البرلمان يصعد ضد الخارجية… ومركز الأبحاث يقلل من مخاطر آلية الزناد

في لحظة مفصلية تتقاطع فيها السياسة مع الاقتصاد، وجد تفاهم القاهرة بين إيران والوكالة الدولية للطاقة الذرية نفسه في قلب عاصفة داخلية، فالبرلمان الأصولي صعد هجومه على الحكومة ووزارة الخارجية، معتبرا أن الاتفاق يفتقد للشرعية ويحمل مخاطر تكرار مسار الاتفاق النووي السابق، رغم تصريحات الخارجية بأن جوهره يهدف إلى تأخير تفعيل آلية الزناد وما قد تحمله من عقوبات جديدة.

وفي المقابل، أصدر مركز أبحاث البرلمان تقريرا مغايرا خفف فيه من وطأة المخاوف، مؤكدا أن إعادة تفعيل العقوبات الأممية لن تغير جذريا في الواقع الاقتصادي القائم تحت الضغوط الأمريكية، وأن آثارها الفعلية تبقى محدودة مقابل تداعياتها النفسية والإعلامية. هكذا يتجلى التناقض بين هجوم سياسي متصاعد وقراءة اقتصادية تميل إلى التهدئة، ما يجعل الملف النووي ساحة صراع مفتوح بين الأمن والسياسة والاقتصاد.

هجوم برلماني عنيف على الخارجية

بعد يوم من إعلان تفاهم القاهرة، بدأت أولى شرارات الهجوم البرلماني الأصولي على الوكالة الدولية ووزارة الخارجية حين صرح روح الله نجابت، عضو هيئة رئاسة لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية، الأربعاء 10 سبتمبر/أيلول 2025، في حديث حاد بأن الوكالة الدولية للطاقة الذرية قد سببت في الماضي خسائر للبلاد عبر تسريب المعلومات للأعداء، وقال إن قانون البرلمان واضح ولا لبس فيه، وإن التعاون مع الوكالة يجب أن يعلق حتى تتحقق شروط محددة، مؤكدا أن تفاصيل الاتفاق يجب أن يشرحها وزير الخارجية بنفسه، وأن البرلمان عازم على تطبيق القانون.

بعدها، صرح عباس كودرزي، نائب مدينة بروجرد والناطق باسم هيئة رئاسة البرلمان، مذكرا بقانون يونيو/حزيران 2025، والذي ينص على وقف التعاون بين الوكالة وإيران، قائلا: “على السيد عراقجي الالتزام بقرار البرلمان، والمجلس الأعلى للأمن القومي يجب أن يراقب”، وأضاف أن رقابة البرلمان لا تتوقف حتى في غياب الجلسات العلنية.

كما كتب مجيد دوستعلي، نائب البرلماني عن كرمان، في مذكرة له، أن “أي اتفاق لا يحظى بموافقة المجلس الأعلى للأمن القومي وتصديق القائد يفتقد الشرعية التنفيذية”، مشددا أيضا على أن ترك الالتزامات أو تنفيذها الناقص له عقوبات محددة.

في الوقت نفسه، شكك إبراهيم رضائي، الناطق باسم لجنة الأمن القومي، في اتفاق القاهرة، زاعما أن بعض مفتشي الوكالة أدوا سابقا دور الجواسيس، كما أكد أن أمن العلماء النوويين والاعتراف بحقوق إيران خطوط حمراء للبرلمان، فيما حذر إبراهيم عزيزي، رئيس اللجنة، من قبول أي تفسير مخالف لقانون البرلمان، وأمر بعقد جلسة طارئة للجنة بحضور وزير الخارجية. وأضاف أنه إذا تضمن الاتفاق أي انحراف، فإن البرلمان سيتدخل فورا.

أمير حسين ثابتي، الناشط الإعلامي المقرب من جبهة الصمود، كتب أيضا على حسابه على منصة إكس قوله: “أقترح على وزير الخارجية نشر النص النهائي مع الوكالة لإنهاء الشائعات، فحين يملك جروسي، الذي هو جاسوس للإسرائيليين، النص ومضامينه، يصبح الحديث عن السرية بلا معنى، ولا يمكن اعتبار الشعب الإيراني أجنبيا أكثر من جروسي”، وأضاف أن عراقجي في الاتفاق النووي السابق أخفى الحقيقة عبر روايات متناقضة، وفي النهاية صدقت رواية الأمريكيين.

أما حميد رسائي، البرلماني الأصولي، فقد قال: “إن الوكالة لا تقدم أي ضمان لمنع إسرائيل من استهداف العلماء الإيرانيين، وبالتالي بعض مطالب البرلمان غير قابلة للتحقيق أصلا”، في حين وصف مرتضى محمودي، النائب البرلماني، الاتفاق الجديد بأنه مليء بالغموض، محذرا من تكرار مسار الاتفاق النووي السابق المكلف.

في مواجهة هذه الأجواء، صرح عباس عراقجي، وزير الخارجية الإيراني، خلال لقاء له الجمعة 12 سبتمبر/أيلول 2025، بأن اتفاق القاهرة جرى ضمن القوانين الوطنية ومع مراعاة كل الاعتبارات الأمنية والقانونية، وأكد أنه لم يقدم أي التزام مخالف لقرارات البرلمان أو من دون تنسيق مع الجهات المختصة، وأن جميع طلبات الوكالة ستُعالَج حصرا عبر المسار القانوني. كما حذر من أن إثارة الضجيج السياسي يجب ألا تحل محل المصالح الوطنية، لكن رغم هذه التوضيحات، استمرت شكوك المعارضين وتصاعد الضغط لنشر النص الرسمي.

هذا وقد أتت حلقات الهجوم والصراع عندما وجه 71 من النواب الأصوليين، رسالة إلى محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان، طالبوا فيها بعقد جلسة مع الحكومة لسماع توضيحات بشأن اجتماع القاهرة ومفاوضاته، في الوقت الذي لا تعقد فيه الجلسات العلنية للبرلمان حتى 5 أكتوبر/تشرين الأول 2025 لإتاحة المجال للنواب لزيارة دوائرهم الانتخابية.

وقد أفضى هذا الضغط لانعقاد جلسة بين وزارة الخارجية ولجنة الأمن القومي في البرلمان، لتوضيح بنود تفاهم القاهرة، والتي قال محمد مهدي شهرياري، عضو لجنة الأمن القومي، بخصوصها في تصريح لصحيفة “هم ميهن” بدأت الجلسة الساعة الخامسة من يوم السبت 13 سبتمبر/أيلول 2025، بحضور عراقجي، ثم حضر بعض النواب غير الأعضاء، وكانت 70-80% من الأسئلة كانت حول ما إذا كان الاتفاق مع الوكالة يتعارض مع قانون تعليق التعاون معها، كذلك شكك بعض النواب في أن وزارة الخارجية تفاوضت من تلقاء نفسها، دون مصادقة المجلس الأعلى للأمن القومي”، وأضاف مستدركا: “لكن عراقجي أوضح أن الاتفاق تم بمصادقة مباشرة من المجلس الأعلى للأمن القومي، وفي إطار المصالح الوطنية، وهو اتفاق جيد نسبيا للبلاد”، وأكد شهرياري أن غالبية النواب اقتنعوا بتوضيحاته، باستثناء واحد أو اثنين.

مركز الأبحاث التابع للبرلمان: الأمور لا يمكن أن تزداد سوءا

هذا وقد نشر مركز الأبحاث التابع للبرلمان الإيراني تقريرا جديدا، الأحد 14 سبتمبر/أيلول 2025، تناول فيه التداعيات الاقتصادية لتفعيل آلية العقوبات الملحقة بالاتفاق النووي الإيراني والمعروفة بـ”سناب باك”، وذلك في سبعة محاور، مؤكدا أن عودة عقوبات مجلس الأمن، باستثناء خلق صدمة نفسية في الأسواق، لن تحدث تغييرا جوهريا في الوضع الاقتصادي والتجاري لإيران.

هذا وكان أول ما أشار إليه التقرير هو الفارق الجوهري بين العقوبات الموجهة التي يفرضها مجلس الأمن والعقوبات الثانوية الشاملة الأمريكية، التي تفرضها منذ عودة دونالد ترامب في يناير/كانون الثاني 2025، فالعقوبات الأممية بطبيعتها انتشارية تركز على الحد من البرامج النووية والصاروخية عبر حظر السلاح، وتجميد أصول مؤسسات محددة، والسيطرة على تصدير السلع ذات الاستخدام المزدوج، بخلاف العقوبات الثانوية الأمريكية التي تستهدف الاقتصاد مباشرة، مركزة على قطاعات حيوية مثل النفط والمصارف بهدف شل اقتصاد البلاد. لذلك، فإن تفعيل الآلية لن يخلق بحد ذاته نظام عقوبات أشد من الضغوط الاقتصادية القائمة حاليا.

كذلك، فقد حدد التقرير من أن الأثر الرئيسي الاقتصادي لتفعيل الآلية هو فرض نظام رقابة على صادرات التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، ورغم أهمية هذا الخطر، فإن التقرير قد ذكر أن تجربة إيران في تطوير تقنيات متقدمة لتجاوز القيود وتأمين شبكات الإمداد تجعل هذا التهديد قابلا للإدارة، خصوصا مع عدم التزام قوى مثل الصين وروسيا بهذه القيود مما يمنح إيران هامش تنفس.

وعن آلية تفتيش الشحنات، والتي تعد أحد أبرز المخاوف المطروحة في الرأي العام الإيراني فيما يتعلق بتفعيل العقوبات، أوضح التقرير أن هذه الآلية تواجه عمليا قيودا قانونية وتنفيذية جدية، فقرار 1929 في مادته 14 يلزم الدول بتفتيش الشحنات الداخلة أو الخارجة من إيران في أراضيها، سواء في الموانئ، المطارات، أو من خلال الحدود البرية، بشرط وجود أسباب معقولة للاعتقاد بحمل مواد محظورة.

أما المادة 15، فهي تنص على أن أي تفتيش في المياه الدولية مرهون بموافقة دولة علم السفينة، ما يعني أن أي تفتيش دون موافقتها يُعد انتهاكا للسيادة والقوانين البحرية الدولية، كما أن احتمالية الرد بالمثل تجعل المخاطرة عالية، وهو ما يشكل رادعا، وبالتالي، لا تمثل هذه الآلية ترخيصا لحصار بحري أو توقيف ممنهج لسفن إيران التجارية.

كذلك، رأى التقرير البرلماني أن إضافة أسماء جديدة إلى لوائح العقوبات أمر بالغ الصعوبة، لكونه يحتاج إلى إجماع أعضاء لجنة العقوبات، وهم 15 عضوا في مجلس الأمن، ومع وجود الصين وروسيا وبعض الأعضاء المتعاطفين مع إيران، فإن تحقق هذا الإجماع شبه مستحيل. وحتى لو حصل خلاف، فالتصويت في مجلس الأمن سيتيح لروسيا والصين استخدام الفيتو لصالح إيران، كما أن إعادة تشكيل لجنة العقوبات بحد ذاتها تحتاج لتصويت وتواجه تحديات خاصة.

وحول ما يطرح في الإعلام عن احتمالية تزامن تفعيل الآلية مع ضغط أمريكي على شركاء إيران، خصوصا الصين، لتقليص واردات النفط أو الحد من التعاون الاقتصادي، شدد التقرير على أن هذه الضغوط أداة مستقلة في السياسة الخارجية لواشنطن وليست مرتبطة بقرارات مجلس الأمن، فقد مارست أمريكا ضغوطا مماثلة حتى في فترة تعليق العقوبات الأممية عبر التهديد بالتعرفة الجمركية أو عقوبات ثانوية لتقييد تعاون بكين مع طهران، كما أن العالم عام 2025 يختلف جذريا عن عام 2010، حيث التعددية الاقتصادية والسياسية والانقسامات الدولية تقلل من فعالية القرارات.

أيضا، أكد التقرير أن عودة القرارات بشكل أحادي وغير قانوني مجرد خطوة دبلوماسية، ولا تضفي شرعية على أي عمل عسكري، وذلك بعد انتشار آراء بعض المحللين في الداخل الإيراني التي تفيد أن تفعيل الآلية قد يمنح شرعية للعقوبات الثانوية الأمريكية أو حتى للعمل العسكري ضد إيران، لأن القرار 1929 صدر استنادا إلى المادة 41 من الفصل السابع، والتي تقتصر على العقوبات غير العسكرية، كما أن نص القرار صرح بوضوح أنه لا يلزم الدول باستخدام القوة أو التهديد بها، 

وحسب التقرير، فإن لتفعيل الآلية مستويين من التأثير، الأول هو الأثر الفعلي والملموس، فلا يتوقع أن تواجه التجارة الكلية لإيران في النفط والبتروكيماويات والمعادن ولا تسوياتها المالية والمصرفية أي تحديات جديدة، كما أن العلاقات التجارية الصغيرة لن تتأثر أكثر مما هي عليه بسبب العقوبات الأمريكية الحالية.

وثانيا الأثر النفسي والتوقعات، فقد ذكر التقرير أنه وبسبب التغطية الإعلامية وحالة التصور الخاطئ بأن القرارات تعني حصارا اقتصاديا أو عسكريا، قد تشهد الأسواق بعض الاضطرابات في الأصول كالعملة والذهب والعقارات، لكن هذه الارتدادات مؤقتة ويمكن احتواؤها مع مرور الوقت من خلال سياسات اقتصادية وإعلامية مدروسة.

وفي نهاية تقريره، خلص مركز الأبحاث التابع للبرلمان إلى أن عودة محتملة وغير قانونية لعقوبات مجلس الأمن ضد إيران تعد تهديدا يمكن إدارته، فهي لا تنشئ نظام عقوبات جديدا ولا تضفي شرعية على العقوبات الأمريكية، وأن آثارها الحقيقية تقتصر على التكنولوجيا ذات الاستخدام المزدوج، بينما يظل النشاط التجاري الكلي مستمرا، غير أن التحدي الأكبر يبقى في البعد النفسي والإعلامي، ما يستدعي إدارة ذكية وحوارا صريحا مع الشعب.