المواجهة المباشرة في مضيق هرمز: هل تنجر إيران وأمريكا إلى حرب مفتوحة؟

كتب: الترجمان

عادت أجواء التوتر العسكري والسياسي الشديد لتهيمن بقوة على مشهد منطقة الشرق الأوسط، وتحديدا في الممر المائي الأبرز والأكثر حيوية لعصب الاقتصاد العالمي «مضيق هرمز»، وذلك عقب تبادل عسكري خاطف لكنه يحمل دلالات استراتيجية بالغة الخطورة بين القوات الأمريكية والجمهورية الإسلامية الإيرانية. وجاءت هذه التطورات الميدانية المتسارعة والمفاجئة لتثير تساؤلات جدية وعميقة لدى المراقبين الدوليين وصناع القرار حول مدى قدرة الأطراف المعنية على ضبط النفس، ومنع تدحرج كرة الثلج إلى مواجهة شاملة ومفتوحة قد تقوض بالكامل التفاهمات الهشة التي تم التوصل إليها في فترات سابقة بين القوى الإقليمية والدولية. 

ورغم المحاولات الدبلوماسية والإعلامية المكثفة من جانب واشنطن لتهدئة المخاوف واحتواء الأزمة عبر وصف الهجمات بأنها عمليات موضوعية ومحدودة، فإن الرد الميداني السريع والصارم من جانب طهران يضع المنطقة بأسرها فوق فوهة بركان ثائر قد ينفجر في أي لحظة إذا ما تكررت الحسابات السياسية أو العسكرية الخاطئة وسط أجواء من عدم الثقة المتبادلة.

الرواية الأمريكية: ضربات انتقامية منضبطة لسلوكية محددة

بدأت فصول هذه الأزمة المتصاعدة بإعلان رسمي ومفصل من القيادة المركزية للقوات الأمريكية (سنتكام)، يفيد بتنفيذ غارات جوية مركزة استهدفت مواقع عسكرية حيوية داخل الأراضي الإيرانية، وتحديدا في منطقة «طاهروي» التابعة لمدينة سيريك الساحلية في جنوب البلاد. وبررت واشنطن هذا التحرك العسكري المباشر بأنه رد فعل انتقامي وجوابي على هجوم بطائرة مسيرة انتحارية استهدف قبل أيام سفينة تجارية تحمل اسم «أور لافلي» ترفع علم سنغافورة أثناء خروجها من مضيق هرمز باتجاه سواحل عمان. 

وسعت الإدارة الأمريكية، عبر تصريحات متطابقة لمسؤولين بارزين في وزارة الدفاع والبيت الأبيض نقلتها وسائل إعلام عالمية كبرى مثل “نيويورك تايمز” و”فوكس نيوز” و”سي إن إن”، إلى التأكيد القاطع على أن هذه الضربات الجوية، التي شاركت فيها ست مقاتلات حربية متطورة انطلقت من حاملة الطائرات “أبراهام لينكولن”، قد انتهت في ليلتها تماما ولم تكن تهدف بأي حال من الأحوال إلى إطلاق حملة عسكرية واسعة النطاق أو إعلان حرب جديدة في المنطقة، بل كانت تجسيدا واضحاً لسياسة الردع المتبادل وتطبيقاً عملياً ومباشراً لمبدأ “العين بالعين” لمنع الإضرار بحرية الملاحة الدولية في الممرات البحرية المشتركة.

Image

الموقف الإيراني: السيادة المطلقة على المضيق وردع الانتهاكات

في المقابل، صاغت طهران رؤيتها للحدث بناء على اعتبارات السيادة الوطنية المطلقة والترتيبات الأمنية والقانونية المتفق عليها في الاتفاقيات السابقة، حيث سارعت العلاقات العامة للحرس الثوري الإيراني إلى إصدار بيان رسمي وشديد اللهجة اعتبرت فيه التحرك العسكري الأمريكي انتهاكا صارخا للسيادة الإيرانية وتعديا خطيرا على الاتفاقيات الثنائية والإقليمية، وتحديدا ما يُعرف بـ “تفاهم إسلام آباد”. 

وأكدت الرواية الإيرانية الرسمية أن السفينة التجارية المستهدفة من قبلها كانت تسير عمدا في مسار ملاحي “غير مصرح به” وخارج القوانين المقررة، مشددة على أن البند الخامس من التفاهم المذكور يمنح الجمهورية الإسلامية الحق الحصري والكامل في إدارة وتنظيم وتفتيش حركة المرور الملاحي والدوريات في مضيق هرمز. 

ولم تتوقف الردود الإيرانية عند حدود التنديد السياسي والإعلامي، بل أعلن الحرس الثوري عن تنفيذ ضربات دفاعية هجومية فورية استهدفت نقاط تمركز ومواقع استراتيجية تابعة للجيش الأمريكي في المنطقة المحيطة، مهدداً بنبرة حاسمة بأن أي حماقة جديدة أو تكرار للاعتداءات الأمريكية سيقابل برادع عسكري أوسع نطاقا وأشد تدميرا يتجاوز بكثير حدود وحجم العمليات الردعية الحالية.

Image

الأبعاد السياسية والدبلوماسية: اتهامات بخرق اتفاقيات إنهاء الحرب

تجاوزت تداعيات الهجوم الجوي العسكري الجانب الميداني المباشر لتصل سريعا إلى أروقة الدبلوماسية الدولية والإقليمية، حيث أصدرت وزارة الخارجية الإيرانية بيانا سياسيا مفصلا أدانت فيه بأشد العبارات الغارات الأمريكية، واصفة إياها بالخرق الفاضح للمادة الثانية (البند الرابع) من منشور الأمم المتحدة الذي يحظر التهديد باستخدام القوة أو استغلالها ضد سلامة الأراضي، فضلا عن كونها انتهاكا صريحا ومباشرا للبند الأول من مذكرة تفاهم إنهاء الحرب.

وربطت الخارجية الإيرانية بشكل مباشر بين توقيت الهجوم الأمريكي الأخير والتحركات العسكرية الإسرائيلية الراهنة التي استهدفت نقض وقف إطلاق النار في جنوب لبنان، معتبرة أن هناك خطة منسقة مسبقا بين واشنطن وتل أبيب تهدف إلى إعادة خلط الأوراق وزعزعة استقرار المنطقة بالكامل لحماية مصالحهما المشتركة.

وفي خطوة تحمل رسائل سياسية مبطنة بالغة الأهمية لجيرانها الإقليميين، شددت طهران في بيانها الرسمي على ضرورة التزام جميع دول الضفة الجنوبية للخليج العربي بمبادئ حسن الجوار وحسن التعايش، والامتثال التام للقواعد الدولية التي تمنع القوات المتجاوزة والعتاد الأجنبي من استخدام أراضيها أو أجوائها أو منشآتها العسكرية كمنطلق لشن هجمات واعتداءات ضد إيران، مطالبة الأمين العام للأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي بالخروج عن صمتهم والتحرك الفوري لمعاقبة المعتدين.

Image

القراءة العسكرية للأزمة: منشآت سيريك وسيناريوهات المواجهة المفتوحة

من الناحية العسكرية الصرفة والميدانية، يرى الخبراء والمحللون الاستراتيجيون أن طبيعة الأهداف التي ركزت عليها المقاتلات الأمريكية في منطقة “طاهروي” بمديرية سيريك، والتي شملت أبراج الاتصالات العسكرية، ونظم الرصد والمراقبة الفنية، والرادارات الساحلية، بالإضافة إلى منصات إطلاق الصواريخ البحرية قصيرة المدى، تشير بوضوح إلى رغبة واشنطن في شل أو إضعاف القدرة اللوجستية والاستخباراتية لإيران على مراقبة واعتراض السفن التجارية الكبرى في المضيق، دون الانزلاق إلى تدمير شامل وشامل للبنية التحتية العسكرية الضخمة التي قد تشعل حرباً إقليمية شاملة تخرج عن السيطرة. 

ومع ذلك، فإن الرد الميداني الإيراني الفوري والمنظم واستهداف مواقع القواعد الأمريكية يثبت بصورة قاطعة أن معادلة الردع وقواعد الاشتباك القديمة قد تغيرت ولم تعد صالحة للاستخدام. ويشير الخبراء العسكريون الإقليميون إلى أن السيناريوهات القادمة تظل مفتوحة على شتى الاحتمالات الخطيرة، حيث إن تحرك وتمركز حاملة الطائرات الأمريكية “أبراهام لينكولن” على مسافة قريبة تقدر بحوالي ٢٥٠ كيلومترا من السواحل الإيرانية يجعلها هدفا عسكريا مشروعا ومباشرا في حال قررت طهران رفع وتيرة الرد، وهو ما قد يجر القوتين إلى اشتباك بحري وجوي مباشر وواسع، خاصة إذا امتد لهيب الصراع ليشمل جبهات أخرى أو أطرافا إقليمية إضافية كإسرائيل، مما ينقل الأزمة إلى مستوى غير مسبوق من التعقيد والخطورة.

Image

استعدادات إقليمية: استنفار القواعد وتأهب القوات المسلحة

تزامنا مع القصف المتبادل والتهديدات الساخنة بين الطرفين، أفادت مصادر صحفية وإعلامية متعددة بوقوع حالات استنفار عسكري واسعة ورفع لدرجات الجاهزية القتالية في مختلف القواعد العسكرية والمنشآت التابعة للجيش الأمريكي المنتشرة في دول المنطقة، وتحديدا في البحرين، والكويت، وقطر، والمملكة العربية السعودية، تحسباً لأي ردود فعل انتقامية غير متوقعة أو ضربات صاروخية مفاجئة قد تنطلق من البر الإيراني أو عبر شبكة الحلفاء الإقليميين. 

وفي المقابل، أظهرت المؤسسة العسكرية الإيرانية تماسكا وتنسيقا عاليا بين مختلف أذرعها، حيث بعث علي عبد اللهي، قائد مقر خاتم الأنبياء، برسالة رسمية حملت دلالات توقيتية هامة بالتزامن مع أسبوع القضاء، أكد فيها الجاهزية التامة والكاملة لكافة القوات المسلحة الإيرانية بكافة تشكيلاتها البرية والبحرية والجوية للتنسيق والدفاع المشترك لحماية الأمن المستدام وصيانة منافع الشعب الإيراني ومواجهة أي تهديدات منظمة وخارجية تستهدف استقرار البلاد، مما يعكس استعداد طهران اللوجستي والنفسي لخوض مواجهة طويلة الأمد إذا فرضت عليها الظروف ذلك.

Image

مستقبل التهدئة في ظل نذر التصعيد والرهانات المفتوحة

في الختام، يمكن القول وبثقة إن جولة التصعيد العسكري الأخيرة والخطيرة بين واشنطن وطهران، رغم بقائها حتى هذه اللحظة تحت سقف السيطرة الميدانية المحدودة وبقاء التصريحات الرسمية مائلة نحو التهدئة المؤقتة، قد كشفت بوضوح عار عن هشاشة الاتفاقيات الأمنية والسياسية ومذكرات التفاهم التي تحكم التوازنات في منطقة الشرق الأوسط وتحديداً مياه الخليج العربي. 

إن مسارعة المسؤولين العسكريين والدبلوماسيين الأمريكيين لإعلان انتهاء العمليات العسكرية المباشرة في نفس الليلة يعكس رغبة أمريكية واضحة وملموسة في عدم الانجرار إلى أتون حرب شاملة ومفتوحة غير محسوبة العواقب قد تضر بمصالحها الاقتصادية والانتخابية، خاصة في ظل بيئة دولية وإقليمية شديدة التعقيد والاضطراب. 

ورغم هذا الميل الغربي نحو احتواء الأزمة وتطبيق سياسة “الضربة الواحدة المحدودة”، فإن الكرة والرهان باتا الآن بالكامل في ملعب الحسابات الاستراتيجية والتقديرات الميدانية لقيادة الحرس الثوري الإيراني وصناع القرار الأمني والعسكري في طهران؛ إذ إن غياب قنوات الاتصال المباشرة والموثوقة بين البلدين، وتصادم الإرادات السياسية والسيادية حول من يملك حق الإدارة والتحكم في مضيق هرمز، يجعل احتمالية اشتعال نيران الحرب مجددا وتوسعها أمرا واردا ومتوقعا عند أي احتكاك بحري أو جوي قادم، مما يترك الباب مفتوحا على مصراعيه لكافة الاحتمالات والمفاجآت السيئة التي قد تعيد صياغة المشهد الإقليمي برمته.

كلمات مفتاحية: