- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 4 Views
في وقت لم يعد فيه الإنترنت مجرد وسيلة اتصال، بل ركيزة أساسية للحياة اليومية والاقتصاد الحديث، تتصاعد النقاشات حول طبيعة الوصول إلى هذا الفضاء وحدود تنظيمه. وبين خطاب الضرورة ومتطلبات الواقع الرقمي، تتداخل الاعتبارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية لتعيد طرح سؤال جوهري، هل يمكن إعادة تعريف الوصول إلى الإنترنت دون أن ينعكس ذلك على بنية المجتمع نفسها؟ في هذا المشهد المعقد، تتبلور ملامح مرحلة جديدة تكشف عن تحولات أعمق في فهم العلاقة بين السلطة والتكنولوجيا وحقوق الأفراد في العصر الرقمي.
بين الأعلى للأمن القومي والحكومة…قرار مثير حول الإنترنت
في هذا الشأن، جاء طرح ما يعرف بالإنترنت برو في إيران ضمن سياق سياسي وأمني معقد، حيث برز هذا المشروع بعد تصريحات رسمية أكدت أن تنظيم الوصول إلى الإنترنت الدولي لم يعد مجرد مسألة تقنية، بل بات يخضع لقرارات سيادية تصدر عن أعلى المستويات الأمنية في الدولة، وعلى رأسها المجلس الأعلى للأمن القومي. فقد أوضح رئيس لجنة الصناعات والمناجم في البرلمان الإيراني، رضا علي زادة، أن أي قرار يتعلق بتوسيع أو تقييد نطاق الوصول إلى الإنترنت الدولي هو من اختصاص المؤسسات الأمنية، ما يعكس بوضوح أن هذا الملف لم يعد يدار فقط من قبل وزارة الاتصالات، بل أصبح جزءا من منظومة الأمن القومي.

في هذا السياق، تم تقديم المشروع بوصفه استجابة لظروف حربية أو استثنائية تمر بها البلاد، حيث تؤكد الجهات الرسمية أن استمرار النشاط الاقتصادي، خاصة في قطاعات الإنتاج والصناعة والتجارة، يتطلب ضمان اتصال مستقر بالشبكة العالمية. ومن هنا، جاء الإعلان عن توفير إنترنت دولي مستقر لفئات محددة من المستخدمين، بدءا بحاملي البطاقات التجارية، ثم التوسع ليشمل المؤسسات الإنتاجية المسجلة، وذلك عبر مراحل تدريجية تراعي الاعتبارات الأمنية.
غير أن هذا الطرح لم يمر دون إثارة تساؤلات داخل بنية الدولة نفسها. ففي الوقت الذي دافع فيه بعض المسؤولين عن المشروع باعتباره ضرورة لضمان استمرارية الاقتصاد، ظهرت أصوات رسمية أخرى تؤكد على أن الإنترنت لم يعد خدمة ترفيهية يمكن تقييدها أو توزيعها وفق اعتبارات انتقائية، بل أصبح حقا أساسيا لجميع المواطنين، حيث شدد النائب الأول لرئيس الجمهورية، محمد رضا عارف، على أن الوصول إلى الإنترنت يجب أن يكون متساويا وعادلا، وأن أي تمييز في هذا المجال يتعارض مع مبدأ العدالة الرقمية.

هذا التباين في المواقف عكس، حسب مراقبين، صراعا ضمنيا بين رؤيتين، الأولى أمنية ترى في الإنترنت أداة يجب ضبطها وفق ضرورات السيادة والاستقرار، والثانية مدنية تعتبره حقا عاما لا يجوز المساس به. وبين هذين التوجهين، يقف مشروع الإنترنت برو كنقطة تقاطع حساسة، تكشف عن طبيعة العلاقة المعقدة بين الدولة والمجتمع في العصر الرقمي.
كما أن توقيت طرح المشروع يكتسب دلالة خاصة، إذ جاء في ظل ضغوط داخلية وخارجية متزايدة، وفي وقت أصبحت فيه الاتصالات الرقمية عنصرا حيويا في إدارة الأزمات. وهذا ما دفع بعض الجهات إلى تبرير المشروع باعتباره إجراء مؤقتا، إلا أن غياب وضوح بشأن مدته أو آليات مراجعته يفتح الباب أمام احتمالات تحوله إلى سياسة دائمة.
إنترنت برو… التوصيف وآليات العمل
يقدم الإنترنت برو رسميا على أنه نموذج جديد من خدمات الاتصال، يهدف إلى توفير اتصال أكثر استقرارا وأقل تعرضا للقيود، خاصة في أوقات الأزمات أو الانقطاعات. غير أن التحليل الدقيق يكشف أن جوهر هذا المشروع لا يرتبط بتطوير تقني بقدر ما يقوم على إعادة تنظيم الوصول إلى الإنترنت الدولي وفق معايير انتقائية.
فعلى المستوى التقني، لا يقدم هذا النوع من الإنترنت بنية تحتية مختلفة بشكل جوهري عن الإنترنت التقليدي، ولا يعتمد على تقنيات جديدة تمنحه تفوقا واضحا من حيث السرعة أو الجودة. بل إن الميزة الأساسية التي يتم الترويج لها تتمثل في تقليل القيود المفروضة على الوصول إلى بعض المواقع والخدمات الدولية، إضافة إلى ضمان قدر أكبر من الاستقرار في الاتصال خلال فترات الانقطاع.

ويخضع الحصول على هذه الخدمة لسلسلة من الإجراءات المعقدة، تبدأ بعملية التحقق من الهوية المهنية، حيث يتعين على المتقدم إثبات انتمائه إلى قطاع معين، مثل الشركات أو المؤسسات البحثية أو الجهات الإنتاجية. كما يتطلب الأمر المرور عبر قنوات رسمية، غالبا من خلال شركات الاتصالات، مع استكمال متطلبات إدارية قد تشمل تقديم تعهدات رسمية والالتزام بضوابط محددة.
أما من حيث التكلفة، فإن الإنترنت برو يعد من بين أغلى خدمات الإنترنت في إيران. إذ تتجاوز تكلفة التفعيل نحو ٢٧ مليون و٨٠٠ ألف ريال، حوالي ١٨.٢ دولارا أمريكيا، فيما تختلف أسعار البيانات بحسب نوع الاستخدام. فالمواقع غير المحجوبة قد تكلف نحو ٨٠ ألف ريال، حوالي ٠.٠٥ دولار، لكل جيجابايت، بينما يصل السعر إلى ٤٠٠ ألف ريال، حوالي ٠.٢٦ دولار، عند استخدام منصات محجوبة مثل إنستغرام وتلغرام ويوتيوب. وفي بعض العروض، تصل تكلفة باقات سنوية محدودة السعة إلى ملايين الريالات، ما يجعل هذه الخدمة بعيدة عن متناول شريحة واسعة من المستخدمين.
وتظهر التقديرات أن استهلاك الشركات الناشئة أو المؤسسات التعليمية قد يتطلب إنفاق عشرات الملايين من الريالات سنويا، خاصة إذا كانت تعتمد على أدوات سحابية أو إنتاج محتوى مرئي. وهذا يطرح تساؤلات حول جدوى المشروع اقتصاديا، خصوصا بالنسبة للمشروعات الصغيرة والمتوسطة.

كما أن الخدمة لا توفر وصولا كاملا إلى جميع المنصات، إذ تظل بعض المواقع خاضعة للقيود، كما أنها متاحة حاليا عبر شبكات الهاتف المحمول فقط، دون الإنترنت الثابت، وهو ما يحد من استخدامها في بعض القطاعات.
وبناء على هذه المعطيات، يمكن القول إن الإنترنت برو ليس ابتكارا تقنيا بقدر ما هو إعادة توزيع لامتياز الوصول إلى الإنترنت، حيث يتم منح هذا الامتياز لفئات محددة مقابل تكلفة مالية مرتفعة، وفي إطار ضوابط أمنية صارمة.
الانتقادات الموجهة للمشروع
على الجانب الأخر، فقد أثار مشروع الإنترنت برو موجة واسعة من الانتقادات، التي تركزت حول أبعاده الحقوقية والاجتماعية والاقتصادية. ففي مقدمة هذه الانتقادات يأتي الاتهام بأنه يمثل شكلا من أشكال التمييز الرقمي، حيث يتم تقسيم المجتمع إلى فئتين: فئة تتمتع بوصول أوسع إلى الإنترنت، وأخرى تخضع لقيود مستمرة.
ويرى منتقدون أن هذا المشروع يتعارض مع مبدأ حيادية الشبكة، الذي ينص على ضرورة معاملة جميع المستخدمين بشكل متساو، دون تمييز على أساس الهوية أو القدرة المالية. كما يعتبرونه امتدادا لسياسات سابقة هدفت إلى تقييد الإنترنت، ولكن بأسلوب أكثر تعقيدا.

من الناحية الاجتماعية، يخشى أن يؤدي المشروع إلى تعميق الفجوة بين طبقات المجتمع، خاصة في ظل اعتماد العديد من الأنشطة اليومية، مثل التعليم والعمل والتجارة، على الإنترنت، إذ قد يجد المستخدمون العاديون أنفسهم في وضع غير متكافئ مقارنة بالفئات التي تحصل على الخدمة.
أما على المستوى الاقتصادي، فإن التكاليف المرتفعة للخدمة تشكل عبئا كبيرا على الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي قد لا تتمكن من تحمل هذه النفقات، كما أن اعتماد نموذج احتكاري في تقديم الخدمة، من خلال عدد محدود من شركات الاتصالات، قد يؤدي إلى تقليص المنافسة ورفع الأسعار.
ويشير بعض الخبراء إلى أن المشروع قد يؤدي إلى نتائج عكسية، حيث يدفع المستخدمين إلى البحث عن بدائل غير رسمية، مثل استخدام برامج كسر الحجب، أو اللجوء إلى وسائل إعلام خارجية. وقد حذر بعض الحقوقيين من أن تقييد الإنترنت لا يمنع تدفق المعلومات، بل قد يضعف الثقة العامة ويزيد من الاعتماد على مصادر خارجية.
كما أن غياب الشفافية في آليات تنفيذ المشروع، وعدم وضوح المعايير التي يتم على أساسها منح الخدمة، يثير مخاوف من احتمالات الفساد أو المحاباة. ويؤكد منتقدون أن تحويل حق الوصول إلى الإنترنت إلى سلعة تباع بأسعار مرتفعة يمثل سابقة خطيرة.
التداعيات المستقبلية وتأثير المشروع على المجتمع والاقتصاد الرقمي
يمثل مشروع الإنترنت برو نقطة تحول محتملة في مسار الفضاء الرقمي في إيران، إذ يطرح تساؤلات عميقة حول مستقبل الإنترنت في البلاد، ومدى قدرة السياسات الحالية على تحقيق التوازن بين الأمن القومي وحقوق المواطنين.
من الناحية الاجتماعية، قد يؤدي ترسيخ نموذج الإنترنت الطبقي إلى خلق انقسام واضح داخل المجتمع، حيث تتمتع فئة معينة بإمكانيات أكبر للوصول إلى المعلومات والخدمات، بينما تبقى الفئات الأخرى في دائرة القيود. وهذا قد ينعكس على فرص التعليم والعمل، ويؤدي إلى تعميق الفوارق الاجتماعية.

أما اقتصاديا، فإن المشروع قد يؤثر سلبا على بيئة الابتكار، خاصة في قطاع الشركات الناشئة، التي تعتمد بشكل كبير على الإنترنت للوصول إلى الأسواق العالمية. وفي حال استمرار التكاليف المرتفعة والقيود المفروضة، قد تجد هذه الشركات نفسها في وضع غير تنافسي، ما يحد من قدرتها على النمو.
كما أن فرض تعهدات على المستخدمين قد يؤدي إلى نوع من «الرقابة الذاتية»، حيث يشعر المستخدم بأنه تحت مراقبة مستمرة، وهو ما قد يؤثر على حرية التعبير والإبداع، ومن جهة أخرى، قد يدفع هذا المشروع إلى توسع الاقتصاد غير الرسمي المرتبط ببرامج كسر الحجب، ما يخلق تحديات إضافية في مجال التنظيم والرقابة.
في المقابل، يرى البعض أن المشروع قد يمثل فرصة لإعادة تنظيم قطاع الاتصالات، إذا ما تم تطويره بشكل يضمن العدالة والشفافية. إلا أن ذلك يتطلب مراجعة شاملة للسياسات الحالية، وإشراك مختلف الأطراف في عملية صنع القرار.
في النهاية، يبقى مستقبل الإنترنت برو مرهونا بمدى قدرة الدولة على تحقيق توازن دقيق بين متطلبات الأمن وحقوق المواطنين، وبين الحاجة إلى التنظيم والرغبة في الانفتاح. غير أن المؤكد هو أن الإنترنت لم يعد مجرد أداة تقنية، بل أصبح عنصرا أساسيا في الحياة اليومية، وأن أي محاولة لإعادة تعريفه ستترك آثارا عميقة على المجتمع ككل.
