- زاد إيران - المحرر
- 508 Views
كتبت: كريمة هاني
شهدت المنظومة الصحية الإيرانية تصاعدا ملحوظا في احتجاجات الممرضين خلال الأشهر الأخيرة، لتتحول إلى حركة وطنية عكست أزمة عميقة في الأجور والتوظيف. الممرضون من مشهد إلى كرمانشاه، ومن خوزستان حتى يزد وقم، يطالبون بأجر منصف وتطبيق فعلي لقانون تعرفة خدمات التمريض، مؤكدين أن احتجاجاتهم تتجاوز المطالب المالية لتسليط الضوء على خلل هيكلي في سياسات وزارتي الصحة والعمل.
جذور الغضب
تعود الأسباب الجذرية وراء هذا التصعيد إلى تدهور حاد في الظروف المهنية والمعيشية للممرضين، مما جعل بنية النظام العلاجي هشة. فقد أكد الممرضون في تجمعاتهم، كما حدث في مستشفى قائم بمشهد حيث شارك نحو أربعمئة ممرض حاملين لافتات كتب عليها:” التسعيرة العادلة حق لممرضي إيران”. ويتجسد هذا التدهور في تأخر المدفوعات وتجاهل القدرة الشرائية.
تشير المتابعات إلى أن متوسط التأخير في دفع المستحقات في بعض المحافظات وصل إلى ستة أشهر. وفي كرمانشاه، أشار الممرضون إلى أن تعريفات الخدمات التمريضية لم تُدفع منذ أكثر من تسعة أشهر، وأن مكافآتهم ما زالت بلا حل.
كما أعرب الممرضون عن استيائهم مما وصفوه بـالتمييز والتحايل على القوانين داخل نظام الصحة، ومن صور هذا التحايل: تسجيل أعمال وأنشطة الممرضين باسم الأطباء، إلى جانب إهمال العلاوات الخاصة.

نقص كوادر وضغوط مهنية
إلى جانب الضغوط المادية، يتكرر الحديث في احتجاجات الممرضين عن الضغط المهني والإرهاق الناتج عن النقص الحاد في الكوادر التمريضية. ويشير الممرضون إلى أن هذا النقص يجبرهم على العمل بنظام المناوبات الممتدة من 12 إلى 18 ساعة.
وقد صرّح ممثل شؤون التمريض في وزارة الصحة أن عدد الطلاب المقبولين في تخصصات التمريض والعمليات والتخدير والطوارئ يصل إلى نحو 18 ألف شخص سنويا، لكن متوسط عدد الممرضين الذين يتم توظيفهم لا يتجاوز 5 آلاف سنويا.
ويعود هذا الاختلال إلى معايير هيئة شؤون التوظيف الحكومية التي تحدد 0.95 ممرض لكل سرير، بينما المعايير المعتمدة لدى وزارة الصحة هي 1.8 ممرض لكل سرير، مما يشير إلى أن الفجوة كبيرة جدًا. كما أن برامج التنمية، وخاصة البرنامج السابع الذي يركز على تصغير الحكومة وشراء الاستراتيجيات، تعد أحد الأسباب الرئيسية لعدم توظيف العدد الكافي من الممرضين.
مطالب الممرضين
تتركز مطالب الممرضين حول حلول تضمن العدالة والاستدامة المهنية، ومن أهمها توضيح التعريفات الطبية وطريقة تخصيص المكافآت، وضمان العدالة في دفع التعريفات بين الأطباء وباقي الكادر الطبي. فقد كان قانون «تعرفة خدمات التمريض» الذي بدأ تطبيقه في حكومة الرئيس الأسبق رئيسي، يهدف إلى الحد من الفجوة الكبيرة بين رواتب الأطباء والممرضين، لكن تطبيقه كان ناقصا وغير منسق. وأكدت إحدى الممرضات أن «التعرفة موجودة على الورق فقط»، وفي الواقع إما لا يحصلون على شيء، أو يكون المبلغ ضئيلا لا يغطي حتى ساعات العمل الإضافي.
كما يطالبون بتوظيف كوادر جديدة لتقليل عبء العمل على الطاقم الطبي، وتطبيق علاوة خاصة بنسبة 3% في كشف الرواتب، مؤكدين أن تنفيذ هذا البند يمكن أن يعوّض جزءا من التفاوتات في الرواتب ويزيد من الدافعية واستمرارية الكوادر المتخصصة في مجال الصحة.

ردود الفعل الرسمية
اقتصر رد وزارة الصحة على تعهدات عامة، حيث أكدت أن صرف المستحقات المتأخرة مدرج على جدول أعمالها، وأن إصلاح نظام الدفع قيد الدراسة، دون الإفصاح عن خريطة طريق واضحة أو مواعيد محددة.
في المقابل، جاء الانتقاد من داخل المؤسسة التشريعية نفسها، حيث شن عضو لجنة الصحة في البرلمان، سلام ستوده، هجوما لاذعا على سياسات الحكومة، واصفا الوضع بـالمقلق والخطير، ومشيرا إلى فوضى نظام المدفوعات ومحذرا من هجرة الكفاءات.
ولم يكتف بذلك، بل ذهب إلى مقارنة حادة بين إنفاق الحكومة مبالغ ضخمة على لاعبي كرة القدم الأجانب، بينما يركض الممرضون أشهرا للحصول على أجر إضافي بسيط، مؤكدا أن المشكلة الحقيقية تكمن في سوء إدارة الموارد وعدم العدالة في توزيع الثروة، وليست العقوبات وحدها.

دور وزارة العمل في أزمة احتجاجات الممرضين
على الرغم من أن الممرضين يتبعون وزارة الصحة، إلا أن جزءا من أزمة الاحتجاجات الحالية يعود مباشرة إلى وزارة العمل، ما دفع بعض النواب لمتابعة ملف استجواب وزيرها أحمد ميدري.
مهرداد بائوج لاهوتي، النائب في البرلمان الإيراني وأحد الموقعين على طلب الاستجواب، أكد لموقع «تابناك» أن استجواب أربعة وزراء، بينهم وزير العمل ووزير الزراعة ووزير الطاقة، يتم متابعته بجدية. وأضاف أن الثقة التي يمنحها البرلمان للوزراء هي تفويض من الشعب، والاستجواب وسيلة لتعزيز أداء الحكومة.

أسباب غضب الممرضين من وزارة العمل
أولا، ارتباط مستشفيات التأمين الاجتماعي بوزارة العمل، حيث يعمل عدد كبير من الممرضين المحتجين في هذه المستشفيات، وتعود مشكلة تأخر المستحقات إلى ضعف آليات الدفع في هذا القطاع.
ثانيا، تأثير المجلس الأعلى للعمل على تحديد الحد الأدنى للأجور، إذ تؤثر قراراته على الرواتب الأساسية للممرضين. زيادة الحد الأدنى للأجور بنسبة 27% لعام 2025، في ظل تضخم يتجاوز 40%، اعتُبرت غير كافية وتجاهلًا لقدرتهم الشرائية.
ثالثا، مسؤولية وزارة العمل عن العقود وحقوق العاملين، وفقا لقانون العمل، فهي تشرف على العقود وتضمن الأمن الوظيفي وحقوق العاملين، بما في ذلك الكوادر التمريضية المتعاقدة. الممرضون اشتكوا مرارا من غياب جهة نقابية مستقلة للدفاع عن حقوقهم.
تأثير الأزمة على المنظومة الصحية
أدى النقص الحاد في كوادر التمريض، المرتبط بمشكلات مالية وهيكلية، إلى تدهور جودة الرعاية الصحية، حيث أقرّ الممرضون بأن الإرهاق والمناوبات الضاغطة والإضافية نتيجة غياب الكوادر يؤثرون سلبا على خدمة المرضى. وأكد سلام ستوده أن تأخر المدفوعات ومشاكل التأمين جعلت بنية النظام الصحي هشّة ودفعته إلى الاحتجاج والإضراب.
كما إن النقص في القوى العاملة يمنع الاستفادة من الإمكانيات والمعدات الجاهزة في بعض المناطق والمستشفيات، مما يحرم الناس من الحصول على الخدمات ويمنع التوسع وتطوير الخدمات في القطاع. وفي الوقت الذي لا تتوفر فيه إحصاءات رسمية دقيقة لإغلاق مستشفيات بالكامل، يؤدي هذا الوضع إلى توزيع عبء العمل على باقي الموظفين.
هجرة الكوادر وتهديد البنية العلاجية
إن الضغط المهني الكبير وتدني الأجور دفع الممرضين، إلى جانب باقي الكوادر الطبية، إلى التفكير في تغيير مسارهم الوظيفي أو الهجرة. شهدت السنوات الأربع إلى الخمس الماضية خروج ما يقارب خمسة عشر ألفا من العاملين في القطاع الطبي، بينهم عدد كبير من الممرضين، وهو رقم وصفه عضو لجنة الصحة بأنه مقلق وخطير.
يغادر الممرضون الخدمة مبكرا قبل إكمال مدة الخدمة القانونية بسبب الإرهاق الوظيفي. وحذر نائب رئيس شؤون التمريض من أنه إذا لم يُصلح هذا الخلل في التوظيف والاحتفاظ بالقوى العاملة، فإن الناس هم من سيتضررون.
بصيص أمل وإمكانية تحقيق المطالب
في تطور إيجابي، استجابت محافظة همدان لمطالب الممرضين عبر تخصيص أكثر من 47.5 مليون دولار لتسديد مستحقاتهم المتأخرة وتكاليف العلاج. جاء هذا القرار بعد متابعة حثيثة من نائب رئيس البرلمان، مما يؤكد أن الإرادة السياسية قادرة على كسر الجمود.
تميزت التجربة بالشفافية والجدولة الزمنية الواضحة لسداد المستحقات على مراحل، حيث تم تخصيص جزء كبير من المبالغ لتغطية المتأخرات الأخيرة. هذا النجاح يثبت أن الحلول ممكنة عندما تتحول المطالب إلى أولوية.
تؤكد احتجاجات الممرضين في إيران وجود أزمة هيكلية عميقة تتجاوز مجرد تأخر المستحقات، لتشمل نقص الكوادر الحاد والتمييز في الأجور وفشل تطبيق قانون التعرفة بشكل عادل. ورغم أن جهود تسوية جزء من المتأخرات، كما حدث في همدان، تشير إلى إمكانية الاستجابة، إلا أنها تبقى حلولا غير كافية ما لم تُعتمد سياسات وطنية موحدة وعادلة. استمرار هذا الوضع يهدد بانهيار جودة الرعاية الصحية وإضعاف البنية العلاجية بأكملها، يبقى السؤال: هل ستتحول هذه التجربة الناجحة إلى سياسة وطنية؟ أم ستبقى استثناءً في محافظة واحدة؟ النجاح في همدان يضع المسؤولين أمام اختبار حقيقي، ويقدم للممرضين في كل المحافظات دليلا ملموسا على إمكانية تحقيق مطالبهم.

