جديدة من التعاون، فخلال لقاءاته مع المسؤولين العراقيين، شدد عراقجي على أن استقرار العراق يمثل جزءا لا يتجزأ من استقرار المنطقة، وأن طهران ترى في نجاح الحكومة الجديدة مصلحة مشتركة للبلدين.
ولم يقتصر الخطاب الإيراني على المجاملات الدبلوماسية، بل حمل رسائل سياسية واضحة، كان أبرزها التأكيد على أن سياسة الجوار أولا ستظل في صدارة أولويات السياسة الخارجية الإيرانية، حتى في ظل انفتاح طهران على تفاهمات جديدة مع الولايات المتحدة أو القوى الدولية. فإيران أرادت من خلال هذه الزيارة أن توضح أن أي تفاهمات دولية لن تكون بديلا عن علاقاتها مع جيرانها، بل إن هذه العلاقات هي الضمانة الحقيقية لاستقرار المنطقة.

كما حرص عراقجي على التعبير عن امتنان بلاده للمواقف التي اتخذها العراق خلال الحرب الأخيرة، إذ أشادت طهران بإدانة بغداد للهجمات العسكرية، ورفضها استخدام الأراضي العراقية منصة لاستهداف إيران، فضلا عن دعوتها المستمرة إلى التهدئة ومنع اتساع دائرة الصراع. وترى إيران أن هذه المواقف تعزز الثقة السياسية بين البلدين، وتمهد لتطوير شراكة استراتيجية أوسع خلال المرحلة المقبلة.
وعلى الصعيد الاقتصادي، احتلت ملفات التعاون التجاري والطاقة والاستثمار مكانة مهمة في المباحثات، خاصة في ظل الحديث عن مرحلة ما بعد الحرب وما قد تتيحه من فرص لإعادة تنشيط الاقتصادين الإيراني والعراقي. كما ناقش الجانبان ملف الأصول الإيرانية المجمدة في العراق، والذي يعد أحد الملفات التي تأمل طهران في إحراز تقدم بشأنها في ضوء المتغيرات السياسية الأخيرة، إلى جانب بحث سبل زيادة حجم التبادل التجاري، وتعزيز التعاون في مجالات الغاز والكهرباء والنقل، باعتبارها قطاعات تمثل مصالح استراتيجية للطرفين.
الأمن الإقليمي في صدارة الزيارة… هرمز والاتفاقية الأمنية ومشروع «2+6»
إذا كانت الرسائل السياسية شكلت أحد العناوين الرئيسة لزيارة عراقجي إلى بغداد، فإن البعد الأمني كان الأكثر حضورا في أجندة المباحثات، لا سيما في ظل التحولات التي تشهدها المنطقة عقب انتهاء الحرب، وما أفرزته من نقاشات حول مستقبل منظومة الأمن في الخليج، ودور القوى الإقليمية في إدارة ملفات الاستقرار بعيدا عن التدخلات الخارجية. فقد سعت طهران، من خلال هذه الزيارة، إلى تأكيد أن مرحلة ما بعد الحرب يجب ألا تقتصر على تثبيت وقف إطلاق النار، وإنما ينبغي أن تؤسس لترتيبات أمنية جديدة تتولى دول المنطقة نفسها صياغتها وإدارتها.
وفي هذا السياق، كان ملف مضيق هرمز في صدارة تصريحات وزير الخارجية الإيراني، الذي أكد أن إدارة المضيق وإعادة تنظيم الملاحة البحرية فيه تمثل مسؤولية حصرية لطهران، وأن أي تدخل من أطراف خارجية أو إنشاء آليات موازية لإدارته لن يؤدي إلا إلى تعقيد الأوضاع وزيادة التوتر في المنطقة. وتحمل هذه الرسالة أبعادا تتجاوز العراق، إذ تستهدف في المقام الأول طمأنة الداخل الإيراني إلى تمسك الدولة بأحد أهم أوراقها الاستراتيجية، وفي الوقت ذاته توجيه رسالة إلى القوى الدولية والدول الخليجية بأن طهران لن تقبل بأي ترتيبات أمنية تنتقص من دورها في هذا الممر البحري الحيوي.

وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة للعراق، الذي يعتمد بصورة كبيرة على صادرات النفط المارة عبر الخليج ومضيق هرمز، وهو ما دفع وزير الخارجية العراقي فؤاد حسين إلى التأكيد خلال مباحثاته مع عراقجي على أن استمرار التوتر في المضيق ستكون له انعكاسات اقتصادية مباشرة على العراق، وأن بغداد معنية بإعادة الاستقرار إلى هذا الممر البحري باعتباره شريانا حيويا لاقتصادها الوطني. ومن هنا، بدا أن الطرفين يتفقان على ضرورة الحفاظ على أمن الملاحة، وإن اختلفت مقاربتهما في بعض التفاصيل المتعلقة بآليات إدارة هذا الملف.
وفي موازاة الحديث عن مضيق هرمز، أعادت إيران طرح رؤيتها لمنظومة الأمن الجماعي في الخليج، من خلال الترحيب بالمبادرة التي طرحها وزير الخارجية العراقي والقائمة على عقد حوار يجمع إيران والعراق مع دول مجلس التعاون الخليجي، فيما عرف بصيغة 2+6، وترى طهران أن هذه المبادرة يمكن أن تشكل نواة لنظام أمني إقليمي جديد، يقوم على مبدأ الحوار المباشر بين دول المنطقة، بعيدا عن الهيمنة أو الوصاية الخارجية.

وتستند هذه الرؤية، حسب قراءات، إلى قناعة إيرانية بأن الحرب الأخيرة أثبتت محدودية فعالية الترتيبات الأمنية التقليدية، وأن أمن الخليج لا يمكن أن يستقر في ظل استمرار الاعتماد على القوى الأجنبية، بل يحتاج إلى تفاهمات إقليمية تأخذ في الاعتبار مصالح جميع الأطراف. ومن هذا المنطلق، تسعى إيران إلى الانتقال من صورة مصدر التهديد التي تروج لها بعض الأطراف، إلى صورة الشريك في بناء الأمن الإقليمي، وهو ما يفسر حرصها على تقديم مبادرة 2+6 باعتبارها إطارا للحوار وليس للتحالف العسكري.
في المقابل، تدرك طهران أن الطريق نحو هذا الهدف لن يكون سهلا، فالدول الخليجية لا تزال تنظر بحذر إلى بعض الملفات الخلافية، وفي مقدمتها البرنامج الصاروخي الإيراني، ودور طهران في عدد من الساحات العربية، ومستقبل الترتيبات الأمنية في الخليج. كما أن البيان الصادر عن اجتماع وزراء خارجية مجلس التعاون الخليجي مع الولايات المتحدة، والذي رفض أي إجراءات تمس حرية الملاحة في مضيق هرمز، يعكس استمرار التباين في الرؤى بين الجانبين. ومع ذلك، يبدو أن إيران تراهن على دور العراق، إلى جانب قطر وسلطنة عمان، في تضييق فجوة الخلاف وتهيئة الأرضية لحوار إقليمي أوسع.
وإلى جانب الملفات الإقليمية، استحوذت الاتفاقية الأمنية الموقعة بين إيران والعراق على جانب مهم من مباحثات بغداد. فهذه الاتفاقية، التي أبرمت بهدف منع استخدام الأراضي العراقية، ولا سيما إقليم كردستان، منطلقا لنشاط الجماعات المسلحة المعارضة لإيران، لا تزال من وجهة نظر طهران بحاجة إلى استكمال تنفيذ عدد من بنودها. ولهذا، شدد عراقجي خلال لقاءاته مع المسؤولين العراقيين على ضرورة الإسراع في تنفيذ الالتزامات المتفق عليها، مؤكدا أن أمن البلدين مترابط، وأن استمرار نشاط تلك الجماعات يشكل تهديدا مباشرا للاستقرار الحدودي.

وتولي إيران هذا الملف أهمية خاصة، إذ ترى أن بعض الجماعات المسلحة ما تزال تحتفظ بوجودها في مناطق من إقليم كردستان، رغم الاتفاقات السابقة التي نصت على تفكيك معسكراتها ومصادرة أسلحتها الثقيلة وإبعادها عن الحدود الإيرانية. وقد تكررت خلال السنوات الماضية التحذيرات الإيرانية من أن أي تأخير في تنفيذ الاتفاقية قد يدفع طهران إلى اتخاذ إجراءات أحادية لحماية أمنها القومي، وهو ما يجعل هذا الملف أحد أكثر القضايا حساسية في العلاقات بين البلدين.
وفي المقابل، تؤكد بغداد التزامها بالاتفاقية الأمنية، مع الحرص على معالجة الملف بما يحفظ سيادة العراق ويحول دون تحول أراضيه إلى ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية. كما يرى المسؤولون العراقيون أن نجاح تنفيذ الاتفاقية الأمنية يمثل خطوة ضرورية لتعزيز الثقة المتبادلة، وتهيئة بيئة أكثر استقرارا تسمح بتطوير التعاون الاقتصادي والاستثماري بين البلدين.
ولم تغب عن مباحثات بغداد الملفات الإقليمية الأخرى، وفي مقدمتها التطورات في لبنان وسوريا، ومستقبل ما يعرف بمحور المقاومة، إلى جانب مناقشة تداعيات الحرب الأخيرة على موازين القوى في المنطقة. كما تبادل الجانبان وجهات النظر بشأن مستقبل العلاقات الإيرانية مع الدول العربية الخليجية، والدور الذي يمكن أن يلعبه العراق في تقريب وجهات النظر واحتواء التوترات.
العراق في الاستراتيجية الإيرانية الجديدة… شراكة تتجاوز السياسة إلى إعادة تشكيل الإقليم
إلى جانب الملفات السياسية والأمنية، حملت زيارة عراقجي إلى بغداد بعدا آخر لا يقل أهمية، تمثل في توظيف الروابط التاريخية والثقافية والدينية بين البلدين باعتبارها أحد مرتكزات السياسة الخارجية الإيرانية في المرحلة المقبلة.
وقد احتل ملف التنسيق لمراسم تشييع المرشد الإيراني السابق،على خامنئي، في بغداد والكاظمية وكربلاء والنجف مساحة مهمة من لقاءات وزير الخارجية الإيراني مع كبار المسؤولين العراقيين. وبالنسبة إلى طهران، فإن هذه المناسبة لا تندرج ضمن إطار الترتيبات اللوجستية فحسب، بل تحمل دلالات سياسية ورمزية عميقة، إذ ترى فيها تجسيدا لوحدة الشعبين الإيراني والعراقي، وإعادة تأكيد على الروابط الدينية والثقافية التي تجمعهما منذ عقود.

وفي هذا السياق، جاءت زيارة عراقجي إلى موقع استهداف قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، وأبو مهدي المهندس، القائد في الحشد الشعبي، في مستهل جولته ببغداد لتؤكد أن الذاكرة المشتركة ما تزال حاضرة بقوة في الخطاب السياسي الإيراني، وأن العلاقة مع العراق لا تبنى فقط على المصالح الآنية، وإنما تستند أيضا إلى سردية سياسية وثقافية تتداخل فيها مفاهيم الشراكة والأمن والهوية المشتركة.
ويرى عدد من الخبراء الإيرانيين الذين تناولوا الزيارة أن أهميتها لا تكمن في الملفات الثنائية وحدها، وإنما في كونها تعكس بداية مرحلة جديدة من التحرك الإيراني في الإقليم. فقد اعتبر الخبير حسن هاني زاده أن الزيارة جاءت لرسم الإطار العام للعلاقة مع الحكومة العراقية الجديدة، ولتحديد أولويات التعاون في المجالات الأمنية والاقتصادية والسياسية، مع التأكيد على أهمية استكمال تنفيذ الاتفاقية الأمنية، وتعزيز التنسيق بشأن التطورات الإقليمية.
أما الخبير في شؤون غرب آسيا هادي سيد أفقهي، فرأى أن الزيارة تتجاوز حدود الدبلوماسية التقليدية، لأن جانبا مهما منها يرتبط بالبعد الشعبي والثقافي، خاصة في ظل الاستعدادات لمراسم التشييع، التي وصفها بأنها حدث يتطلب تنسيقا سياسيا وأمنيا وإعلاميا واسعا بين البلدين، في ظل التحديات الأمنية القائمة، سواء المرتبطة بتنظيم داعش أو بالتنافس الإقليمي والدولي داخل العراق.

وفي الاتجاه ذاته، اعتبر رئيس مركز دراسات العالم الإسلامي، أمير مسروري، أن تشكيل حكومة عراقية جديدة يفرض ضرورة تكثيف اللقاءات السياسية بين الجانبين، لكنه شدد على أن أهمية الزيارة لا تقتصر على ذلك، بل تنبع أيضا من خصوصية العلاقات الاجتماعية والدينية بين إيران والعراق، والتي تمنح التعاون بين البلدين بعدا يتجاوز العلاقات التقليدية بين الدول.

وفي هذا الإطار، تشير بعض التحليلات الإيرانية إلى أن المرحلة المقبلة قد تشهد تشكل محور سياسي ودبلوماسي يضم طهران وبغداد والدوحة، في ظل ما تتمتع به قطر من علاقات متوازنة مع مختلف الأطراف، وقدرتها على لعب أدوار الوساطة، إلى جانب الدور الذي تحاول سلطنة عمان الحفاظ عليه في تقريب وجهات النظر بين إيران والغرب والدول العربية. وترى هذه التحليلات أن نجاح هذا المحور قد يفتح الباب أمام مرحلة جديدة من الحوار الإقليمي، تقوم على المصالح المشتركة بدلا من سياسة المحاور والاستقطاب.

غير أن هذه الرؤية لا تخلو من تحديات كبيرة، إذ ما تزال هناك ملفات خلافية تلقي بظلالها على العلاقات بين إيران وعدد من الدول العربية، وفي مقدمتها البرنامج الصاروخي الإيراني، والنفوذ الإيراني في العراق وسوريا ولبنان واليمن، إضافة إلى استمرار تأثير السياسات الأمريكية في توازنات المنطقة. كما أن أي تغير في طبيعة العلاقة بين طهران وواشنطن قد ينعكس بصورة مباشرة على مسار العلاقات الإقليمية، وهو ما يجعل نجاح أي مشروع أمني أو سياسي جديد مرهونا بقدرة الأطراف المختلفة على بناء الثقة وتجاوز إرث سنوات طويلة من الصراع.
ورغم ذلك، فإن الرسائل التي حملتها زيارة بغداد توحي بأن إيران تراهن على الدبلوماسية أكثر من أي وقت مضى، وتسعى إلى استثمار التحولات التي فرضتها الحرب الأخيرة لإعادة ترتيب أولوياتها الإقليمية. فبدلا من الاكتفاء بإدارة الأزمات، تبدو طهران معنية اليوم بالمشاركة في صياغة ترتيبات سياسية وأمنية جديدة، تضمن لها الحفاظ على نفوذها، وفي الوقت نفسه تخفف من مستويات التوتر مع محيطها العربي.
خلصت الزيارة إلى أنها تجاوزت إطارها الثنائي لتشكل رسالة سياسية تعكس توجهات إيران في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، عبر تعزيز حضورها الدبلوماسي وتوسيع تعاونها مع العراق باعتباره شريكا محوريا في معادلات المنطقة. كما أبرزت الزيارة أهمية بغداد في الحسابات الإيرانية بوصفها حلقة وصل مع المحيط العربي، في وقت تشهد فيه المنطقة إعادة صياغة لتوازناتها السياسية والأمنية. ورغم استمرار التحديات الإقليمية، فإن نتائج الزيارة تعكس توجها نحو تكثيف الحوار الإقليمي، وتعزيز التعاون المشترك، والبحث عن مقاربات جديدة لتحقيق الاستقرار والأمن في غرب آسيا.

