- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 114 Views
في تطور يعيد الشرق الأوسط إلى أجواء المواجهة المفتوحة، شهدت الأيام الأخيرة تصعيدا عسكريا خطيرا بين إيران والولايات المتحدة، رغم وجود مذكرة تفاهم مؤقتة لوقف إطلاق النار ووجود مسار تفاوضي يفترض أن يقود إلى تهدئة أوسع. غير أن الوقائع الميدانية التي تلاحقت بسرعة، من ضربات أمريكية داخل الأراضي الإيرانية إلى هجمات صاروخية ومسيرة أعلن الحرس الثوري تنفيذها ضد أهداف أمريكية في الكويت والبحرين، كشفت أن التفاهم القائم لا يزال هشا، وأن الخلاف حول مضيق هرمز بات يمثل العقدة الأبرز في مسار الأزمة.
هذا فيما تشير التطورات الحالية إلى أن التصعيد لم يكن حادثا معزولا، بل جاء في سياق تراكم من الاتهامات المتبادلة بانتهاك وقف إطلاق النار، ومحاولات كل طرف فرض تفسيره لبنود التفاهم. فواشنطن تقول إن تدخلها العسكري جاء ردا على تهديد الملاحة التجارية في مضيق هرمز، بينما ترى طهران أن الوجود الأمريكي ومحاولة فرض ترتيبات ملاحية بديلة يمثلان انتهاكا مباشرا للاتفاق واعتداء على السيادة الإيرانية. وبين الروايتين، تراجعت فرص التهدئة، وارتفعت احتمالات انتقال المواجهة من ضربات محدودة إلى مسار أوسع وأكثر تعقيدا.
الضربات الأمريكية على جنوب إيران.. رسالة عسكرية تحت عنوان حماية الملاحة
بدأ التصعيد الأخير مع إعلان القيادة المركزية الأمريكية، سنتكوم، فجر الأحد 28 يونيو/ حزيران 2026، تنفيذ هجمات جديدة داخل الأراضي الإيرانية بأوامر من الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. حيث استهدفت الغارات الأمريكية عددا من المواقع في جنوب إيران، شملت منشآت للمراقبة والرصد، وأنظمة رادارية، ومواقع مرتبطة بالطائرات المسيرة، إضافة إلى مخازن صواريخ وطائرات بدون طيار على السواحل الجنوبية للبلاد.

وقد تركزت التقارير الميدانية الإيرانية على سماع أصوات انفجارات في مناطق عدة، من بينها سيريك وقشم وبندر لنجة وبندر كنك. ففي سيريك، تحدثت مصادر محلية عن سماع عدة انفجارات في محيط منطقة طاهروئي الساحلية، فيما أشارت تقارير أولية إلى إصابة برج اتصالات ومواقع قريبة من منشآت خفر السواحل، كما وردت أنباء عن سقوط مقذوفات في محيط قرية مسن التابعة لجزيرة قشم، إضافة إلى سماع دوي انفجارات في مناطق ساحلية أخرى. ولم تكن المعلومات الأولى واضحة بشأن حجم الأضرار أو طبيعة الأهداف، لكن الرواية الأمريكية لاحقا تحدثت عن استهداف أنظمة مراقبة واتصالات ودفاع جوي ومواقع للطائرات المسيرة.

وقد سعت واشنطن، من خلال روايتها الرسمية، إلى تقديم الضربات باعتبارها ردا مباشرا على ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المستمرة ضد الملاحة التجارية. حيث اتهمت الولايات المتحدة إيران باستهداف سفن تجارية في مضيق هرمز، من بينها سفينة شحن ترفع علم سنغافورة وناقلة نفط ترفع علم بنما. كما زعمت سنتكوم أن إيران أطلقت طائرة مسيرة باتجاه سفينة، وأنها لم تحترم الاتفاق المؤقت، الأمر الذي دفع القوات الأمريكية إلى تنفيذ عمليات عسكرية قالت إنها تهدف إلى حماية حركة الملاحة ومنع تعطيل الممر البحري الحيوي.
غير أن هذه الرواية تقابلها رواية إيرانية مختلفة تماما. فطهران تؤكد أن وحدات تابعة للبحرية في الحرس الثوري وجهت تحذيرات لسفينة اعتبرتها مخالفة، وأن التدخل الأمريكي جاء بذريعة حماية تلك السفينة، لكنه في جوهره يمثل اعتداء على مواقع سيادية داخل إيران. وترى إيران أن أي محاولة أمريكية لفرض ممرات آمنة أو ترتيبات ملاحية مستقلة في مضيق هرمز تعد تدخلا في صلاحياتها، خصوصا أن طهران تعتبر، بحسب ما ورد في بياناتها، أن ترتيبات العبور في المضيق أصبحت بموجب تفاهم إسلام آباد من اختصاص إيران.

ولم تقف واشنطن عند حدود البيان العسكري، بل رافقت الهجوم تصريحات سياسية بالغة الحدة. فقد كتب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصة تروث سوشيال أن الطائرات الأمريكية استهدفت مخازن الصواريخ والطائرات المسيرة والمواقع الرادارية الساحلية الإيرانية بسبب تكرار انتهاك وقف إطلاق النار. وذهب ترامب إلى أبعد من ذلك حين قال إن وقتا قد يأتي لا تستطيع فيه الولايات المتحدة أن تتصرف بعقلانية على حد وصفه، وإنها قد تضطر إلى إنهاء ما بدأته بالوسائل العسكرية. فيما فسر على أنه تهديدا مباشرا بأن استمرار هذا المسار قد يعني أن إيران لن تعود موجودة.

الرد الإيراني بالصواريخ والطائرات المسيرة.. نقل المواجهة إلى القواعد الأمريكية في الخليج
على الجانب الأخر، لم يتأخر الرد الإيراني على الضربات الأمريكية.، حيث أعلن الحرس الثوري الإيراني، عبر بيان صادر عن علاقاته العامة، تنفيذ عملية مشتركة بالصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة بين الساعة الثانية والثالثة فجرا، استهدفت ثمانية مواقع وبنى تحتية عسكرية أمريكية في قاعدة علي السالم بالكويت ومواقع مرتبطة بالأسطول البحري الخامس في ميناء سلمان بالبحرين.

وجاء بيان الحرس الثوري بصياغة حادة، بدأ بآيات وعبارات دينية وسياسية، وخاطب الشعب الإيراني باعتبار أن أبناءه في القوات البحرية والقوة الجوفضائية نفذوا عملية رد حاسمة على الاعتداءات الأمريكية الأخيرة، وأكد البيان أن الهجمات استهدفت بنى تحتية مهمة للجيش الأمريكي، وأنها جاءت ردا على ضرب خمسة مواقع ساحلية إيرانية في وقت سابق. كما شدد على أن التعامل مع السفن المخالفة في مضيق هرمز سيكون أقوى من السابق، وأن أي اعتداء أمريكي جديد، حتى لو استهدف أهدافا قليلة الأهمية، سيقابل برد ساحق.
وقد انعكس هذا الرد سريعا على الوضع الأمني في البحرين والكويت، فقد أفادت تقارير إعلامية بسماع انفجارات في البحرين، خصوصا في مناطق قريبة من مواقع عسكرية، كما أعلنت وزارة الداخلية البحرينية تشغيل صفارات الإنذار ودعت المواطنين والمقيمين إلى التوجه إلى أقرب مكان آمن. وتحدثت وسائل إعلام عربية عن تفعيل أنظمة الدفاع الجوي في البحرين لاعتراض أهداف معادية في الأجواء، في حين أشارت تقارير غير مؤكدة إلى استهداف قاعدة الشيخ عيسى الجوية بطائرات مسيرة وصواريخ.

أما في الكويت، فقد تحدثت تقارير عن سماع دوي انفجارات جديدة، بالتزامن مع إعلان هيئة الأركان العامة للجيش الكويتي أن الدفاعات الجوية تتعامل مع صواريخ وطائرات مسيرة، كما وردت إشارات إلى أن قاعدة علي السالم، التي تضم وجودا عسكريا أمريكيا، كانت ضمن الأهداف التي أعلن الحرس الثوري مهاجمتها. وفي المقابل، نقلت تقارير أمريكية أن القوات الأمريكية والبحرينية أسقطت تسع طائرات مسيرة إيرانية كانت متجهة نحو مواقع أمريكية في البحرين.
وتكشف هذه الجولة من الرد الإيراني أن طهران لا تريد حصر المواجهة داخل أراضيها، بل تسعى إلى توسيع كلفة الهجوم الأمريكي عبر استهداف الوجود العسكري الأمريكي في الخليج. فمن وجهة نظر إيران، تمثل القواعد الأمريكية في الكويت والبحرين جزءا من البنية العسكرية التي تشارك في الضغط عليها، وبالتالي فإن استهدافها يحمل رسالة ردع واضحة: أي هجوم على الأراضي الإيرانية سيقابله تهديد مباشر للمصالح والقوات الأمريكية في المنطقة.

غير أن هذا الخيار يرفع مستوى المخاطر الإقليمية، فحسب خبراء فإن استهداف مواقع في البحرين والكويت يعني إدخال دول خليجية أخرى في دائرة الأزمة، حتى وإن كان الهدف المعلن هو الوجود الأمريكي. وقد ظهر ذلك في ردود الفعل التي دانت الهجمات أو عبرت عن القلق من اتساع نطاق المواجهة.
المفاوضات تحت ضغط النار.. تفاهم إسلام آباد بين الانهيار وإعادة التفسير
رغم أن مذكرة تفاهم إسلام آباد وقعت باعتبارها خطوة لوقف الحرب وفتح الباب أمام تسوية أوسع، فإن التطورات الأخيرة أظهرت أن الاتفاق لم ينجح في منع المواجهة. بل إن بنود التفاهم نفسها تحولت إلى مادة للخلاف، إذ يتهم كل طرف الآخر بانتهاكها، ويقدم تفسيرا مختلفا لما تعنيه خصوصا فيما يتعلق بمضيق هرمز.

بالنسبة لإيران، تمثل المذكرة اعترافا بدورها في تنظيم حركة العبور داخل مضيق هرمز. لذلك، شدد وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي على أن أي تدخل في إدارة إيران للمضيق سيؤدي إلى زيادة التوتر وتعقيد الأوضاع. كما قال إن المضيق سيعود خلال ثلاثين يوما إلى طاقته السابقة للحرب تحت الإدارة الحصرية لإيران، وإن أي محاولة لإنشاء ترتيبات موازية ستؤدي إلى تأخير فتح هذا الممر الحيوي. وهذا الموقف يجعل السيطرة على المضيق بندا سياسيا وسياديا لا مجرد قضية أمنية أو بحرية.
أما الولايات المتحدة، فتنظر إلى المضيق من زاوية مختلفة تماما. فواشنطن تعتبر حرية الملاحة في هرمز مصلحة دولية لا يجوز أن تخضع لإدارة طرف واحد، خصوصا إذا كان هذا الطرف متهما باستهداف سفن تجارية أو تهديد إمدادات الطاقة. ومن هنا، تبرر الولايات المتحدة ضرباتها بأنها دفاع عن الملاحة التجارية ورد على اعتداءات إيرانية، لا انتهاكا للتفاهم.
هذا التناقض في تفسير الاتفاق هو ما يجعل المفاوضات الجارية أكثر هشاشة. فالاتفاق الذي يفترض أن يكون أرضية مشتركة أصبح محل نزاع. إيران تقول إن أمريكا نقضت البند الأول من التفاهم وخرقت ميثاق الأمم المتحدة، بينما تقول واشنطن إن إيران هي التي انتهكت وقف إطلاق النار عبر التصعيد في المضيق. وبين الاتهامين، تراجعت الثقة، وأصبح كل طرف يستخدم الاتفاق لتبرير خطواته لا لكبحها.
وقد زادت التصريحات السياسية من صعوبة العودة إلى طاولة المفاوضات. فبيان وزارة الخارجية الإيرانية وصف الهجمات الأمريكية بأنها وحشية وانتهاك واضح للفقرة الرابعة من المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة، مؤكدا أن الولايات المتحدة لا تقيم وزنا لالتزاماتها وأن نقض العهود جزء من طبيعتها. كما شدد البيان على حق إيران في الدفاع عن سيادتها ووحدة أراضيها وفق المادة 51 من ميثاق الأمم المتحدة.

في المقابل، جاءت تصريحات ترامب لتزيد التصعيد، خصوصا حين تحدث عن احتمال عدم القدرة على التصرف بعقلانية وإنهاء المهمة عسكريا. مثل هذه اللغة تجعل الوسطاء أمام مهمة شديدة الصعوبة، لأنها ترفع سقف المواجهة وتقلص مساحة التراجع. فحين يقدم كل طرف نفسه بوصفه ضحية خرق واضح، يصبح تقديم تنازل في المفاوضات مكلفا سياسيا.
ومع ذلك، لا تزال هناك مؤشرات على أن الطرفين يدركان خطورة الانهيار الكامل. فقد ورد أن مسؤولين أمريكيين تحدثوا عن نجاح نسبي في المفاوضات مع إيران، وأن التوصل إلى اتفاق نهائي سيكون أمرا مهما، كما أشارت تصريحات أخرى إلى أن زيادة تدفق النفط عبر مضيق هرمز قد تكون مؤشرا على حدوث تطور حقيقي، وإن كان اتفاق وقف إطلاق النار سيظل، بحسب التعبير المنسوب لمسؤول أمريكي، مضطربا بطبيعته.
كذلك، أظهرت مواقف العراق رغبة في احتواء الأزمة، إذ أكد وزير الخارجية العراقي رفض بلاده للحرب ودعمها حل المشكلات عبر الحوار، معتبرا أن إنهاء الحرب في المنطقة أولوية للجميع. وتزامنت هذه التصريحات مع زيارة وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي إلى بغداد، ما يشير إلى أن العراق قد يحاول لعب دور في تخفيف التوتر أو على الأقل منع امتداده بصورة أوسع.

لكن قدرة الوسطاء على إنقاذ المسار التفاوضي ستتوقف، حسب خبراء، على ثلاثة عوامل رئيسية، أولها وقف الضربات المتبادلة، لأن استمرار العمليات العسكرية يجعل أي تفاوض مجرد غطاء هش لمواجهة قائمة. وثانيها إيجاد صيغة واضحة لإدارة مضيق هرمز، بحيث لا تظهر إيران وكأنها تخلت عن سيادتها، ولا تبدو الولايات المتحدة وكأنها قبلت بإغلاق أو تقييد ممر دولي حيوي. وثالثها ضبط الخطاب السياسي، لأن التهديدات الوجودية والتصريحات الحادة تجعل من الصعب على أي طرف أن يعود إلى مسار التهدئة دون أن يبدو متراجعا.
في المحصلة، تكشف الهجمات المتبادلة خلال الأيام الأخيرة أن الأزمة بين إيران والولايات المتحدة دخلت مرحلة أكثر تعقيدا. فالمواجهة لم تعد محصورة في ضربة ورد، بل باتت مرتبطة بمستقبل تفاهم سياسي، وبإدارة أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وبأمن القواعد الأمريكية في الخليج، وبقدرة دول المنطقة على تفادي الانزلاق إلى حرب أوسع.

