من تعليق الرحلات إلى إغلاق المعابر.. استراتيجية بغداد لتطبيع المطالب الأمريكية المناهضة لإيران

نشرت صحيفة «جام جام» الإيرانية، الخميس 22 أكتوبر/تشرين الأول 2026، تقريرًا تناولت فيه تداعيات قرار الحكومة العراقية إغلاق عدد من المعابر الحدودية مع إيران، مسلطةً الضوء على ما وصفته بمساعي بغداد لتنفيذ المطالب الأمريكية الرامية إلى تقييد التبادل التجاري والحدودي بين البلدين.

Image
Image

ذكرت الصحيفة أن الحكومة العراقية أغلقت، فجر الأربعاء 21 أكتوبر، بشكل مفاجئ ومن دون تقديم أي توضيح رسمي، منفذ الشيب الحدودي في محافظة ميسان، المقابل لمنفذ جذابة في محافظة خوزستان الإيرانية، أمام المسافرين والزوار والشاحنات التجارية حتى إشعار آخر.

وتابعت أن مصادر رسمية عراقية، من بينها وكالة «ميزان» التابعة للسلطة القضائية، أكدت أن إغلاق المنفذ جاء بموجب توجيه مباشر من مكتب رئيس الوزراء علي الزيدي. 

وبينت أنه في الوقت نفسه، أفادت وكالات أنباء دولية وإقليمية، بينها رويترز ووكالة الأنباء الوطنية العراقية «نينا»، بتعليق حركة العبور بالكامل بذريعة «مراجعة الترتيبات الأمنية».

وأضافت أن شبكة «الجزيرة»، نقلًا عن مصادر حكومية في بغداد، كشفت أن القرار لن يقتصر على منفذ جذابة، بل سيشمل خلال الأيام المقبلة إغلاق عدة معابر برية أخرى بين البلدين على مراحل. 

وأوضحت في السياق نفسه، أن موقع «العين الإخبارية» وشبكة «ميدل إيست نيوز» أفادوا بأن قرار إغلاق الحدود اتُّخذ خلال زيارة الزيدي الأخيرة إلى نيويورك، استنادًا إلى تعليمات ومهلة مباشرة من وزارة الخزانة الأمريكية لتقييد التبادلات الحدودية مع إيران.

وأشارت إلى أن الخطة تهدف إلى تقليص عدد المعابر الرسمية من ثمانية إلى معبرين يخضعان لرقابة أمريكية مشددة. 

ورأت أن تزامن القرار المفاجئ مع تقارير إعلامية إقليمية عن مفاوضات المبعوث الأمريكي الخاص وتحذيرات وزارة الخزانة الأمريكية يشير إلى أن خطوة رئيس الوزراء العراقي تتجاوز التدابير التنظيمية أو الفنية، لتندرج ضمن مساعي الضغط الاقتصادي على طهران.

وأكدت أن منتقدي القرار يعتبرونه مؤشرًا على تقديم الاعتبارات المرتبطة بالعقوبات الخارجية على الضرورات الجيوسياسية وتطلعات الشعب العراقي.

استراتيجية تدريجية لتنفيذ مطالب الخزانة الأمريكية

Image

ذكرت الصحيفة أنه لا ينبغي النظر إلى إغلاق منفذ جذابة باعتباره حدثًا منفردًا أو قرارًا مؤقتًا ومعزولًا، إذ تكشف مراجعة التحركات خلال الأشهر الأخيرة أن حكومة علي الزيدي تنفذ بهدوء، وفق جدول زمني مدروس، خطة ترتبط مباشرة بوزارة الخزانة الأمريكية في واشنطن.

وتابعت أن مصادر دبلوماسية ووسائل إعلام دولية، بينها وكالة فرانس برس وموقع «العين الإخبارية»، كشفت عقب تصاعد التوترات الإقليمية وتكثيف الضغوط الاقتصادية الأمريكية على طهران أن مسؤولين أمريكيين طالبوا الزيدي مباشرة، بقطع شرايين الاتصال البرية الحيوية بين طهران وبغداد أو تقليصها إلى أدنى مستوى.

وأضافت أن السيناريو الذي تقترحه واشنطن يقوم على اختزال الحدود الممتدة لأكثر من 1400 كيلومتر بين البلدين في معبرين فقط يمكن إخضاعهما للرقابة، أحدهما في إقليم كردستان والآخر في المنطقة الوسطى، عبر محور مهران. 

وأوضحت أن هذا السيناريو يهدف ذلك إلى تركيز حركة العبور وتعزيز مراقبة المعاملات، وضبط التبادل التجاري، وتوسيع رقابة مفتشي وخبراء الخزانة الأمريكية على المبادلات المالية والسلعية بين البلدين.

وبينت أن واشنطن تدرك أن انتشار المعابر الرسمية الثمانية وعشرات نقاط التبادل يحد من فاعلية فرض العقوبات على اقتصاد المنطقة؛ لذلك وضعت إغلاق عدد من المنافذ ضمن استراتيجيتها الأساسية لتضييق منافذ التنفس الاقتصادي أمام إيران، على طاولة المفاوضات مع بغداد.

وأكدت أن اختبار هذه السياسة من دون تقييم تكاليفها الاجتماعية وردود الفعل الداخلية أمر غير ممكن، نظرًا إلى عمق الروابط بين الشعبين الإيراني والعراقي، التي لا يمكن قطعها بمجرد توقيع اتفاق. 

وأشارت إلى أن حكومة الزيدي سبق أن اتخذت خطوة مشابهة عندما علّقت فجأة رحلات شركات الطيران الإيرانية إلى المطارات العراقية.

وأضافت أن القرار أثار سريعًا ردود فعل غاضبة في أوساط الرأي العام العراقي والقيادات السياسية وقطاعات واسعة من الشيعة في البلاد، ووصلت الاحتجاجات الشعبية إلى حد دفع خبراء إلى التحذير من احتمال اندلاع أزمة سياسية عميقة في بغداد. 

وبينت أنه أمام هذه الضغوط، اضطرت الحكومة العراقية إلى التراجع التكتيكي، بعد الحصول على إعفاء مؤقت من وزارة الخزانة الأمريكية لاستثناء مطار النجف من القرار، تجنبًا لموجة احتجاجات واسعة.

وأكدت أن تجربة تعليق الرحلات شكّلت درسًا لمهندسي هذه السياسة، وأظهرت مدى حساسية المجتمع العراقي تجاه الإجراءات التصادمية مع إيران، وأن أي خطوة جذرية ومفاجئة ستواجه مقاومة شعبية قوية.

وأوضحت أنه لذلك، تستند استراتيجية حكومة الزيدي الجديدة إلى «التدرج في خفض الحساسية» تجاه هذه الإجراءات.

وتابعت أن هذه الاستراتيجية تقوم على إغلاق منفذ تجاري ومسافري مهم، مثل الشيب، بذريعة «أسباب فنية» و«مراجعة أمنية»، ثم قياس ردود فعل الرأي العام والقوى السياسية، وفي حال تجاوز هذه المرحلة بهدوء ومن دون تكلفة كبيرة، تعميم الإغلاق تدريجيًا ليشمل معابر رسمية أخرى، مثل الشلامجة وخسروي ومهران.

وأوضحت أن هذا السلوك الحذر والمتواصل يكشف مساعي بغداد لإخفاء تنفيذ المطالب الأمريكية المرتبطة بالعقوبات داخل إجراءات فنية وبيروقراطية، بهدف تقليل التكلفة السياسية داخليًا. 

ووصفت ذلك بأنه تكتيك يهدف إلى تمرير الخطط التي تمليها واشنطن بهدوء، حتى لو أدى إلى تفاقم الأعباء المعيشية على آلاف الأسر والتجار العراقيين في المحافظات الجنوبية والمحرومة، وزيادة الضغوط القصوى على الاقتصاد الإيراني.

وأكدت الصحيفة أن الحكومة العراقية الحالية، باتباعها هذا النهج، تحولت عمليًا إلى أداة في مشروع لا يحقق أي منفعة للسيادة الوطنية العراقية أو للأمن المستدام في البلاد.

ردّ غير منصف على سنوات من الدعم الاستراتيجي

ذكرت الصحيفة أن سلوك الجهاز التنفيذي العراقي الحالي يتجاوز كونه مناورة اقتصادية بسيطة أو قرارًا إداريًا، ليمثل، بحسب وصفها، ضررًا عميقًا وبنيويًا بمبادئ حسن الجوار والأخلاق السياسية بين البلدين الجارين، فضلًا عن افتقاره إلى الدبلوماسية المستقلة والالتزام بالمصالح الإقليمية بعيدة المدى.

وتابعت أن محللين إقليميين والرأي العام يتساءلون عن مدى قِصر ذاكرة السياسيين الحاليين في بغداد، وما إذا كان من الممكن التضحية بعقود من الأخوة والدعم غير المشروط من الجار الشرقي لصالح مطالب أطراف من خارج المنطقة.

وأضافت أنه عقب سقوط نظام البعث، كانت إيران أولى الدول وأبرزها التي وقفت إلى جانب الشعب العراقي وحكومته لتثبيت السيادة الوطنية وإرساء الهياكل السياسية الجديدة. 

وبينت أنه خلال سنوات انعدام الأمن الناجمة عن الاحتلال الأجنبي والإرهاب الطائفي، حين كانت المدن العراقية، وفي مقدمتها بغداد، تشهد يوميًا مقتل عشرات الأبرياء، شكّلت طهران سندًا ثابتًا للحفاظ على وحدة الأراضي العراقية.

وأوضحت أن إيران لم تقف موقف المتفرج، بل سخّرت إمكاناتها لدعم استقلال العراق وترسيخ مؤسساته القانونية وتعزيز سلطة الحكومة الناشئة في بغداد، معتبرة أن هذا الدعم مثّل ركيزة استراتيجية للعراق.

وأكدت أن أبرز محطات هذا الدعم التاريخي وقعت في صيف عام 2014، عندما اقترب تنظيم «داعش» الإرهابي، الذي وصفته بأنه صنيعة الإرهاب التكفيري، من أبواب بغداد وكربلاء وأربيل.

Image

 وأشارت إلى أنه في تلك اللحظات العصيبة، اكتفت القوى الغربية التي تصدر اليوم أوامر إغلاق الحدود وفرض الضغوط بالمراقبة، وأخّرت تقديم المساعدات العسكرية وربطتها بشروط سياسية وإجراءات استغرقت أشهرًا.

وتابعت أن إيران سارعت حينها إلى تقديم الدعم العسكري والميداني، وقدّم مستشاروها وقادتها العسكريون تضحيات كبيرة، ما أسهم، وفق الصحيفة، في إعادة بناء الجيش العراقي المتداعي وإنقاذ البلاد من خطر التفكك والسقوط.

وأضافت أنه لولا التضحيات التي قُدّمت في مناطق سامراء وآمرلي والموصل، لما أتيحت اليوم فرصة لمن يتولون السلطة في بغداد للجلوس على مقاعد الحكم. 

واعتبرت أن قرار حكومة الزيدي تقييد الحدود خدمةً للمشروع الأمريكي، في ظل ما وصفته بحرب اقتصادية شاملة تشنها واشنطن على المنطقة، لا يمكن تفسيره إلا بوصفه جحودًا سياسيًا وخضوعًا للضغوط الأمريكية.

وأوضحت أن الزيدي يؤكد في تصريحاته العلنية، بلغة دبلوماسية، ضرورة الحفاظ على المصالح الوطنية والعلاقات الأخوية مع دول الجوار، بينما تسير قراراته خلف الكواليس، بحسب الصحيفة، في الاتجاه المعاكس لهذه التصريحات.

وأكدت أن الحكومة العراقية تترك حدودها البرية عرضة للإغلاق استجابةً للإرادة الأمريكية وأوامر واشنطن، متجاهلةً أن أمن العراق واقتصاده يرتبطان بعمقه الجغرافي والحضاري والاقتصادي مع إيران، 

واختتمت الصحيفة بالتأكيد أن إغلاق الحدود التاريخية وقطع قنوات التبادل يمثلان تحديًا لجغرافيا المنطقة وانتهاكًا واضحًا لقواعد التعايش السلمي بين الدول.