- زاد إيران - المحرر
- 313 Views
دخلت المواجهة بين الولايات المتحدة وإيران منعطفا جديدا وخطيرا مع تنفيذ القوات الأمريكية سلسلة هجمات استهدفت مواقع داخل الأراضي الإيرانية، في أكبر تصعيد مباشر بين الطرفين منذ أشهر طويلة من التوترات والاشتباكات غير المباشرة. وجاءت الضربات الأمريكية في ظل اتهامات متبادلة بخرق ترتيبات التهدئة واستمرار العمليات العسكرية في المنطقة، بينما ردت إيران سريعا بإطلاق موجة من الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة استهدفت قواعد ومواقع أمريكية في عدد من دول الخليج والشرق الأوسط.
وبينما تبادل الطرفان روايات متناقضة حول حجم الخسائر والأهداف المحققة، بقيت قنوات الاتصال السياسية مفتوحة وفق تقارير أمريكية ودولية، الأمر الذي أوجد مشهدا معقدا يجمع بين التصعيد العسكري الواسع والحراك الدبلوماسي المستمر. وتسببت هذه التطورات في حالة استنفار إقليمي ودولي، وسط مخاوف من تأثيرها على أمن الملاحة الدولية وأسواق الطاقة العالمية، خصوصا بعد إعلان إيران إغلاق مضيق هرمز، أحد أهم الممرات البحرية لتجارة النفط في العالم.
الهجوم الأمريكي على إيران… التفاصيل وأهدافه العسكرية
بدأت الجولة الجديدة من المواجهة عندما أعلنت القيادة المركزية الأمريكية، سنتكوم، فجر الخميس 11 يونيو/ حزيران 2026، تنفيذ ضربات عسكرية ضد أهداف متعددة داخل إيران. ووفق البيانات الأمريكية الرسمية، فإن هذه العمليات جاءت استجابة لما وصفته واشنطن بالأنشطة العدائية الإيرانية المتواصلة ضد القوات الأمريكية والمصالح الدولية في المنطقة.

هذا وقد أكدت القيادة الأمريكية أن الهجمات استهدفت مواقع مرتبطة بمنظومات المراقبة العسكرية وأنظمة الاتصالات والدفاعات الجوية الإيرانية، كما أوضحت أن العملية شاركت فيها وحدات من القوات الجوية والبحرية ومشاة البحرية الأمريكية باستخدام ذخائر دقيقة التوجيه وصواريخ بعيدة المدى من طراز توما هوك.
وكان الرئيس الأمريكي دونالد ترامب قد أعلن أن القوات الأمريكية أطلقت 49 صاروخا من طراز توما هوك باتجاه أهداف داخل إيران، مؤكدا أن الضربات أصابت مواقع في العمق الإيراني، كما تحدث عن استمرار تحليق المقاتلات الأمريكية فوق الأراضي الإيرانية وتوجيه ضربات إضافية إلى أنظمة الرادار والدفاع الجوي.

وأشارت تقارير متطابقة إلى أن الانفجارات سمعت في عدد من المحافظات الإيرانية، خصوصا في هرمزجان والبرز وطهران وقزوين، وشملت المناطق التي شهدت انفجارات أو نشاطا دفاعيا كلا من بندر عباس، وميناب، وسيريك، وقشم، وكيش، وكرج، واشتهارد، وآبيك، وورامين.
وبحسب بيان صادر عن الحرس الثوري الإيراني، فإن بعض المواقع التي تعرضت للقصف شملت منشآت غير قتالية بصورة مباشرة، من بينها موقع ترفيهي ومجمع إنتاجي ومحيط إحدى الثكنات العسكرية في مناطق قريبة من كرج ونظر آباد، إضافة إلى قاعدة محلية تابعة للحرس الثوري في منطقة پيشوا التابعة لورامين. وأفادت تقارير إعلامية إيرانية بأن الدفاعات الجوية الإيرانية دخلت في حالة استنفار واسعة، حيث تم تفعيل أنظمة الدفاع في عدة مناطق، خصوصا في طهران وبندر عباس والمناطق الساحلية المطلة على الخليج.

في الوقت نفسه، سعت واشنطن إلى التأكيد أن الضربات لم تستهدف البنية التحتية الحيوية أو المنشآت المدنية الرئيسية، وأن العملية كانت موجهة حصرا ضد أهداف عسكرية وأمنية مرتبطة بالقدرات العملياتية الإيرانية. غير أن اللافت في الموقف الأمريكي كان التناقض الظاهر بين إعلان انتهاء العمليات العسكرية وبين استمرار التهديدات الأمريكية بشن ضربات جديدة. فقد أعلنت سنتكام أكثر من مرة انتهاء موجات الهجوم، بينما عاد الرئيس الأمريكي ومسؤولون في الإدارة الأمريكية للتأكيد أن العمليات يمكن أن تستأنف في أي وقت إذا لم تستجب إيران للمطالب الأمريكية أو إذا استمرت الهجمات ضد القوات الأمريكية.

كما برزت خلال الساعات اللاحقة مؤشرات على استمرار النشاط العسكري الأمريكي في المنطقة، بما في ذلك تحركات لطائرات التزود بالوقود في أجواء الخليج ورفع مستوى الجاهزية في القواعد الأمريكية المنتشرة في دول المنطقة.
الرد الإيراني… استهداف القواعد الأمريكية في الخليج والأردن والعراق
جاء الرد الإيراني سريعا ومنظما، بحسب الرواية الإيرانية، حيث أعلنت طهران بدء عمليات عسكرية مضادة استهدفت قواعد أمريكية في عدد من الدول التي تستضيف قوات أمريكية. فأفادت مصادر عسكرية إيرانية بأن القوات المسلحة نفذت خطة عملياتية و استخباراتية معقدة سبقت تنفيذ الضربات، تضمنت مراقبة تحركات القوات الجوية الأمريكية وتحديد مواقع تمركز الطائرات والمعدات العسكرية.

ووفق هذه المصادر، فإن القوات الإيرانية تابعت منذ وقت مبكر تحركات طائرتين أمريكيتين من طراز P-8 أقلعتا من قواعد مختلفة قبل أن تتمركزا في البحرين والكويت، لتصبح مواقع تمركزهما ضمن قائمة الأهداف التي تعرضت للاستهداف الإيراني. كما تحدثت المصادر عن رصد ثلاث مقاتلات أمريكية من طراز F-35 داخل أحد الملاجئ الجوية في قاعدة موفق السلطي بالأردن، قبل أن تتعرض المنطقة لقصف صاروخي قالت طهران إنه أصاب الهدف المحدد بدقة.
وشملت الضربات الإيرانية قواعد علي السالم وأحمد الجابر في الكويت، وقاعدة الشيخ عيسى في البحرين، وقاعدة موفق السلطي في الأردن، إضافة إلى أهداف أخرى في العراق. وفي البحرين، أعلنت وسائل إعلام إيرانية استهداف مواقع مرتبطة بالأسطول الخامس الأمريكي عبر موجات من الطائرات المسيرة والصواريخ. وقالت الرواية الإيرانية إن الهجمات طالت منشآت اتصالات ورادارات وأنظمة دفاع جوي. كما امتدت العمليات إلى العراق، حيث تحدثت تقارير عن استهداف قاعدة الحرير الأمريكية في أربيل، إضافة إلى رادار أمريكي في المنطقة نفسها.

وفي سياق الرد العسكري، أعلنت إيران أن قواتها نفذت موجتين عمليتين أسفرتا عن إصابة 18 هدفا أمريكيا مهما في المنطقة. ورغم عدم صدور تأكيدات أمريكية بشأن حجم الأضرار، فإن طهران اعتبرت أن الهجمات حققت أهدافها وأوصلت رسالة واضحة إلى واشنطن.

ومن أبرز الخطوات الإيرانية إعلان إغلاق مضيق هرمز أمام حركة السفن التجارية وناقلات النفط، وقد رافق هذا الإعلان تحذيرات مباشرة من القوات البحرية التابعة للحرس الثوري بأن أي سفينة تحاول عبور المضيق ستعتبر هدفا مشروعا. كما أعلنت البحرية الإيرانية استهداف سفينتين قالت إنهما حاولتا عبور المضيق بصورة مخالفة للتعليمات الصادرة بعد إغلاقه، في خطوة رفعت مستوى القلق الدولي بشأن مستقبل الملاحة في المنطقة.
حرب التصريحات والتضارب الإعلامي بين واشنطن وطهران
بالتوازي مع العمليات العسكرية، اندلعت حرب إعلامية وسياسية واسعة بين الطرفين، اتسمت بتبادل الاتهامات وإطلاق روايات متناقضة حول ما جرى على الأرض.
فقد أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن مسؤولين إيرانيين كبارا تواصلوا معه مباشرة وطلبوا وقف القصف الأمريكي، مؤكدا أن الضربات الأمريكية حققت أهدافها وأن القوات الأمريكية دمرت قدرات عسكرية إيرانية واسعة، وأضاف ترامب أن إيران ستكون أمام خيارين، إما التوصل إلى اتفاق أو مواجهة جولات إضافية من القصف الأمريكي.

إلا أن إيران سارعت إلى نفي هذه التصريحات، مؤكدة عدم وجود اتصالات مباشرة من هذا النوع، ومعتبرة أن ما يعلنه ترامب يهدف إلى تقديم صورة سياسية تخدم الإدارة الأمريكية أمام الرأي العام.
وفي الوقت نفسه، انتقدت وسائل إعلام ومحللون تصريحات ترامب المتكررة بشأن تدمير القوات الإيرانية، فقد أشارت تقارير صحافية إلى أن الرئيس الأمريكي كرر عشرات المرات الحديث عن القضاء على القدرات الجوية والبحرية الإيرانية، بينما أظهرت الوقائع الميدانية استمرار النشاط العسكري الإيراني وقدرته على تنفيذ عمليات واسعة النطاق.

وأثار هذا التناقض نقاشا داخل الأوساط الإعلامية الأمريكية نفسها، حيث تساءل بعض المعلقين عن كيفية استمرار الهجمات الإيرانية إذا كانت القدرات العسكرية الإيرانية قد دمرت بالفعل كما تقول الإدارة الأمريكية. في المقابل، حرصت طهران على إبراز قدرتها على الرد واستمرار عملياتها العسكرية، معتبرة أن ما جرى يؤكد فشل الرهانات الأمريكية على إضعاف قدراتها الدفاعية والهجومية.
المفاوضات المستمرة والتداعيات الاقتصادية والإقليمية
رغم ضجيج الحرب والتصعيد العسكري المتبادل بين الولايات المتحدة وإيران، كشفت تقارير إعلامية ودبلوماسية أن قنوات الاتصال السياسية بين الطرفين لم تغلق بالكامل. فقد نقلت شبكة CNN عن مصادر دبلوماسية أن المفاوضات بين واشنطن وطهران ما زالت قائمة، وأن الاتصالات لم تتوقف رغم تبادل الضربات العسكرية خلال الأيام الأخيرة. وتعكس هذه المعطيات حالة معقدة تجمع بين التصعيد الميداني والجهود السياسية في آن واحد، حيث يبدو أن الطرفين لا يرغبان في قطع خيوط التواصل بشكل كامل، حتى في ذروة المواجهة العسكرية.

وتشير التحليلات المتداولة إلى أن الإدارة الأمريكية تسعى إلى توظيف الضغط العسكري كأداة لدفع إيران نحو تقديم تنازلات في الملفات الخلافية، وفي مقدمتها الملف النووي وترتيبات الأمن الإقليمي. وفي هذا السياق، تحدثت مصادر أمريكية عن قيام واشنطن بنقل رسائل إلى طهران عبر وساطة قطرية، تضمنت تحذيرات من أن رفض الشروط الأمريكية المقترحة قد يؤدي إلى زيادة الضغوط العسكرية في المرحلة المقبلة. ووفقا لهذه المصادر، فإن الهدف من الضربات الأخيرة لم يكن مجرد توجيه رسالة عسكرية، بل ممارسة ضغط إضافي على القيادة الإيرانية لدفعها نحو قبول صيغة الاتفاق التي تسعى الإدارة الأمريكية إلى فرضها على طاولة المفاوضات.

وتنسجم هذه الرواية مع ما وصفه بعض المراقبين الأمريكيين بسياسة الدبلوماسية القسرية أو التفاوض تحت الضغط، وهي المقاربة التي تقوم على استخدام القوة العسكرية بالتوازي مع المسار التفاوضي. غير أن هذه السياسة تواجه رفضا إيرانيا واضحا، إذ تؤكد طهران باستمرار أنها لن تقبل التفاوض في ظل التهديد أو الإكراه. وقد عبر السفير الإيراني لدى الأمم المتحدة أمير سعيد إيرواني عن هذا الموقف بوضوح خلال جلسة لمجلس الأمن الدولي، حين أكد أن إيران “لم تتفاوض يوما تحت الضغط ولن تستسلم أبدا للإكراه”، داعيا الولايات المتحدة إلى التخلي عن لغة التهديد إذا كانت تسعى فعلا إلى حل دبلوماسي.

وأكد إيرواني أن بلاده ما زالت متمسكة بحقها في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها وأمنها القومي، محملا الولايات المتحدة وإسرائيل مسؤولية أي تداعيات قد تنجم عن التصعيد العسكري الحالي. كما شدد على أن سياسة التهديد العسكري أثبتت فشلها مرارا، وأن أي مسار تفاوضي حقيقي يجب أن يقوم على الاحترام المتبادل والمساواة في السيادة والالتزام بالقانون الدولي، وليس على فرض الشروط بالقوة. وتكشف هذه التصريحات حجم الفجوة القائمة بين رؤية الطرفين لمسار التفاوض، حيث ترى واشنطن أن الضغط العسكري قد يساعد في تحقيق تقدم سياسي، بينما تعتبره طهران سببا رئيسيا في تعثر الجهود الدبلوماسية.
وفي الوقت نفسه، تعكس التطورات الأخيرة استمرار حالة الغموض بشأن مستقبل المفاوضات. فمن جهة، يواصل مسؤولون أمريكيون الحديث عن إمكانية التوصل إلى اتفاق قريب، ومن جهة أخرى تترافق هذه التصريحات مع تهديدات متكررة بمواصلة العمليات العسكرية أو توسيعها. وقد أسهم هذا التناقض في الرسائل السياسية الصادرة عن واشنطن في تعزيز الشكوك الإيرانية بشأن جدية المسار التفاوضي، كما أضعف فرص بناء الثقة بين الجانبين في مرحلة شديدة الحساسية.
أما على الصعيد الاقتصادي، فقد كانت تداعيات الأزمة سريعة وواضحة. إذ أدت التطورات العسكرية الأخيرة إلى ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية نتيجة المخاوف المتزايدة من تعطل الإمدادات عبر مضيق هرمز. ويعد المضيق أحد أهم الممرات البحرية في العالم، حيث تمر عبره نسبة كبيرة من صادرات النفط والغاز العالمية، ما يجعل أي اضطراب في حركة الملاحة فيه عاملا مؤثرا بشكل مباشر على أسعار الطاقة والأسواق الدولية.

كما أثارت الأزمة مخاوف متجددة من عودة موجات التضخم العالمية، في وقت ما تزال فيه الاقتصادات الكبرى تواجه تحديات مرتبطة بارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ النمو الاقتصادي. ويرى عدد من المحللين أن استمرار التوتر في الخليج، حتى من دون تحول المواجهة إلى حرب شاملة، قد يكون كافيا للحفاظ على أسعار الطاقة عند مستويات مرتفعة لفترة طويلة، وهو ما سينعكس على تكاليف النقل والإنتاج وسلاسل الإمداد العالمية.
ولم تقتصر التداعيات على الجانب الاقتصادي، بل امتدت إلى الجوانب الأمنية والإقليمية. فقد أصدرت السفارات الأمريكية في عدد من دول المنطقة تحذيرات لرعاياها، بينما رفعت حكومات إقليمية مستويات التأهب الأمني والعسكري تحسبا لأي توسع محتمل للمواجهة. كما شهدت بعض الدول إجراءات احترازية شملت مراقبة المجال الجوي وتشديد الإجراءات الأمنية حول القواعد والمنشآت الحيوية.
في المحصلة، تكشف التطورات الأخيرة أن المنطقة ما زالت تعيش على وقع توازن هش بين الحرب والدبلوماسية. فالهجمات الأمريكية والردود الإيرانية المتلاحقة أظهرت أن الطرفين يمتلكان القدرة على التصعيد، لكنهما في الوقت نفسه يواصلان الإبقاء على قنوات الاتصال السياسية مفتوحة. وبينما تستمر الضربات العسكرية وحرب التصريحات، تبقى المفاوضات العامل الأكثر تأثيرا في تحديد مسار الأزمة خلال المرحلة المقبلة. وفي ظل ارتباط هذه المواجهة بأمن الطاقة العالمي واستقرار الشرق الأوسط، فإن نتائجها لن تقتصر على واشنطن وطهران فحسب، بل ستنعكس على مجمل المشهد الإقليمي والدولي، في وقت تبدو فيه المنطقة عالقة بين احتمال العودة إلى التفاوض واحتمال الانزلاق إلى دورة جديدة من التصعيد.

