- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 48 Views
كتب: الترجمان
بين شائعات الاغتيال، وأنباء الإصابة بموجة انفجار، وبين “عزلة اختيارية” في فيلا خاصة، يجد المتابع للمشهد الإيراني نفسه أمام لغز سياسي بطلُه الرجل الذي ملأ الدنيا ضجيجا لسنوات، محمود أحمدي نجاد.
لم يعد “رجل الربيع” كما كان يلقب نفسه، يتصدر المنصات بخطاباته النارية ضد “الاحتلال الإسرائيلي”، بل بات اليوم مادة دسمة لتقارير صحفية إيرانية تتأرجح بين القلق والتشكيك، في ظل صمت مريب من مكتبه، وتصريحات متضاربة من المقربين السابقين، مما يطرح تساؤلات جوهرية حول توقيت هذا الغياب وطبيعته في ظل تحولات دراماتيكية تشهدها هرمية السلطة في طهران.
من منصات الوعيد إلى صمت “الميدان 72”
لقد شكل ميدان “72 نارمک” في طهران، لسنوات طويلة، رمزية سياسية لأحمدي نجاد، حيث كان يتجمع أنصاره وتوزع الرسائل وتُطلق المواقف التي طالما أحرجت التيار الأصولي التقليدي والحكومات المتعاقبة. إلا أن هذا الميدان شهد في الآونة الأخيرة تحولا دراماتيكيا؛ فبعد أن كان منبراً لصوت نجاد، أصبح مسرحا لأنباء عن هجوم استهدف “غيت” الحراسة الخاص به.
الرواية الإعلامية، كما نقلتها منصات مثل “شرق” و”تابناک“، تشير إلى وقوع هجوم صاروخي اتهمت فيه إسرائيل والولايات المتحدة بالضلوع فيه في الأول من مارس/آذار 2026، وهو الهجوم الذي أدى إلى استشهاد عدد من حراسه.
هذا الحدث لم يكن مجرد خرق أمني، بل كان نقطة التحول التي غيبت نجاد عن الأنظار تماما، ليحل محل ظهوره الشخصي بيانات مقتضبة تثير من الأسئلة أكثر مما تقدم من إجابات، مما جعل الداخل الإيراني يتساءل عن جدوى الشعارات القديمة أمام واقع الضربات العسكرية المباشرة.

الرواية والمناقض لها: هل هو اغتيال أم اختفاء قسري؟
تصارعت الروايات داخل الفضاء الإعلامي الإيراني حول مصير الرئيس الأسبق؛ فبينما ذهبت بعض الوكالات في البداية إلى ترويج أنباء عن “شهادته” في هجوم “نارمك”، سارعت مصادر أخرى للنفي، مكتفية بالتأكيد على نجاة نجاد مع إصابات طفيفة.
وفي محاولة لفك شفرة هذا الغموض، خرج عباس أميري فر، المستشار السابق لنجاد والذي بات اليوم من منتقديه، بتصريحات لوكالة “خبر أونلاين” رسمت صورة مغايرة. يرى أميري فر أن نجاد لم يُستهدف بشكل مباشر في منزله، بل إن الهجوم طال نقطة التفتيش الخارجية، وأن إصابته لم تتعدَّ “موجة انفجار” وإصابة بسيطة في القدم.
اللافت في هذا التناول هو الإشارة إلى أن نجاد قد يكون اختار “الاختفاء الإرادي” لتجنب رصده، أو أنه غادر في رحلة خاصة لرؤية صهره ومستشاره المثير للجدل “اسفنديار رحيم مشائي”، وهو تبرير يراه مراقبون محاولة لتهوين الموقف أو التغطية على وضع صحي أو أمني أكثر تعقيدا، خاصة وأن غيابه يتزامن مع إعادة تشكيل موازين القوى في إيران.

التحول الأيديولوجي: نجاد الآن ليس نجاد الثمانينات
يعقد الإعلام الإيراني، وخاصة الإصلاحي والمعتدل منه، مقارنات حادة بين شخصية أحمدي نجاد في العقد الأول من الألفية وبين شخصيته الحالية في عام 2026. نجاد الذي بنى مجده السياسي على إنكار “الهولوكست” والدعوة لمحو إسرائيل، يظهر اليوم في التقارير الصحفية كشخص “بارد” تجاه الصراع العسكري المباشر بين طهران وتل أبيب.
تبرز صحيفة “تابناک” هذا التحول، فكانت قد نشرت تقريرا اعتبرت فيه أن نجاد “النسخة الحالية” لم يعد يهتم بالإجراءات الإسرائيلية كما في السابق، بل اكتفى ببيانات ديبلوماسية باهتة لا تتماشى مع إرثه “الراديكالي”.
هذا التبدل في النبرة، يفسره البعض كنوع من خيبة الأمل السياسية بعد استبعاده المتكرر من الانتخابات، بينما يراه آخرون مناورة للتموضع كـ “منقذ” بعيد عن مغامرات المؤسسات العسكرية، مما عمق الفجوة بينه وبين قاعدة النظام الصلبة التي كانت تراه يوما “معجزة الألفية”.
الاعتراف بالقيادة الجديدة: رسالة من تحت الركام؟
وسط هذا الضجيج حول مكان وجوده، برزت واقعة سياسية ذات دلالة عميقة تمثلت في رسالة التهنئة المنسوبة لأحمدي نجاد والموجهة إلى المرشد الأعلى مجتبى خامنئي بمناسبة اختياره من قبل مجلس الخبراء كمرشد ثالث لإيران.
هذه الرسالة، التي نشرتها وكالة “شهرآرانيوز”، تعد الوثيقة السياسية الأهم لنجاد في فترة “اختفائه”. يرى المحللون أن هذه الخطوة تعكس رغبة نجاد في الحفاظ على شعرة معاوية مع هرم السلطة الجديد، وضمان مكان له في خارطة “إيران ما بعد التحول”، رغم كل ما يشاع عن تهميشه.
إنها رسالة “بقاء سياسي” بامتياز، تهدف لتأكيد ولاءه للمؤسسة القيادية في وقت تزداد فيه الضغوط الخارجية والداخلية، وكأن نجاد يريد القول إنه وإن غاب جسديا، فإنه ما يزال يراقب موازين القوى بدقة، ويحاول حجز مقعد في المستقبل السياسي لإيران رغم القيود المفروضة عليه.

صراع “دولة الربيع” مع المؤسسة الأمنية في إيران
لا يمكن فصل اختفاء نجاد عن تاريخ صراعه الطويل مع “مجلس صيانة الدستور” ودوائر صنع القرار. التقارير الإعلامية تشير بوضوح إلى أن تحركات نجاد في “ميدان نارمك” ولقاءاته الأسبوعية كانت تزعج السلطات، لأنها تخلق مركز ثقل موازي يعتمد على الشعبوية الاقتصادية.
وبحسب وكالة “خبر أونلاين”، فإن صمته المطبق في ظل الحروب المباشرة التي تشارك فيها إيران، قد يكون جزءا من استراتيجية “الاحتجاج الصامت”. فبينما كان يُنتظر منه أن يكون في طليعة الحاشدين للجماهير ضد إسرائيل، فضل الابتعاد، وهو ما فسره خصومه السياسيون بأنه “تمثيلية” جديدة تهدف لجذب الانتباه عبر الغياب، بعد أن فشل في جذبه عبر الحضور، مما يعزز فرضية أنه يعاني من عزلة سياسية فرضتها عليه أجهزة الدولة التي ضاقت ذرعاً بمناوراته المستمرة.
ملامح السيرة المتقلبة: من الهندسة إلى دهاليز السياسة
عند مراجعة السيرة الذاتية التي تعيد وسائل الإعلام في إيران نشرها في ظل الأزمة الحالية، نجد أن نجاد ليس مجرد سياسي عابر، بل هو “ابن النظام” الذي انقلب على بعض ثوابته أو حاول تطويعها. من كونه أستاذا جامعيا ومقاوما في جبهات الحرب العراقية الإيرانية، إلى وصوله لسدة الرئاسة عام 2005، يظل نجاد لغزا مهنيا وسياسيا.
التقارير التي تتناول أصوله من قرية “أرادان” ومسيرته في بلدية طهران، تحاول دائما تفسير سلوكه الحالي من خلال “عناده” السياسي المعروف. هذا التاريخ الطويل يجعل من اختفائه الحالي أمرا غير مسبوق؛ فالرجل الذي لم ينسحب يوما من معركة سياسية، يبدو اليوم وكأنه أُجبر على التراجع، سواء تحت وطأة التهديد الأمني الخارجي الذي طال أسوار منزله أو التضييق السياسي الداخلي الذي قلص مساحة حركته إلى أدنى مستوياتها منذ دخوله عالم السياسة.

الهدنة الإجبارية وتكتيكات البقاء
تستكمل هذه الحالة من الغموض فصلا جديدا في تاريخ السياسة الإيرانية، حيث يتحول “الرئيس الصاخب” إلى “لغز صامت” في توقيت هو الأكثر حرجا للدولة. إن التحليلات التي تربط بين إصابته الجسدية وبين غيابه السياسي تشير إلى احتمال وجود توافق ضمني أو “هدنة إجبارية” فرضتها الظروف الأمنية الراهنة؛ فالدولة التي تخوض حربا مباشرة قد لا تحتمل مشاغبات نجاد المعهودة، وهو بدوره قد وجد في “موجة الانفجار” مخرجا لائقا للانزواء بعيدا عن اتخاذ مواقف قد تحرجه أمام جمهوره أو تضعه في مواجهة مباشرة مع مراكز القوى الجديدة.
هذه الهدنة تبدو وكأنها محاولة من نجاد لإعادة تقييم موقفه، بينما يراها خصومه كإقرار منه بالنهاية السياسية لمشروعه الذي استمر لعقدين، خاصة مع تصاعد نفوذ التيارات التي ترى في نهجه خطراً على استقرار المؤسسة الحاكمة في إيران.
هل اقتربت نهاية “الظاهرة النجادية”؟
في نهاية المطاف، يبدو أن محمود أحمدي نجاد يعيش اليوم أصعب مراحل حياته السياسية؛ فهو محاصر بين استهداف خارجي جعل من منزله وحراسه مرمى للصواريخ، وبين ريبة داخلية تراه شخصية لم يعد من الممكن التنبؤ بتصرفاتها.
التقرير الإعلامي الإيراني بمختلف ألوانه، يجمع على أن “أحمدي نجاد المختفي” يمثل حالة قلق للنظام وللمجتمع على حد سواء. إن بقاءه في “فيلا خاصة” بعيدا عن الأضواء، أو معاناته من آثار “موجة انفجار”، لا ينهي التساؤل الأهم: هل سيعود نجاد إلى الميدان مرة أخرى، أم أن شظايا الصراع الإقليمي قد أزاحت “معجزة الألفية الثالثة” نهائيا عن مسرح الأحداث؟
الحقيقة تظل معلقة بين ركام “نارمك” وصمت الفيلا الغامضة، في انتظار ظهور قد يغير قواعد اللعبة أو ينهيها للأبد، بينما تظل إيران تراقب بصمت مصير أحد أكثر رؤسائها إثارة للجدل في العصر الحديث.

