- زاد إيران - المحرر
- 19 Views
شهدت البورصة الإيرانية خلال الأسابيع الأخيرة واحدة من أكثر موجات الصعود قوة وإثارة منذ سنوات، بعدما تمكنت من تجاوز مرحلة من القلق السياسي والتوترات العسكرية لتعود بقوة إلى واجهة المشهد الاقتصادي الإيراني. ففي غضون أيام قليلة فقط، تحولت سوق الأسهم من حالة الحذر وضغوط البيع إلى ساحة مليئة بطوابير الشراء وتدفقات السيولة القياسية، وسط ارتفاعات غير مسبوقة للمؤشرات الرئيسية وتسجيل أرقام تاريخية جديدة.
وخلال فترة قصيرة لا تتجاوز 15 يوم تداول من العام الإيراني الجديد، تمكنت بورصة طهران من تحقيق قفزات نوعية على مستوى المؤشرات والعوائد وقيم التداول، ما أعاد إليها جزءا كبيرا من الثقة المفقودة خلال السنوات الماضية. ووسط هذا التحول اللافت، برزت مجموعة من العوامل السياسية والاقتصادية والنفسية التي ساهمت في إعادة رسم ملامح السوق، في وقت اعتبر فيه محللون أن البورصة الإيرانية دخلت مرحلة جديدة من النشاط قد تجعلها الوجهة الأولى لرؤوس الأموال المحلية في المرحلة المقبلة.
المؤشرات التاريخية… البورصة الإيرانية تدخل مرحلة جديدة
لم يكن تجاوز المؤشر العام لبورصة طهران حاجز 4.5 مليون نقطة مجرد رقم عابر في تاريخ السوق، بل مثل حدثا استثنائيا عكس حجم التحول الذي تشهده سوق الأسهم الإيرانية، فقد نجح المؤشر العام، لأول مرة في تاريخه، في الوصول إلى مستوى 4 ملايين و540 ألف نقطة، قبل أن يواصل صعوده لاحقا إلى حدود 4 ملايين و593 ألف نقطة، محققا مكاسب يومية تجاوزت أحيانا 114 ألف نقطة في جلسة واحدة.

هذه الارتفاعات جاءت بعد فترة من التقلبات الحادة التي عاشتها السوق نتيجة التوترات السياسية والعسكرية بين إيران وإسرائيل، حيث تعرضت البورصة في بداية الأسبوع لموجة بيع عنيفة دفعت المؤشرات إلى التراجع بشكل مؤقت. إلا أن سرعة التعافي أعطت انطباعا واضحا بأن السوق يمتلك قوة دفع كبيرة، وأن المستثمرين باتوا أكثر استعدادا لتحمل المخاطر مقارنة بالفترات السابقة.
ولم يقتصر الصعود على المؤشر العام وحده، بل امتد أيضا إلى مؤشر الأسهم المتساوية الوزن، الذي يعتبره المحللون أكثر دقة في التعبير عن الأداء الحقيقي للسوق. فقد ارتفع هذا المؤشر إلى أكثر من مليون و235 ألف نقطة، بعد تسجيله نموا تجاوز 28% منذ بداية العام، متفوقا بذلك على المؤشر العام نفسه. ويحمل هذا الارتفاع دلالة مهمة، إذ يشير إلى أن موجة الصعود لم تكن مقتصرة على عدد محدود من الأسهم الكبرى والشركات القيادية، بل شملت قطاعا واسعا من الشركات الصغيرة والمتوسطة، وهو ما يعكس اتساع قاعدة التفاؤل داخل السوق.

كما شهدت السوق الموازية أداء قويا بالتوازي مع بورصة طهران، بعدما تجاوز مؤشرها العام مستوى 35 ألف نقطة، فيما سجل مؤشر الأسهم المتساوية الوزن في هذه السوق نموا تجاوز 1.7% في بعض الجلسات، مع تداولات تخطت 16 مليار ورقة مالية، فيما تكشف الأرقام الخاصة بالقيمة السوقية حجم التوسع الذي تشهده سوق رأس المال الإيرانية. فقد تجاوزت القيمة السوقية للأسواق الأولى والثانية في السوق الموازي حاجز 188 مليون مليار ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 105.6 مليارات دولار، بينما اقتربت القيمة السوقية للسوق الأساسية من 45 مليون مليار ريال، بما يعادل نحو 25.3 مليار دولار، في مؤشر على تضخم حجم السيولة والاستثمارات داخل السوق.

في الوقت نفسه، سجلت قيمة التداولات النقدية مستويات قياسية، حيث وصلت في إحدى الجلسات إلى 370 ألف مليار ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 208 ملايين دولار، وهو أعلى مستوى تاريخي للتداولات اليومية في السوق الإيرانية. وحتى في الجلسات اللاحقة التي تراجعت فيها قيمة التداولات نسبيا، بقيت عند مستويات مرتفعة تراوحت بين 160 ألف مليار و230 ألف مليار ريال، بما يعادل نحو 90 إلى 129 مليون دولار، ما يعكس استمرار النشاط القوي للمتعاملين.
ويعتبر كثير من المحللين أن ارتفاع قيمة التداولات يعد من أهم المؤشرات على قوة الاتجاه الصعودي واستدامته، لأن أي صعود لا تدعمه سيولة قوية غالبا ما يكون مؤقتا أو هشا.
عودة الأموال الحقيقية… السيولة تعيد رسم خريطة الاستثمار
إذا كانت المؤشرات القياسية قد شكلت الواجهة الظاهرة لانتعاش البورصة الإيرانية، فإن العنصر الأهم والأكثر تأثيرا تمثل في العودة القوية للأموال الحقيقية إلى السوق، حيث شهدت الأسابيع الأخيرة تدفقات ضخمة من السيولة الفردية نحو الأسهم، في ظاهرة اعتبرها مراقبون تحولا استراتيجيا في سلوك المستثمر الإيراني.
في إحدى الجلسات، دخل أكثر من 80 ألف مليار ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 45 مليون دولار، من الأموال الحقيقية إلى سوق الأسهم خلال يوم واحد فقط، وهو أعلى مستوى لتدفقات السيولة الفردية في تاريخ البورصة الإيرانية. وقبل ذلك بأيام، كانت السوق قد سجلت دخول أكثر من 60 ألف مليار ريال، بما يعادل نحو 33.7 مليون دولار، ما يعني أن الرقم القياسي تم تحطيمه مرتين خلال فترة قصيرة للغاية.

كما بلغ صافي دخول الأموال الحقيقية إلى السوق خلال أول 15 يوم تداول من العام نحو 500 ألف مليار ريال إيراني، أي ما يعادل قرابة 281 مليون دولار، وهو رقم ضخم يعكس حجم التحول الجاري في حركة رؤوس الأموال داخل الاقتصاد الإيراني.
وتشير البيانات إلى أن جزءا مهما من هذه السيولة جاء من الأسواق الموازية، مثل الذهب والعملات وصناديق الدخل الثابت، بعدما بدأ المستثمرون ينظرون إلى الأسهم باعتبارها الخيار الأكثر جاذبية من حيث العائد المحتمل.
ففي الوقت الذي سجلت فيه صناديق الأسهم تدفقات قاربت 20 ألف مليار ريال إيراني، بما يعادل نحو 11.2 مليون دولار، في بعض الجلسات، شهدت صناديق الدخل الثابت خروج مئات أو حتى آلاف المليارات من الريالات، ما يعكس انتقال الأموال من الأدوات الاستثمارية منخفضة المخاطر إلى سوق الأسهم.

كما تراجعت جاذبية أسواق الذهب والعملات بالتزامن مع صعود البورصة. فقد انخفض سعر الدولار الحر إلى حدود مليون و760 ألف ريال إيراني، بينما تراجعت أسعار الذهب المحلي رغم استمرار ارتفاع الذهب عالميا، نتيجة تراجع سعر الصرف داخل إيران.
ويعتقد محللون أن هذا التحول يعكس تغيرا واضحا في أولويات المستثمرين، الذين باتوا يرون في سوق الأسهم فرصة لتعويض جزء من الخسائر أو التأخر الذي عانت منه البورصة خلال السنوات الماضية مقارنة ببقية الأسواق.
كما لعبت التوقعات المتعلقة بالتضخم وأسعار الصرف دورا مهما في دعم السوق. فمع استمرار ارتفاع الأسعار داخل الاقتصاد الإيراني، يرى كثير من المستثمرين أن الشركات المدرجة مرشحة لتحقيق أرباح أعلى نتيجة ارتفاع أسعار منتجاتها وإيراداتها، وهو ما يجعل الأسهم أكثر جاذبية على المدى المتوسط.

وتعكس مؤشرات التداول أيضا حجم التفوق الواضح للمشترين داخل السوق. ففي بعض الجلسات، بلغت قيمة أوامر الشراء نحو 190 ألف مليار ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 106.7 ملايين دولار، مقابل أقل من ألفي مليار ريال فقط لأوامر البيع، بما يعادل نحو 1.1 مليون دولار، بينما أغلقت مئات الأسهم ضمن طوابير شراء.
وفي إحدى الجلسات، أنهت 720 شركة تداولاتها على صفوف شراء، مقابل 8 شركات فقط على صفوف بيع، بينما شهدت جلسات أخرى وجود نحو 500 سهم في حالة طلب مرتفع.
كما ارتفع متوسط شراء المستثمرين الحقيقيين إلى مستويات غير مسبوقة، حيث بلغ في بعض الأيام نحو مليار و220 مليون ريال إيراني للفرد، أي ما يعادل قرابة 685 دولارا، مقابل متوسط بيع بلغ 530 مليون ريال، بما يعادل نحو 298 دولارا، وهو ما رفع مؤشر قوة الشراء إلى 2.3، في إشارة إلى هيمنة واضحة للمشترين على السوق.
السياسة والاقتصاد… بين المخاطر والفرص
رغم الأداء القوي للبورصة الإيرانية، فإن المشهد لا يزال مرتبطا إلى حد كبير بالعوامل السياسية والتطورات الإقليمية، فقد أثبتت الأحداث الأخيرة أن السوق ما زالت شديدة الحساسية تجاه الأخبار السياسية والعسكرية، خصوصا تلك المتعلقة بالتوترات بين إيران وإسرائيل.
ففي بداية الأسبوع، أدى استئناف التوترات العسكرية وتصاعد المخاوف من توسع المواجهة إلى موجة بيع واسعة، تسببت في خروج نحو 70 ألف مليار ريال إيراني، أي ما يعادل نحو 39.3 مليون دولار، من الأموال الحقيقية خلال جلسة واحدة، كما تراجعت المؤشرات الرئيسية بشكل ملحوظ.
لكن اللافت أن السوق تعافت بسرعة كبيرة فور تراجع حدة المخاوف السياسية، وعادت السيولة بقوة أكبر من السابق، وهو ما اعتبره كثير من المحللين دليلا على نضج نسبي في سلوك المستثمرين مقارنة بالسنوات الماضية.
وفي هذا السياق، قال المحلل المالي محمد خبري زاد إن رد فعل السوق تجاه التوترات الأخيرة كان مختلفا عن السنوات السابقة، موضحا أن البورصة لم تدخل هذه المرة في حالة ذعر جماعي أو انهيار واسع، بل حافظت على قدرتها على اكتشاف الأسعار واستيعاب عمليات البيع والشراء بصورة طبيعية، وأضاف أن السوق أظهر مرونة لافتة، خاصة مع استمرار التداولات وغياب الإغلاقات الكاملة أو الانهيارات الحادة التي كانت تحدث سابقا عند أي تصعيد سياسي.

وأشار خبري زاد إلى أن إعادة فتح عدد من الأسهم القيادية، مثل غدير وتابيكو، ساهمت في دعم المؤشر العام، فيما لعب سهم فملي الدور الأكبر في صعود السوق، بعدما أضاف وحده نحو 19 ألف نقطة إلى المؤشر العام في إحدى الجلسات.
من جانبه، اعتبر المحلل فردين آقا بزركي أن السوق الإيرانية ما زالت تمتلك إمكانات كبيرة للنمو، موضحا أن البورصة كانت خلال السنوات الماضية أقل من قيمتها الحقيقية مقارنة ببقية الأسواق، كما أشار إلى أن ارتفاع سعر الدولار والتضخم بدأ ينعكس تدريجيا على نتائج الشركات المدرجة، ما يجعل كثيرا من الأسهم لا تزال جذابة من حيث التقييم.

وأضاف آقا بزركي أن جزءا مهما من الأموال المتدفقة إلى السوق جاء من قطاعات مثل السيارات والذهب والعملات، بعدما بدأ المستثمرون يبحثون عن فرص تحقق عوائد أعلى وأكثر استقرارا.
كما يرى محللون أن اقتراب موسم الجمعيات العمومية للشركات وإعلان النتائج المالية السنوية قد يشكل عامل دعم إضافي للسوق، خاصة إذا أظهرت الشركات المدرجة نموا في الأرباح والإيرادات.
في المقابل، لا تزال هناك تحديات قد تؤثر على استدامة الاتجاه الصعودي، أبرزها احتمال عودة التوترات السياسية أو حدوث تطورات اقتصادية تضغط على السيولة أو تؤثر في ثقة المستثمرين، كما أن استمرار السوق في تحقيق مكاسب قوية خلال فترة قصيرة يثير تساؤلات حول قدرة المؤشرات على الحفاظ على وتيرة الصعود الحالية دون المرور بموجات تصحيح جديدة.
ومع ذلك، فإن الصورة العامة التي تعكسها تداولات الأسابيع الأخيرة تشير بوضوح إلى أن البورصة الإيرانية استعادت جزءا كبيرا من زخمها، وأنها باتت مجددا في صدارة اهتمامات المستثمرين المحليين. وبينما تبقى العوامل السياسية عنصرا حاسما في تحديد اتجاه السوق، فإن ما تحقق حتى الآن يؤكد أن سوق الأسهم الإيرانية دخلت مرحلة مختلفة عنوانها الرئيسي: عودة الثقة والسيولة والتفاؤل، بعد سنوات طويلة من الحذر والتقلبات.

