- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 12 Views
كتب: الترجمان
تمر إيران بمرحلة مجهرية وحساسة من تاريخها السياسي والدبلوماسي، حيث تعيد صياغة توازناتها الداخلية لمواجهة استحقاقات إقليمية ودولية بالغة التعقيد. وفي قلب هذا التحول، يبرز المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني (شعام) باعتباره المطبخ السياسي والأمني الأرفع الذي تُصنع فيه القرارات الاستراتيجية الكبرى.
وقد تحول هذا المجلس مؤخرا إلى ساحة لتجاذب حاد وغير مسبوق بين تيارين: تيار يمثله سعيد جليلي، رئيس ما يُعرف بـ”مؤسسة دولة الظل” والمتمسك بالثوابت الأيديولوجية المتشددة، وتيار آخر يقوده رفيقه وتلميذه السابق علي باقري كني، الذي بات يمثل الواقعية السياسية الجديدة والنظام البراغماتي داخل أروقة الحكم. هذا التقرير يفكك خيوط هذا الصراع الممتد، مستندا إلى التقارير المسربة والتطورات الميدانية في بنية النظام الإيراني.
الجذور التاريخية: من “الظل والقرين” إلى خطوط الافتراق السيادي
يعود الارتباط الوثيق بين سعيد جليلي وعلي باقري كني إلى خريف عام ۲۰۰۷، عندما عُيّن جليلي بأمر من الرئيس الأسبق محمود أحمدي نجاد أميرا للمجلس الأعلى للأمن القومي ومسؤولا عن المفاوضات النووية الإيرانية مع مجموعة (1+5). في تلك الحقبة الحرجة، اختار جليلي باقري كني ليكون نائبه الأول ومساعده الأقرب، حتى وُصف باقري في الأوساط السياسية والإعلامية بأنه “ظل جليلي” الذي لا يفارقه.
على مدى ست سنوات، تبنى الرجلان خطابا راديكاليا موحدا يقوم على رفض تقديم أي تنازلات للغرب، واعتبار المفاوضات منصة لإثبات المبادئ الثورية لا لعقد الصفقات والمساومات. هذا الانسجام المطلق انتهى بانتهاء عهد أحمدي نجاد وصعود حكومة “التدبير والأمل” برئاسة حسن روحاني عام ۲۰۱۳، حيث غادر الرجلان معا مبنى المجلس الأعلى للأمن القومي، لينتقلا إلى صفوف المعارضة الشرسة والتشكيك في مشروعية الاتفاق النووي (برجام).
تأسست العلاقة في البداية على وحدة فكرية وعقائدية صلبة، حيث كان باقري كني يمثل العقل التنفيذي لرؤية جليلي الأيديولوجية. وخلال سنوات الابتعاد عن السلطة الرسمية، ساهم باقري في صياغة البيانات والخطب التي كان يلقيها جليلي لتفكيك بنود الاتفاق النووي وتوجيه الانتقادات الحادة للفريق المفاوض. غير أن هذا التلاحم الفكري لم يكن صامداً أمام اختبار التجربة العملية والمواجهة المباشرة مع تعقيدات الحكم، حيث حملت السنوات اللاحقة في طياتها بذور تحول دراماتيكي غيّر مسار العلاقة بين الرجلين بشكل جذري.

التحول البراغماتي لعلي باقري: صدمة الواقع الدولي والميداني
بدأت نقطة التحول الكبرى في مسيرة علي باقري كني المهنية والسياسية عندما تولى منصب رئيس الفريق المفاوض ونائب وزير الخارجية للشؤون السياسية في حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي. هذا الانتقال من مقاعد المتفرجين والمعارضين إلى مقعد المسؤول الأول والمباشر عن إدارة الأزمات الدولية وضع باقري أمام واقع مغاير تماماً للشعارات النظرية.
اصطدم باقري بالتعقيدات البنيوية للاقتصاد الإيراني الرازح تحت وطأة العقوبات، ووجد نفسه مضطرا للبحث عن مخارج دبلوماسية ومرونة سياسية لتسيير شؤون الدولة، مما جعله يدرك أن إدارة العلاقات الدولية تتطلب مساومات عملية بعيدة عن الجمود الأيديولوجي.
هذا التحول الجذري في قناعات باقري كني تسبب في شرخ عميق وغير معلن في بادئ الأمر مع مرشده السابق سعيد جليلي. فقد تحول باقري، الذي كان يصف الاتفاق النووي في وقت سابق بأنه “عجوز شمطاء” ولا قيمة له، إلى المدافع الأول عن استمرار القنوات الدبلوماسية مع الولايات المتحدة والقوى الأوروبية.
ولم يقتصر الأمر على التحليلات السياسية، بل خرجت الخلافات إلى العلن من خلال تصريحات أدلى بها المقربون من جليلي، ومنهم مشهده السياسي ومستشاره أمير حسين ثابتي، الذي أكد بوضوح أن نظرة علي باقري تجاه “برجام” قد تغيرت بالكامل، وأنه دخل في خلافات جوهرية وعميقة مع جليلي حول كواليس المفاوضات وإدارة الملف النووي.

إعادة هيكلة المجلس الأعلى للأمن القومي: صعود لاريجاني وباقري بخطة رئاسية
شهدت البنية القيادية للمجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني مراجعة شاملة مدفوعة بقرار حاسم من الرئيس مسعود بزشكيان، الذي سعى لإعادة التوازن للمؤسسة الأمنية عبر الاستعانة بوجوه ذات خبرة وتاريخ في الواقعية السياسية.
تمثل هذا التوجه في إعادة الراحل علي لاريجاني، رئيس البرلمان الأسبق وأحد أبرز وجوه التيار المحافظ المعتدل، إلى دبلوماسية الأمن القومي وتفويضه بملف المفاوضات النووية الحساس والمصيري. وفي خطوة ذات دلالات سياسية بالغة الأهمية، أصدر لاريجاني حكما خاصا عين بموجبه علي باقري كني معاونا ومساعدا له في الأمانة العامة للمجلس، وهو المنصب ذاته الذي كان يشغله قبل عقدين، لكن هذه المرة برؤية سياسية مغايرة تماماً تهدف إلى إيجاد مخارج حقيقية للملفات العالقة.
هذا التعيين المشترك لكل من لاريجاني وباقري كني عكس رغبة واضحة من الرئاسة الإيرانية ومراكز القرار العليا في تحجيم دور التيار المتشدد وتفكيك الدوائر المغلقة التي كانت تهيمن على صناعة القرار الأمني.
ويمثل وجود باقري كني في هذا الموقع الجديد ضربة قوية لمشروع “دولة الظل” الذي يقوده جليلي، حيث بات باقري يمتلك الشرعية والموقع التنفيذي لتمرير سياسات النظام الحالية القائمة على الانفتاح الدبلوماسي المحسوب، مستفيدا من شبكة علاقاته الدولية والخبرات التي اكتسبها في حكومة رئيسي، ومشكلا غطاء تكنوقراطيا للتوجهات الجديدة للمرشد الأعلى.

الكرسي المهتز: تهميش سعيد جليلي ومؤشرات الإقصاء من صناعة القرار
تتواتر المعلومات والتقارير من داخل العاصمة طهران لتؤكد أن الكرسي الذي يجلس عليه سعيد جليلي في المجلس الأعلى للأمن القومي بات اهتزازيا بشكل غير مسبوق. وتشير التقديرات غير الرسمية والتسريبات الإعلامية الصادرة عن مصادر مطلعة إلى أن جليلي عانى على مدار العام الماضي من عملية استبعاد صامتة وممنهجة؛ حيث تفيد الأنباء بأنه توقف عن تلقي الدعوات لحضور الاجتماعات الدورية للمجلس الأعلى للأمن القومي.
ويعزو المحللون هذا الإجراء العقابي غير المعلن إلى تباين ديدنه السياسي مع التوجهات الاستراتيجية العامة للنظام الإيراني، وإصراره على اتخاذ مواقف متصلبة قد تؤدي إلى عرقلة قنوات الاتصال السرية والعلنية التي تفتحها الدولة لتخفيف الضغوط الاقتصادية والسياسية.
وقد تجسدت هذه العزلة السياسية بشكل واضح في التصريحات التي أدلى بها الرئيس مسعود بزشكيان خلال “الملتقى العام للحوكمة التكاملية”، حيث وجه شكرا علنيا وصريحا لأعضاء الفريق المفاوض والمجلس الأعلى للأمن القومي، مسمياً بالذكر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي، مشيدا بنسبة التوافق العالية داخل المجلس التي تجاوزت ۹۰٪ لدعم التوجهات السياسية الحالية.
وأشار بزشكيان بذكاء إلى وجود “اختلافات جزئية ومحدودة في مواقف أقلية ضيقة“، وهو ما اعتبره المراقبون إشارة واضحة ومباشرة إلى جليلي وفريقه، الذين يمثلون حجر عثرة أمام التوافق العام لرجالات النظام حول سبل إدارة الصراع مع الغرب.

معركة التكذيب والتثبيت: تضارب الأنباء وصراع الأجنحة في الفضاء الافتراضي
مع تسارع وتيرة الأنباء التي تتحدث عن طرد أو إقالة سعيد جليلي من منصبه في المجلس الأعلى للأمن القومي، اندلعت معركة إعلامية حامية الوطيس بين التيارات السياسية الإيرانية في الفضاء الافتراضي وشبكات التواصل الاجتماعي. وسارعت المنصات والقنوات المحسوبة على الجناح الأصولي ودولة الظل لنفي هذه الأخبار جملة وتفصيلا، معتبرة إياها حرباً نفسية تشنها التيارات الإصلاحية والمعتدلة لتشويه رموز التيار الثوري.
وفي هذا الإطار، ظهر عظيم إبراهيم بور، وهو شخصية بارزة في أوساط التعبئة مسؤول المقر المركزي لجهاد التبيين، لينفي بشكل قاطع أي تصريح نُسب إليه يزعم فيه طرد جليلي من المجلس، مؤكدا أن هذه الأخبار عارية تماما عن الصحة ومختلقة بالكامل.
إلا أن هذا النفي الرسمي والحزبي المتكرر، وفقا للقراءات التحليلية للمشهد الإيراني، لا يحجب الحقيقة الهيكلية المتمثلة في وجود أزمة ثقة عميقة بين جليلي ومراكز القرار الأساسية في البلاد. فالخلاف لم يعد مجرد شائعات افتراضية، بل هو انعكاس لأزمة حقيقية تتعلق بمدى مواءمة “دولة الظل” لمتطلبات الدولة الرسمية. إن تكرار عمليات التكذيب يشير في الواقع إلى عمق القلق الذي يعتري معسكر جليلي من خسارة هذا الحصن الأمني الحساس، مما يجعل مستقبل جليلي داخل المجلس معلقا بخيط رفيع.

استشراف المستقبل وإعادة رسم خريطة النفوذ الأمني
في الختام، يبدو أن الصراع الصامت والعلني بين علي باقري كني وسعيد جليلي يتجاوز مجرد المنافسة الشخصية على مقعد في المجلس الأعلى للأمن القومي، ليصبح مؤشرا حيويا على الوجهة الاستراتيجية التي تسلكها القيادة الإيرانية. إن إزاحة جليلي المحتملة وتثبيت باقري كني، ممثلا للمرشد الأعلى ومساندا، تعنيان بوضوح نهاية حقبة “التصلب غير المنتج” ودخول النظام في مرحلة “البراغماتية الدفاعية”.
وفي ظل التحديات الجيوسياسية الضخمة، فإن صناع القرار في طهران يبدون أكثر ميلاً للاستغناء عن الوجوه الأيديولوجية التي تستنزف هوامش المناورة، واستبدالها برجال تكنوقراط أمنيين من طينة علي باقري، القادرين على صياغة لغة دبلوماسية تحمي مصالح النظام الحيوية دون الانزلاق إلى مواجهات شاملة غير محسوبة العواقب.

