- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 95 Views
كتب: الترجمان
بين تصريحها الشهير في أواخر عام 2018 بأنها “ليست شخصية سياسية على الإطلاق” والواقع الحركي الذي فرضه وجودها في القصر الرئاسي الإيراني، مسافة شاسعة قطعتها جميلة علم الهدى، زوجة الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي وابنة إمام جمعة مشهد المثير للجدل أحمد علم الهدى. فرغم محاولاتها المستمرة لتقديم نفسها كأكاديمية بعيدة عن المطبخ التنفيذي، إلا أن تحركاتها وتصريحاتها وضعتها في قلب العواصف السياسية والإعلامية، لتصبح واحدة من أكثر زوجات الرؤساء الإيرانيين إثارة للجدل في تاريخ الجمهورية الإسلامية.
إن هذا التحول من رداء الظل الأكاديمي إلى وهج المنصات السياسية يمثل حالة فريدة في التاريخ السياسي الإيراني المعاصر، حيث تداخلت القرابة الأسرية بالطموح المعرفي، ليتولدا معا نموذجا جديدا لامرأة لم تكتفِ بدور المرافق البروتوكولي، بل سعت لصياغة سردية خاصة بها، متجاوزة الكثير من الخطوط الحمراء التقليدية التي رسمت حدود حركة زوجات المسؤولين في الدولة الإيرانية على مدى عقود طويلة.
من التواري إلى الصدارة.. تحول جذري في مفهوم “زوجة الرئيس”
عُرفت زوجات الرؤساء في إيران تاريخيا بالابتعاد الشبه التام عن الأضواء والعمل في خلفية المشهد، باستثناء إشارات عابرة لأسماء مثل عفت مرعشي زوجة الرئيس الأسبق هاشمي رفسنجاني أو زهرة صادقي زوجة الرئيس الأسبق محمد خاتمي. لكن جميلة علم الهدى كسرت هذا النمط التقليدي منذ الأيام الأولى لتولي زوجها الرئاسة، وسعت بوضوح إلى صياغة دور جديد يتجاوز المألوف المحلي.
ورغم عدم وجود أي صفة رسمية لما يسمى “السيدة الأولى” في الدستور الإيراني —الذي يحدد رئيس الجمهورية كأعلى مقام تنفيذي بعد القيادة العليا— إلا أن حركتها الإعلامية ودعمها لمؤتمرات دولية جعلها تتصدر المشهد كشخصية تبحث عن هوية سياسية مستقلة.
هذا الخروج المتكرر إلى العلن، ومحاولة مأسسة دور لزوجة الرئيس عبر منصات إعلامية محلية ودولية، أثار حفيظة النخب السياسية من مختلف التيارات، والذين رأوا في هذا السلوك محاولة “لغربنة” منصب الرئاسة الإيرانية وإقحام تقاليد سياسية لا تتوافق مع البنية الفكرية والدستورية للنظام الإسلامي، مما جعل كل تحرك لها مرصودا ومحاطا بأسئلة مشروعة حول الدوافع والغايات.

لغز التدخل في التعيينات وتوصية القيادة العليا
ارتبط اسم جميلة علم الهدى بسلسلة طويلة من الشائعات والاتهامات المتعلقة بالتدخل المباشر في عزل وتعيين المسؤولين الحكوميين، لا سيما في قطاعي التعليم العالي والتربية والتعليم. ورغم النفي الرسمي المتكرر، إلا أن تصريحاتها الأخيرة لصحيفة “خراسان” كشفت عن مفاجأة سياسية تمثلت في أن المرشد الأعلى صرح لها شخصيا، في أول لقاء بعد فوز رئيسي بالانتخابات، بضرورة عدم التدخل في الشؤون التنفيذية والإدارية للدولة والتزام القواعد الدستورية.
هذا الكشف المتأخر أثار موجة جديدة من التحليلات حول طبيعة ذلك التوجيه، وما إذا كان تحذيرا استباقيا مبنيا على استشراف لطبيعة شخصيتها النافذة، أم أنه كان استجابة لتقارير أولية تداولتها الدوائر المغلقة.
وبررت علم الهدى هذا الأمر بأن علاقاتها الواسعة وخلفيتها الأكاديمية في سلك التعليم جعلت المراجعين يتدفقون عليها لطلب الوساطة، مما خلق انطباعا زائفا بأنها تدير التعيينات من وراء الستار، في حين أنها كانت تلتزم بالتوصية القيادية وتتجنب التورط المباشر في تلك التعيينات.
شهادات متناقضة وضغوط سياسية خلف الكواليس
تتأرجح الروايات المحيطة بنفوذ علم الهدى داخل أروقة الحكومة بين النفي المطلق والتأكيد الحاد من قبل الفاعلين السياسيين والإعلاميين الإيرانيين. فمن جهة، يؤكد رئيس مكتب الرئاسة الأسبق، غلام حسين إسماعيلي، ومعه والدها أحمد علم الهدى، أن الرئيس الراحل لم يكن يعير رأي زوجته أي اهتمام في المسائل الإدارية وأن بيتهما كان معزولاً تماماً عن تجاذبات العمل الحكومي والقرارات السياسية.
وفي المقابل، تبرز روايات مغايرة تماما من معسكر الإعلام والسياسة، مثل الانتقادات اللاذعة التي وجهها الناشط الأصولي محمد مهاجري حول شعور أعضاء الحكومة بالإهانة والاضطرار لتقديم تقارير عمل لعلم الهدى وتلقي الأوامر من عائلة الرئيس، بالإضافة إلى التسريبات المنسوبة لسعيد محمد حول اشتراط رؤية زوجة الرئيس أولاً وتوجيهها قبل التمكن من لقاء رئيسي شخصيا، فضلا عن دورها المزعوم في حملات تصفية وإقصاء الأساتذة المنقدين في جامعة فردوسي بمشهد عقب احتجاجات عام 2022.

معركة “السيدة الأولى” والخطاب الخارجي المثير للجدل
أثارت تصريحات علم الهدى بشأن مفهوم “السيدة الأولى” لغطا فكريا واسعا، خاصة بعد مقارنتها لنفسها وما طُلب منها بكتاب مذكرات ميشيل أوباما، معتبرة أن الفكرة جذابة لكنها تحتاج لسياق إسلامي. ورغم تراجعها لاحقا وتوضيحها أن هذا اللقب في إيران ينطبق حصرًا على زوجة المرشد الأعلى، إلا أن نشاطها الدولي ظل يعكس رغبة عارمة في ممارسة هذا الدور الغربي حرفيا.
ويظهر ذلك جلياً في تنظيمها لـ “الكونغرس الدولي للسيدات المؤثرات” الذي واجه انتقادات حادة بسبب تكاليفه المالية الباهظة في وقت تعاني فيه البلاد من أزمة اقتصادية، وكذلك رسالتها المباشرة إلى بريجيت ماكرون، زوجة الرئيس الفرنسي، بشأن حرب غزة، وهي الرسالة التي انتقدها خبراء الدبلوماسية بقوة كونها كُتبت دون أي تنسيق مع وزارة الخارجية، ووجهت لشخصية رافقت زوجها لدعم إسرائيل، مما أظهر الخطاب الدبلوماسي غير الرسمي للحكومة في حالة من التخبط وعدم الانسجام.
الموقف من الحجاب والملفات الاجتماعية المعقدة
في ذروة الأزمات الاجتماعية التي تلت احتجاجات عام 2022، حاولت علم الهدى تقديم مقاربة نظرية مختلفة لملأ الفراغ الخطابي السائد، فاعتبرت أن قضية الحجاب مسألة معقدة ومتعددة الأبعاد لا يمكن حسمها بالقوانين الجافة بل تحتاج لمشاركة مجتمعية واسعة.
وفي تشخيصها الجريء للواقع، لفتت إلى أن النساء في إيران —سواء المحجبات أو غيرهن— يواجهن ضغوطاً متزايدة وهبوطاً حاداً في مستوى الأمن الاجتماعي في الأماكن العامة بسبب السلوكيات والمضايقات، مما يدفع الكثيرات منهن للانعزال في المنازل والابتعاد عن الفضاءات الترفيهية والعامة.
كما انتقدت استغلال بعض أصحاب العمل للنساء وتوظيفهن بأجور زهيدة مستغلين حاجتهن، معتبرة أن هذه المنظومة تخلق ضغطاً هيكلياً مشوهاً ضدهن، داعية السياسيين إلى صياغة رؤية شاملة تضمن فرص العمل والأمن الاجتماعي والكرامة الإنسانية للمرأة الإيرانية بعيداً عن الاختزال السياسي الضيق.

طموح سياسي مستقل خارج جلباب الأب والزوج
تُظهر القراءة المتأنية لمسيرة جميلة علم الهدى، خاصة بعد حادثة سقوط مروحية الرئيس، أنها لم تعد مجرد صدى لصوت والدها الأصولي المتشدد في مشهد أو زوجها الراحل في طهران. ورغم أن والدها يدافع عنها بتقديمها كأكاديمية بارزة قادت أقساما نسائية في جامعة إمام صادق وتغربت من أجل العلم، ورغم محاولات أنصار الحكومة السابقة رسم هالة مستقلة من النقاء حولها، إلا أن سلوكها العام يضعها في خانة “امرأة السياسة” التي تستخدم أدوات السلطة والنفوذ، وليس “السياسية المرأة” التي تتدرج في العمل الحزبي التقليدي.
ومن هنا، يرى مراقبون للشأن الإيراني أن تحركاتها الأخيرة، بما فيها رسائلها الموجهة لمجلس خبراء القيادة لتسريع اختيار المرشد الأعلى وسد طرق التفرقة والفتن، قد تكون تمهيدا مدروسا لقيادة تيار الداعمين لإرث حكومة الراحل إبراهيم رئيسي، أو ربما خطوة استراتيجية أبعد نحو دخول معترك التنافس الرئاسي بشكل مباشر، لتثبت أنها خرجت تماما من تحت ظلال الرجال لتصنع ظلها الخاص في عالم السياسة الإيرانية المعقد.

