- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 53 Views
في عالم تتشابك فيه الجغرافيا مع السياسة والاقتصاد، تبرز بعض الممرات البحرية بوصفها نقاط ارتكاز حاسمة في تشكيل موازين القوة العالمية. ولا تقتصر أهمية هذه الممرات على كونها طرقا لنقل الطاقة والتجارة، بل تمتد لتصبح أدوات تأثير في العلاقات الدولية، ووسائل ضغط تتجاوز حدودها الجغرافية. ومع تصاعد التوترات الإقليمية والتحولات في بنية النظام الدولي، تتزايد أهمية هذه المواقع الحيوية بوصفها عناصر فاعلة في إعادة رسم التوازنات. وفي هذا السياق، يكتسب النقاش حول مستقبل هذه الممرات أبعادا جديدة، تجمع بين الأمن والاقتصاد والاستراتيجية في آن واحد.
مضيق هرمز في الخطاب الإيراني…أداة قوة لتعويض الخسائر وإعادة تشكيل موازين الردع
يشهد الخطاب السياسي والإعلامي في إيران تحولا لافتا في مقاربته لمضيق هرمز، حيث لم يعد ينظر إليه بوصفه مجرد ممر مائي استراتيجي، بل تحول إلى ركيزة أساسية في معادلة القوة الوطنية وأداة محتملة لتعويض الخسائر الاقتصادية والعسكرية التي تكبدتها البلاد خلال العقود الماضية. ويتجلى هذا التحول بوضوح فيما طرحته صحيفة كيهان من رؤى، سواء في مقالاتها التحليلية أو في افتتاحياتها السياسية، إلى جانب تصريحات شخصيات سياسية بارزة مثل محمد رضا عارف، فضلا عن المبادرات التشريعية التي يتبناها البرلمان الإيراني لتنظيم إدارة المضيق.
في هذا السياق، تبرز كيهان بوصفها منبرا يعكس تيارا مؤثرا في بنية التفكير السياسي الإيراني، حيث قدمت تصورا واضحا، في عددها الصادر الإثنين 20 إبريل/ نيسان 2026، يعتبر مضيق هرمز وسيلة مباشرة لاستعادة ما تصفه بالخسائر المتراكمة منذ عام 1979، أي منذ بداية التوترات مع الولايات المتحدة. وترى الصحيفة أن بإمكان إيران، من خلال فرض سيطرة فعلية على المضيق، أن تستعيد ليس فقط الأموال المجمدة في الخارج، بل حتى تكاليف العمليات العسكرية، بما في ذلك نفقات الصواريخ المستخدمة في المواجهات الأخيرة. ويعكس هذا الطرح رؤية توسعية لدور المضيق، تتجاوز الإطار التقليدي للقانون الدولي، لتضعه في قلب استراتيجية الضغط الاقتصادي والسياسي على الخصوم.

ولا يقف هذا الخطاب عند حدود التحليل النظري، بل يمتد إلى طرح آليات عملية، حيث تشير كيهان إلى إمكانية تعطيل حركة التجارة البحرية للدول المعادية، أو تلك التي تستضيف قواعد عسكرية أمريكية، بما يفرض عليها إعادة النظر في سياساتها تجاه إيران. ووفق هذا المنطق، يصبح المضيق أداة ردع اقتصادي فعالة، يمكن استخدامها لفرض توازن جديد في العلاقات الدولية، خصوصا في ظل ما تعتبره طهران حربا اقتصادية مفروضة عليها.
وفي السياق ذاته، يقدم حسين شريعتمداري، رئيس تحرير كيهان، طرحا أكثر صراحة، إذ يصف مضيق هرمز بأنه هدية إلهية للشعب الإيراني، ويرى أن عدم استغلاله بالشكل الأمثل يعد تقصيرا استراتيجيا. ويستند شريعتمداري في رؤيته إلى قراءة قانونية تعتبر أن لإيران الحق الكامل في فرض سيادتها على المضيق، مستشهدا باتفاقيات دولية تمنح الدول الساحلية صلاحيات واسعة في تنظيم المرور البحري. ومن هذا المنطلق، يدعو إلى تفعيل هذا الحق عبر فرض رسوم عبور، ومنع السفن التابعة للدول المعادية، بل وحتى استخدام المضيق كورقة ضغط في مواجهة العقوبات.

ويعكس هذا الطرح تصورا متكاملا يعتبر أن الميدان، أي أدوات القوة الصلبة، هو الأساس في حماية المصالح الوطنية، وأن الدبلوماسية يجب أن تبقى أداة في خدمته، لا بديلا عنه. وهو ما يشير إلى تحول أعمق في التفكير الاستراتيجي الإيراني، حيث تتراجع المقاربات التوافقية لصالح مقاربات أكثر صدامية تقوم على استخدام عناصر القوة الجغرافية والعسكرية.
وفي موازاة هذا الخطاب الإعلامي، تأتي تصريحات محمد رضا عارف، نائب الرئيس الإيراني، لتضفي بعدا سياسيا مباشرا على هذه الرؤية، إذ يؤكد أن أمن مضيق هرمز ليس مجانيا، في إشارة واضحة إلى أن إيران لن تقبل باستمرار الوضع القائم الذي تستفيد فيه الدول الأخرى من استقرار المضيق، بينما تتعرض هي لضغوط اقتصادية وعسكرية.

ويطرح عارف معادلة حاسمة مفادها أن العالم أمام خيارين، إما سوق نفط حرة تشمل الجميع، أو مواجهة تكاليف مرتفعة نتيجة التوترات. وهذا الطرح يعكس محاولة لإعادة ربط أمن الطاقة العالمي بمصالح إيران، بما يمنحها ورقة تفاوضية قوية في مواجهة الضغوط الدولية.
أما على المستوى التشريعي، فتبرز مبادرات البرلمان الإيراني كخطوة عملية لترجمة هذه الرؤى إلى سياسات ملموسة. فقد قدمت لجنة الإعمار في البرلمان الإيراني مشروعا يتضمن مجموعة من الإجراءات الصارمة لإدارة المضيق، من بينها فرض رسوم عبور تدفع بالريال الإيراني، ومنع مرور السفن التابعة للدول التي تفرض عقوبات على إيران، أو تلك التي تستخدم تسميات غير الخليج الفارسي. كما يتضمن المشروع عقوبات مشددة على المخالفين، تصل إلى احتجاز السفن ومصادرة جزء من حمولتها.

ويكشف هذا المشروع عن توجه واضح نحو تأميم إدارة المضيق ضمن رؤية سيادية شاملة، تسعى إلى تحويله إلى مصدر دخل اقتصادي وأداة ضغط سياسي في آن واحد. كما يعكس محاولة لفرض قواعد جديدة على حركة الملاحة، بما يتماشى مع المصالح الإيرانية، حتى وإن أدى ذلك إلى تصعيد التوتر مع بعض الدول.
في المجمل، يمكن القول إن الخطاب الإيراني حول مضيق هرمز يشهد تحولا نوعيا، ينتقل به من مجرد ممر استراتيجي إلى محور رئيسي في معادلة القوة الوطنية، وأداة متعددة الأبعاد تجمع بين الاقتصاد والسياسة والأمن. وهو تحول يعكس إدراكا متزايدا لأهمية الجغرافيا في الصراعات المعاصرة، ومحاولة لاستثمارها بأقصى قدر ممكن في خدمة الأهداف الوطنية.
مستقبل مضيق هرمز بعد الحرب: بين إعادة تشكيل التوازنات وتصاعد إدارة المخاطر العالمية
مع انتهاء أو تراجع حدة المواجهات العسكرية، يبرز سؤال جوهري حول مستقبل مضيق هرمز، ليس فقط بالنسبة لإيران، بل بالنسبة للنظام الاقتصادي العالمي ككل. فالمؤشرات الحالية، سواء من خلال التصريحات الرسمية أو التطورات الميدانية، تشير إلى أن المضيق لن يعود إلى ما كان عليه سابقا، بل سيدخل مرحلة جديدة تتسم بتعقيد أكبر في إدارة المخاطر، وتداخل أوضح بين الأمن والاقتصاد.
أحد أبرز ملامح هذه المرحلة هو التحول في طبيعة إدارة المرور البحري، حيث تشير التقارير إلى أن بعض السفن باتت تسعى للحصول على تنسيق مسبق أو تصاريح للعبور، وهو ما يعكس تغيرا في قواعد اللعبة. كما أن الارتفاع الكبير في تكاليف التأمين البحري، الذي وصل إلى مستويات غير مسبوقة، يعكس إدراكا متزايدا لدى الأسواق العالمية بأن المخاطر في هذا الممر الحيوي قد أصبحت جزءا دائما من المعادلة، وليس مجرد حالة طارئة.

ومن الناحية الاقتصادية، فإن هذا التحول يفرض تحديات كبيرة على شركات الشحن وأسواق الطاقة، حيث يؤدي ارتفاع تكاليف التأمين إلى زيادة كلفة نقل النفط والسلع، وهو ما ينعكس بدوره على الأسعار العالمية. وفي هذا السياق، يصبح استقرار المضيق عاملا حاسما في استقرار الاقتصاد العالمي، ما يمنح إيران، بحكم موقعها الجغرافي، دورا مؤثرا في هذه المعادلة.
في المقابل، تسعى إيران إلى استثمار هذا الوضع لتعزيز موقعها التفاوضي، من خلال طرح نماذج جديدة لإدارة المضيق، تشمل ليس فقط الإجراءات الأمنية، بل أيضا آليات اقتصادية مثل نظم التأمين البحري المقترحة. وتهدف هذه النماذج إلى توزيع المخاطر بشكل أكثر توازنا، وتقليل العبء على شركات الشحن، مع الحفاظ في الوقت ذاته على دور إيران كفاعل رئيسي في إدارة هذا الممر.
غير أن هذا المسار لا يخلو من تحديات، إذ إن أي محاولة لفرض قيود صارمة على حركة الملاحة قد تواجه بردود فعل دولية، خصوصا من الدول التي تعتمد بشكل كبير على المضيق في تأمين إمدادات الطاقة. كما أن استمرار التوترات قد يدفع بعض الدول إلى البحث عن بدائل، مثل تطوير مسارات نقل أخرى أو زيادة الاعتماد على مصادر طاقة بديلة، وهو ما قد يقلل تدريجيا من أهمية المضيق على المدى الطويل.

