رفع العقوبات عن إيران… بين الوعود السياسية وتعقيدات التنفيذ

تتجه الأنظار إلى التوقيع المرتقب يوم الجمعة 19 يونيو/ حزيران 2026، على مذكرة التفاهم بين إيران والولايات المتحدة، والتي تقول الأطراف المعنية إنها تمثل بداية مرحلة جديدة بعد سنوات طويلة من التصعيد، والعقوبات، والمواجهات السياسية، والعسكرية. وبينما تركز التصريحات الرسمية الصادرة من طهران وواشنطن على وقف الحرب وبدء مفاوضات تمتد لستين يوما بشأن الملفات العالقة، يظل ملف العقوبات الاقتصادية المفروضة على إيران هو العنصر الأكثر أهمية وتأثيرا في مستقبل هذا التفاهم، بالنظر إلى ما تركته هذه العقوبات من آثار عميقة على الاقتصاد الإيراني خلال العقود الماضية.

هذا وتشير التصريحات المتبادلة خلال الأيام الأخيرة إلى وجود تفاهمات أولية بشأن تخفيف أو رفع بعض العقوبات، غير أن حجم هذه التفاهمات وحدودها الزمنية والقانونية ما زال يثير الكثير من التساؤلات، خاصة في ظل وجود تباين واضح بين الرواية الإيرانية التي تتحدث عن رفع شامل للعقوبات، والرواية الأمريكية التي تتحدث عن خطوات تدريجية مرتبطة بسلوك إيران ومدى التزامها بالتعهدات المستقبلية.

رفع العقوبات الأمريكية عن إيران.. بين التعهدات والاشتراطات

يعد ملف العقوبات الأمريكية العنوان الأبرز في التفاهم المرتقب بين طهران وواشنطن، إذ تؤكد التصريحات الإيرانية أن الولايات المتحدة وافقت، ضمن مذكرة التفاهم، على الدخول في مسار ينتهي برفع مختلف أنواع العقوبات المفروضة على الجمهورية الإسلامية. فوفق ما أعلنه المتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية، إسماعيل بقائي، فإن واشنطن أصبحت ملزمة بموجب التفاهم بالعمل على رفع العقوبات الأولية والثانوية، إضافة إلى العقوبات المرتبطة بقرارات مجلس الأمن الدولي ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية.

Image

وتؤكد الرواية الإيرانية أن التفاهم يتضمن كذلك الإفراج عن الأصول الإيرانية المجمدة في الخارج، والمشاركة في تعويض الأضرار الناتجة عن الحرب، فضلا عن تمكين إيران من استئناف صادرات النفط والمنتجات البتروكيماوية ومشتقات النفط دون العوائق الحالية، كما تتحدث عن بدء تطبيق إعفاءات فورية لبعض العقوبات المتعلقة بالنفط والبتروكيماويات فور توقيع مذكرة التفاهم، بما يشمل النقل البحري والتأمين والتحويلات المالية المرتبطة بتجارة النفط.

في المقابل، تبدو التصريحات الأمريكية أكثر تحفظا، فقد نقلت شبكة CNN عن مسؤولين أمريكيين كبار أن واشنطن مستعدة لاتخاذ خطوات صغيرة، على حد تعبيرها، لبدء عملية تخفيف العقوبات والإفراج عن بعض الأصول المجمدة، لكنها لم تتحدث عن رفع شامل أو فوري للعقوبات. وأكد هؤلاء المسؤولون أن الولايات المتحدة ما تزال في مرحلة بناء الثقة مع إيران، وأن أي تخفيف للعقوبات سيكون مرتبطا بخطوات مقابلة من الجانب الإيراني.

Image

ويعزز هذا التوجه ما صرح به الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عندما سئل عما إذا كان الاتفاق يتضمن رفعا مبكرا للعقوبات، فأجاب بالنفي، مؤكدا أن الأمر مرتبط بالسلوك، في إشارة إلى أن الإدارة الأمريكية لا تنظر إلى رفع العقوبات باعتباره استحقاقا تلقائيا بمجرد توقيع التفاهم، بل كعملية تدريجية مرتبطة بنتائج المفاوضات المقبلة ومدى التزام إيران بما سيطلب منها في الملفات النووية والإقليمية.

Image

وتكشف مجمل التصريحات الأمريكية أن واشنطن تتحدث في المرحلة الحالية عن إعفاءات محددة وإجراءات لبناء الثقة أكثر من حديثها عن إلغاء كامل للبنية العقابية التي تشكلت خلال أكثر من أربعة عقود. ولذلك فإن ما يمكن توقعه في المدى القريب هو تخفيف محدود للعقوبات المرتبطة بتصدير النفط والتحويلات المالية وبعض الأصول المجمدة، بينما سيبقى رفع العقوبات الكبرى مرهونا بالمفاوضات التي ستعقب التوقيع الرسمي.

العقوبات الأوروبية.. استعداد سياسي بانتظار الملف النووي

بالتوازي مع الحديث عن العقوبات الأمريكية، برزت مؤشرات أوروبية لافتة بشأن إمكانية رفع العقوبات المفروضة على إيران. فقد أعلنت بريطانيا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا، في بيان مشترك، استعدادها لرفع العقوبات عن إيران إذا نفذت التزاماتها المتعلقة بالبرنامج النووي.

Image

ويحمل هذا الموقف أهمية خاصة حيث تمثل الدول الأربع القوى الأوروبية الأكثر تأثيرا في الملف الإيراني، كما أنها كانت جزءا أساسيا من المفاوضات التي أفضت إلى الاتفاق النووي عام 2015. وتشير صياغة البيان الأوروبي إلى وجود رغبة سياسية في دعم المسار الجديد بين طهران وواشنطن، غير أن هذه الرغبة تبقى مشروطة بشكل واضح بالملف النووي.

ويبدو أن الأوروبيين يحاولون التوفيق بين هدفين متوازيين، الأول دعم أي مسار يؤدي إلى تخفيف التوتر في المنطقة وإعادة فتح مضيق هرمز واستقرار أسواق الطاقة، والثاني الحفاظ على الضمانات المتعلقة بعدم تحول البرنامج النووي الإيراني إلى برنامج عسكري.

كما أعلنت قيادات الاتحاد الأوروبي ترحيبها بالتفاهم بين إيران والولايات المتحدة، معتبرة أنه قد يفتح الباب أمام تسوية أوسع وأكثر استدامة. وأكدت رئيسة المفوضية الأوروبية، أورسولا فون دير لاين، ومسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، استعداد الاتحاد للمساهمة في أي مسار يؤدي إلى استقرار دائم في المنطقة.

Image

ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، فإن رفع العقوبات الأوروبية يواجه هو الآخر تعقيدات قانونية وسياسية، فجزء من العقوبات الأوروبية مرتبط مباشرة بالملف النووي، وجزء آخر يتعلق بملفات حقوق الإنسان والبرنامج الصاروخي والطائرات المسيرة والتدخلات الإقليمية. وبالتالي فإن أي رفع شامل للعقوبات الأوروبية لن يكون قرارا فوريا أو آليا، بل سيحتاج إلى مسار تفاوضي طويل وإلى توافق بين الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

ومن هنا يمكن القول إن الموقف الأوروبي الحالي يمثل إعلان استعداد سياسي أكثر من كونه قرارا نهائيا برفع العقوبات، وهو ما يجعل تنفيذه مرتبطا بمسار المفاوضات المقبلة ونتائجها.

أشد العقوبات المفروضة على إيران وتأثيرها في الاقتصاد الإيراني

على مدى أكثر من أربعة عقود، خضعت إيران لمنظومة واسعة ومتشعبة من العقوبات الأمريكية والدولية، جعلتها من بين أكثر الدول تعرضا للعقوبات في العالم. وقد تطورت هذه العقوبات من إجراءات محدودة استهدفت الأصول الإيرانية بعد أزمة الرهائن عام 1979 إلى شبكة معقدة من القيود الاقتصادية والمالية والتجارية التي طالت معظم القطاعات الحيوية في الاقتصاد الإيراني. ورغم تنوع هذه العقوبات وتعدد الجهات التي فرضتها، فإن بعض الإجراءات كانت أشد تأثيرا من غيرها، وأحدثت تحولات عميقة في بنية الاقتصاد الإيراني وقدرته على الاندماج في الاقتصاد العالمي.

وتأتي العقوبات المفروضة على قطاع النفط والطاقة في مقدمة العقوبات الأكثر تأثيرا على إيران، باعتبار أن النفط يمثل المصدر الرئيسي للعملات الأجنبية والإيرادات الحكومية. فمنذ منتصف التسعينيات، ثم بصورة أكثر تشددا بعد عام 2010، سعت الولايات المتحدة إلى تقليص قدرة إيران على تصدير النفط من خلال معاقبة الشركات والدول والمؤسسات المالية التي تتعامل مع القطاع النفطي الإيراني. ولم تقتصر هذه العقوبات على منع شراء النفط الإيراني فحسب، بل شملت كذلك خدمات الشحن والتأمين وإعادة التأمين وتمويل الصفقات النفطية، ما جعل عملية تصدير النفط أكثر صعوبة وكلفة. وقد انعكس ذلك مباشرة على حجم الإيرادات الحكومية وعلى قدرة الدولة على تمويل المشاريع العامة وتغطية النفقات الأساسية.

Image

ويعد استهداف البنك المركزي الإيراني والنظام المصرفي من أخطر العقوبات التي واجهتها إيران، فالعقوبات المفروضة على البنك المركزي لم تستهدف مؤسسة مالية عادية، بل استهدفت القلب النابض للاقتصاد الإيراني والمسؤول عن إدارة الاحتياطات النقدية والتعاملات المالية الخارجية. وأدت هذه الإجراءات إلى تقييد قدرة إيران على الحصول على عائدات صادراتها النفطية أو تحويل الأموال بسهولة عبر النظام المالي الدولي، كما دفعت العديد من البنوك العالمية إلى تجنب التعامل مع المؤسسات الإيرانية خشية التعرض للعقوبات الأمريكية.

ومن بين أكثر العقوبات تأثيرا أيضا استبعاد البنوك الإيرانية من شبكة سويفت للتحويلات المالية الدولية. وقد شكل هذا القرار ضربة قوية للتجارة الخارجية الإيرانية، إذ أصبحت عمليات الاستيراد والتصدير أكثر تعقيدا، واضطرت الشركات الإيرانية إلى اللجوء إلى شبكات مالية بديلة ووسطاء في دول أخرى لإتمام معاملاتها التجارية. كما أدى ذلك إلى ارتفاع تكاليف التجارة وزيادة المخاطر المرتبطة بالتحويلات المالية، الأمر الذي أثر على قدرة الاقتصاد الإيراني على جذب الاستثمارات الأجنبية أو تطوير علاقاته التجارية بصورة طبيعية.

Image

كما استهدفت العقوبات الأمريكية والأوروبية قطاع البتروكيماويات الإيراني، الذي يمثل أحد أهم مصادر الدخل غير النفطي للدولة. وشملت هذه العقوبات منع التعامل مع الشركات العاملة في هذا القطاع وفرض قيود على عمليات التصدير والنقل والتأمين. ونظرا لأن إيران تمتلك واحدة من أكبر الصناعات البتروكيماوية في الشرق الأوسط، فقد شكلت هذه الإجراءات ضغطا إضافيا على الاقتصاد وحرمت البلاد من جزء مهم من مواردها من النقد الأجنبي.

ولم تقتصر العقوبات على النفط والمصارف، بل امتدت إلى قطاع النقل البحري والجوي. فقد تعرضت شركات الشحن الإيرانية وشركات النفط الوطنية وناقلات النفط لعقوبات متكررة، كما فرضت قيود على حصول شركات الطيران الإيرانية على الطائرات وقطع الغيار والخدمات الفنية. وأدى ذلك إلى إضعاف البنية التحتية للنقل ورفع تكاليف التجارة الخارجية، فضلا عن التأثير على سلامة وكفاءة أساطيل النقل الجوي والبحري.

ومن العقوبات التي اكتسبت أهمية متزايدة خلال السنوات الأخيرة تلك المفروضة على الحرس الثوري الإيراني والمؤسسات الاقتصادية المرتبطة به. ويكتسب هذا النوع من العقوبات حساسية خاصة بسبب الحضور الواسع للحرس الثوري في قطاعات اقتصادية مختلفة، تشمل البناء والطاقة والاتصالات والبنية التحتية. ولذلك فإن استهداف هذه المؤسسات لم يقتصر على الجانب الأمني أو السياسي، بل امتد ليؤثر في قطاعات اقتصادية واسعة داخل البلاد.

Image

كما طالت العقوبات قطاعات الصناعة والتكنولوجيا والاستثمار الأجنبي، حيث فرضت الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي قيودا على تصدير المعدات والتقنيات المتقدمة إلى إيران، خاصة تلك التي يمكن استخدامها في الصناعات العسكرية أو النووية أو الصاروخية. وأدى ذلك إلى إبطاء عملية تحديث بعض الصناعات الإيرانية وإعاقة حصولها على التكنولوجيا الحديثة اللازمة للتطوير والإنتاج.

وقد تركت هذه العقوبات مجتمعة آثارا عميقة على الاقتصاد الإيراني، فقد ساهمت في تراجع تدفقات الاستثمار الأجنبي، وارتفاع معدلات التضخم، وانخفاض قيمة العملة الوطنية، وتراجع القدرة الشرائية للمواطنين، فضلا عن زيادة تكاليف الإنتاج والاستيراد. كما أدت إلى تعقيد علاقات إيران الاقتصادية مع العالم الخارجي وإجبارها على الاعتماد على قنوات تجارية ومالية بديلة أقل كفاءة وأكثر تكلفة.

رفع العقوبات… فرضية قائمة أم خطاب للاستهلاك المحلي؟

يثير التباين بين التصريحات الإيرانية والأمريكية سؤالا جوهريا حول مدى واقعية الحديث عن رفع العقوبات. فمن جهة، تتحدث طهران عن التزامات أمريكية واضحة تشمل رفع جميع العقوبات والإفراج عن الأموال المجمدة وتعويض الأضرار، ومن جهة أخرى تؤكد واشنطن أن ما يجري حاليا لا يتجاوز خطوات محدودة لبناء الثقة.

وفي هذا السياق، تبدو تصريحات نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي ذات أهمية خاصة، فقد أكد أن رفع جميع العقوبات الأمريكية، الأولية والثانوية، إضافة إلى إنهاء العقوبات المرتبطة بمجلس الأمن ومجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، سيكون من الملفات الرئيسية التي ستناقش خلال المفاوضات الممتدة ستين يوما بعد التوقيع الرسمي.

Image

لكن غريب آبادي نفسه أشار إلى أن هذه العقوبات لم ترفع بعد، وأن المفاوضات المقبلة هي التي ستحدد آليات رفعها وسقفها الزمني. كما أوضح أن الدخول في هذه المفاوضات مشروط بتنفيذ الولايات المتحدة لعدد من الالتزامات الأولية، مثل إنهاء الحرب ورفع الحصار البحري والإفراج عن الأموال المجمدة.

ومن الناحية العملية، فإن رفع العقوبات الأمريكية ليس قرارا سياسيا فقط، بل يرتبط بمنظومة قانونية معقدة. فبعض العقوبات فرض بمراسيم رئاسية ويمكن للرئيس الأمريكي تعليقها أو منح إعفاءات بشأنها، في حين أن عقوبات أخرى تستند إلى قوانين صادرة عن الكونغرس ولا يمكن إلغاؤها بسهولة دون إجراءات تشريعية معقدة.

كما أن التجربة السابقة مع الاتفاق النووي لعام 2015 تظهر أن رفع العقوبات لا يعني بالضرورة عودة إيران إلى الاقتصاد العالمي بصورة كاملة، إذ بقيت العديد من المصارف والشركات العالمية مترددة في التعامل مع إيران بسبب المخاوف من العقوبات الأمريكية المستقبلية.

لذلك، فإن الحديث عن رفع شامل وفوري للعقوبات يبدو حتى الآن أقرب إلى هدف تفاوضي تسعى إليه إيران أكثر من كونه نتيجة مضمونة للتفاهم الحالي. أما ما يمكن اعتباره واقعيا في المدى القريب فهو تخفيف تدريجي لبعض القيود الاقتصادية، خصوصا في قطاع النفط والتحويلات المالية، مقابل خطوات إيرانية في الملف النووي.

كلمات مفتاحية: