- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 47 Views
شكل الإعلان عن التفاهم الأولي بين إيران والولايات المتحدة محطة سياسية لافتة داخل المشهد الإيراني، ليس فقط بسبب أبعاده الخارجية وما يحمله من احتمالات لإنهاء حالة التوتر والصراع، وإنما أيضا لما أفرزه من تفاعلات سياسية داخلية واسعة، خصوصا في أوساط التيار الإصلاحي الذي وجد في هذا التطور فرصة لإعادة التأكيد على رؤيته التقليدية القائمة على أولوية الدبلوماسية والحوار والتفاعل مع العالم بوصفها أدوات ضرورية لحماية المصالح الوطنية وتحقيق التنمية والاستقرار.
وقد أظهرت المواقف الصادرة عن أبرز الشخصيات والقوى الإصلاحية خلال الأيام التي أعقبت الإعلان عن التفاهم قدرا كبيرا من التقارب في تقييم الحدث، سواء من حيث الترحيب بالاتفاق نفسه، أو الدعوة إلى دعمه سياسيا وشعبيا، أو التأكيد على ضرورة استثمار نتائجه المحتملة في معالجة التحديات الداخلية التي تواجه البلاد.
التفاهم… خطوة شجاعة وفرصة تاريخية
برز الرئيس الإيراني الأسبق، محمد خاتمي، في مقدمة الشخصيات الإصلاحية التي سارعت إلى الترحيب بالتفاهم بين إيران والولايات المتحدة، واصفا إياه بأنه خطوة كبيرة وشجاعة ينبغي النظر إليها باعتبارها بداية مسار طويل نحو السلام والاستقرار والتنمية. وفي قراءته للاتفاق، لم يتعامل خاتمي معه باعتباره مجرد تفاهم سياسي أو أمني محدود، بل بوصفه فرصة لإخراج البلاد من دوامة الحرب والعقوبات والأزمات المتراكمة. وأكد أن الطريق لا يزال طويلا أمام تحقيق سلام مستدام ومعالجة المشكلات الاقتصادية والمعيشية وإعادة تنمية البلاد، لكنه رأى أن الاتفاق يفتح الباب أمام مرحلة جديدة يمكن من خلالها استثمار الإمكانات الحضارية والاقتصادية لإيران واستعادة مكانتها الإقليمية والدولية.

كما شدد خاتمي على أن التجربة الأخيرة أظهرت قدرة الشعب الإيراني على الصمود، وأن مختلف القوى والمؤسسات، رغم اختلافاتها السياسية والاجتماعية، توصلت إلى قناعة بضرورة إبعاد شبح الحرب والبحث عن حلول عبر التفاوض والدبلوماسية. ومن هذا المنطلق اعتبر أن الدبلوماسية ليست نقيضا للمقاومة أو للعمل الميداني، بل مكملة لهما، وأن القوة الدفاعية والقوة الدبلوماسية وجهان لا ينفصلان في حماية المصالح الوطنية. كما دعا إلى دعم مسار التفاوض والمفاوضين، وإلى استثمار هذه المرحلة في تعزيز الوحدة الوطنية ومكافحة الفقر والفساد وتحقيق قدر أكبر من الرضا العام.
ويتقاطع هذا الموقف مع ما عبر عنه وزير الخارجية الأسبق، محمد جواد ظريف، الذي رأى في التفاهم نتيجة لما وصفه بحكمة القيادة وجهود فريق التفاوض، معتبرا أنه يمثل خطوة مهمة في تثبيت ما عده إنجازا وطنيا. وأكد ظريف أن المرحلة المقبلة تتطلب تعزيز التماسك الداخلي والرضا الشعبي باعتبارهما عنصرين أساسيين في حماية أي مكسب سياسي أو دبلوماسي، مشددا على أن الاتفاق لا يمثل نهاية الطريق، بل بداية مسار يحتاج إلى إدارة دقيقة ودعم وطني واسع من أجل تحويل نتائجه إلى مكاسب مستدامة.

أما الأمين العام لحزب كوادر البناء حسين مرعشي، فقد اعتبر أن التفاهم جاء نتيجة تثبيت الموقع السياسي والعسكري لإيران خلال المفاوضات، مشيرا إلى أن مختلف مؤسسات الدولة، من القيادة العليا إلى المجلس الأعلى للأمن القومي والحكومة وفريق التفاوض، أسهمت في الوصول إلى هذه النتيجة. كما أشاد بدور الرئيس مسعود بزشكيان والفريق المفاوض، معتبرا أن الشعب الإيراني كان شريكا أساسيا في هذا الإنجاز من خلال تحمله أعباء المرحلة، ورأى أن اللحظة الراهنة تفرض على جميع القوى السياسية، بما فيها الأطراف التي كانت تعارض المفاوضات، الانضمام إلى حالة الإجماع الوطني حول الاتفاق والعمل على تحويله إلى فرصة لتحسين الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية وتعويض خسائر المرحلة السابقة.

وفي السياق نفسه، وصف علي أكبر صالحي، الدبلوماسي والرئيس السابق لمنظمة الطاقة الذرية الإيرانية، الاتفاق بأنه تجل للإرادة الوطنية والوحدة الداخلية، معتبرا أن ما تحقق جاء نتيجة التلاحم بين مؤسسات الدولة والشعب والقوات المسلحة. وشدد على أن الحفاظ على هذا الإنجاز يتطلب تجنب الخلافات والانقسامات التي قد تضعف المكاسب المتحققة. كما أكد نائب الرئيس الإيراني محمد رضا عارف أن ما تحقق هو نتيجة تضافر العمل الميداني والدبلوماسي معا، معربا عن أمله في أن يقود الاتفاق إلى رفع العقوبات وتخفيف الضغوط الاقتصادية وفتح صفحة جديدة من الاستقرار والتنمية.


الدبلوماسية خيار وطني لا تنازل سياسي
إلى جانب الترحيب بالاتفاق، ركزت شخصيات إصلاحية عديدة على الدفاع عن مبدأ التفاوض نفسه في مواجهة الانتقادات التي وجهت إلى المسار التفاوضي وإلى الفريق المكلف بإدارته. ويبرز في هذا الإطار المقال الذي نشره فرج كميجاني، الأمين العام لمجمع المعلمين الثقافيين الإيراني الإسلامي، تحت عنوان دعم الدبلوماسية والتفاوض، دعم لمستقبل إيران.
وينطلق كميجاني من فكرة أساسية مفادها أن التفاوض ليس تعبيرا عن ضعف أو تراجع عن المبادئ الوطنية، وإنما أحد أهم أدوات السياسة العقلانية المعاصرة لتحقيق مصالح الدول وخفض التوترات وفتح آفاق جديدة للتنمية. ويرى أن التجارب الدولية أثبتت أن الدول التي نجحت في استثمار الدبلوماسية والحوار تمكنت من تحسين أوضاعها الاقتصادية وتعزيز مكانتها الدولية، بينما دفعت المجتمعات المنخرطة في صراعات دائمة أثمانا باهظة على المستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية.

ويولي الخطاب الإصلاحي في هذا السياق اهتماما خاصا بالانعكاسات الداخلية للتوترات الخارجية، فبحسب كميجاني، فإن المواطن الإيراني كان الطرف الذي تحمل الجزء الأكبر من كلفة العقوبات والأزمات الاقتصادية خلال السنوات الماضية، سواء من خلال تراجع القدرة الشرائية أو تقلص فرص العمل والاستثمار أو تآكل الآمال المرتبطة بالمستقبل. ولذلك فإن اللجوء إلى التفاوض لا يمثل خيارا سياسيا فحسب، بل ضرورة وطنية وأخلاقية تجاه المجتمع.
وفي الاتجاه ذاته، شدد محسن ميردامادي، الناشط الإصلاحي، على أن التفاهم مع الولايات المتحدة يمثل خطوة مهمة وعقلانية جاءت من موقع قوة، لكنه حذر من الاعتقاد بأن الاتفاق الخارجي وحده كفيل بحل مشكلات البلاد. فبرأيه، تمكنت إيران من تجاوز الضغوط الخارجية، غير أن التحدي الأكبر يبقى داخليا، ويتمثل في ضرورة بناء تفاهم وطني شامل مع مختلف فئات المجتمع.

ويعتبر ميردامادي أن نجاح أي سياسة خارجية يعتمد في نهاية المطاف على مدى قوة الجبهة الداخلية، ولذلك يدعو إلى تغيير جاد في السياسات الداخلية يقوم على احترام التعددية السياسية والاجتماعية والتخلي عن النظرة الفوقية تجاه المجتمع. ومن هذا المنطلق، يرى أن الاتفاق مع الولايات المتحدة ينبغي أن يكون مقدمة لإعادة بناء الثقة بين الدولة والمجتمع، لا مجرد تسوية سياسية مع طرف خارجي.
كما دافع الإصلاحيون عن أعضاء الفريق المفاوض في مواجهة الاتهامات التي وجهت إليهم من بعض التيارات المعارضة للاتفاق. فبحسب الخطاب الإصلاحي، فإن الاختلاف حول التكتيكات أو أساليب التفاوض أمر طبيعي، لكن تحويل الخلاف السياسي إلى تخوين أو تشكيك في النوايا لا يخدم المصالح الوطنية ولا يساعد على إنجاح أي مسار تفاوضي.
من التفاهم الخارجي إلى المصالحة الوطنية
إذا كان الإصلاحيون قد أجمعوا على أهمية الاتفاق مع الولايات المتحدة، فإن القاسم المشترك الأبرز في مواقفهم تمثل في التأكيد على أن النجاح الحقيقي لن يتحقق من خلال التفاهم الخارجي وحده، بل من خلال استثماره لإطلاق عملية مصالحة داخلية واسعة تعيد ترميم الثقة وتعزز الوحدة الوطنية.ويبرز هذا التوجه بوضوح في مواقف أحمد زيد آبادي، الصحفي الإصلاحي، الذي اختار لغة رمزية وإنسانية في تعليقه على الاتفاق. فقد وصف التفاهم بأنه نهاية لظلمة الحرب وبداية ليوم جديد، داعيا الإيرانيين إلى تجاوز جراح الماضي والتسامح المتبادل والانطلاق نحو مرحلة من السلام والطمأنينة والإعمار. وتعكس هذه المقاربة رؤية إصلاحية تعتبر أن إنهاء الصراعات الخارجية يجب أن يترافق مع تخفيف الاستقطابات الداخلية وإعادة بناء الروابط الاجتماعية والسياسية داخل المجتمع.

وتتقاطع هذه الرؤية مع ما طرحه خاتمي عندما دعا إلى تجاوز أجواء الانقسام والاستقطاب والاستفادة من الفرص الدولية الجديدة من أجل خدمة التنمية الوطنية. كما تتقاطع مع دعوة ميردامادي إلى إقامة «تفاهم وطني» واسع يضم جميع فئات المجتمع ويمنح المواطنين شعورا أكبر بالمشاركة والثقة والانتماء.
وفي هذا الإطار، اكتسبت تصريحات حسن الخميني، حفيد قائد الثورة الإيرانية، أهمية خاصة، رغم أنه لا يصنف تنظيميا ضمن التيار الإصلاحي، إلا أن مواقفه حظيت بترحيب واسع داخل هذا التيار. فقد دعا إلى الثقة بالعقل الجمعي للدولة وبالقرارات التي تتخذها المؤسسات العليا، مؤكدا أن الخلافات الحادة والتشكيك المستمر بالمسؤولين لن يقودا إلى نتائج إيجابية. كما دافع عن مسار التفاهم وعن الشخصيات المنخرطة فيه، وفي مقدمتها رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، معتبرا أن المرحلة الحالية تتطلب تغليب روح الثقة والتعاون على منطق الصراع والانقسام.

في المحصلة، تكشف مجمل مواقف الإصلاحيين من الاتفاق مع الولايات المتحدة عن رؤية تتجاوز حدود الملف التفاوضي ذاته. فبالنسبة لهم، لا يمثل الاتفاق غاية بحد ذاته، بل فرصة لإعادة توجيه مسار البلاد نحو الاستقرار والتنمية والانفتاح، وفرصة كذلك لمعالجة التصدعات الداخلية التي تراكمت خلال السنوات الماضية. ومن هنا جاء التركيز المتكرر على أن نجاح التفاهم الخارجي يرتبط بقدرته على إنتاج تفاهم داخلي أوسع، وعلى تحويل مناخ التهدئة الدولية إلى مدخل لإصلاحات سياسية واقتصادية واجتماعية تعزز الثقة بين الدولة والمجتمع. وبينما يرحب الإصلاحيون بالاتفاق بوصفه خطوة مهمة على طريق طويل، فإنهم يربطون استدامة نتائجه بقدرة النظام السياسي على استثمار اللحظة الراهنة لبناء إجماع وطني جديد يضع مصالح المواطنين ومستقبل البلاد في صدارة الأولويات.

