تعيين سقاب أصفهاني نائبا للرئيس يُفجر أزمة ثقة ويُعيد تعريف مفهوم “الوفاق” في إيران

في زلزال سياسي ضرب أروقة حكومة مسعود بزشكيان، أصدر الرئيس مسعود بزشكيان قرارا بتعيين إسماعيل سقاب أصفهاني، أحد الوجوه المقربة من الإدارة السابقة للرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، نائبا للرئيس ورئيسا لـ «منظمة تحسين وإدارة الطاقة الاستراتيجية». لم يكن هذا التعيين مجرد خطوة إدارية، بل تحول على الفور إلى بؤرة صراع حاد أعادت الجدل حول سياسة “الوفاق الوطني” التي وعد بها بزشكيان، وأثارت اتهامات متبادلة بين معسكري الحكومة وداعميها السابقين. 

الخلفية السياسية للتعيين والإطار المثير للجدل

لم يأتِ تعيين سقاب أصفهاني من فراغ، بل جاء محملا بخلفية سياسية هي جوهر العاصفة التي أثارها. فقد برز اسم سقاب أصفهاني (مواليد 1985 في مشهد) خلال فترة حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي، حيث عمل معه في مؤسسة الإمام الرضا في مدينة مشهد، ثم شغل منصب أمين اللجنة الاستراتيجية للتحول في حكومة إبراهيم رئيسي. كما ارتبط اسمه بجبهة بایداري الأصولية، وعمل في الحملة الانتخابية للمنافس الذي واجه بزشكيان. 

هذه الخلفية جعلت تعيينه في حكومة كان متوقعا أن تميل للإصلاحية مفاجئا، خصوصا أن المنصب الجديد في منظمة ترشيد وإدارة الطاقة الاستراتيجية يُعَد حساسا ، ويتطلب خبرة فنية عالية ومشروعية سياسية واسعة في ظل أزمة الطاقة الحالية.

العاصفة الاعتراضية 

قوبل تعيين سقاب أصفهاني بموجة غضب عارمة من قطاع واسع من الإصلاحيين وأنصار الحكومة، الذين رأوا أن القرار انحراف عن مفهوم الوفاق وتنازلا للتيارات المحافظة.

وكانت أبرز ردود الفعل استقالة فياض زاهد، العضو البارز في مجلس الإعلام الحكومي، احتجاجا ، حيث علق في منشور على منصة إكس:“من المؤلم أنه في اليوم الذي انتحر فيه فؤاد شمس بسبب ضغط الحياة، يصبح أحد مديري حكومة رئيسي، الرئيس الأسبق، نائبا لرئيس جمهوريتنا. هذا ليس وفاقا بل انحراف. وعبر عن شعورة بالخجل”.

كما هاجم جواد إمام، المتحدث باسم جبهة الإصلاحات، القرار موجها كلامه للرئيس:“لا تصبّ الملح على جراح رفاقك الانتخابيين”.

بينما رأى محمدجواد آذري جهرمي، وزير الاتصالات السابق، أن التعيين يمثل “سعيا للمحاصصة” على حساب الكفاءة، وكتب: “شاب ذو علم وحماس – حتى لو كان مخالفا لنا – أشرف من شيخ عديم الجدوى… حكّموا الكفاءة لا العجز!

وانضمت إلى موجة الاعتراض صحيفة “سازندكي” الإصلاحية، التي شككت في جدوى التعيين وجدارته. حيث كتبت الصحيفة: “سقاب أصفهاني ليس مديرا تنفيذيا مشهورا وكفؤًا بلا بديل، ولا اقتصاديا ليقدم فكرة جديدة، ولا سياسيا ليخلق إجماعا، ولا من ضمن القوى السياسية القريبة من الحكومة.” وذهبت الصحيفة إلى أن التعيين “يقوي فرضية أن مسعود بزشكيان محاصر بأشخاص ليسوا بالضرورة إصلاحيين، ولا يعرف ما يحدث في حكومته.”، متسائلةً: “إذا كان العمل يجب أن يكون بيد القوى القريبة من جبهة الثبات أو المحافظين، فلماذا كان علينا التصويت لمسعود بزشكيان؟

Image

التيار الأصولي بين الترحيب والتبرؤ

من ناحية أخرى، رحب جزء من التيار الأصولي والمتشدد بالتعيين، معتبرين المنصب “موقعا فنيا وعلميا” يتطلب الخبرة وليس الانتماء السياسي.

ولكن الموقف الأبرز لهذا التيار جاء من صحيفة “جوان” الأصولية، التي شنّت هجوما حادا على الإصلاحيين المعترضين. واصفة انتقاداتهم بـ “دليل على القبلية” و”الانغلاق”، في تقرير بعنوان:”اضطراب عنصري في قبيلة الإصلاحات”. واتهمت الصحيفة التيار الإصلاحي بتجاوز حدود النقد إلى استخدام “لغة جارحة”، وذهبت إلى حد اتهامه بـ “إطلاق رائحة فاشية” لتخليه  حسب وصفها عن مبادئ الليبرالية والديمقراطية عندما يتعلق الأمر بالسلطة.

كما هاجمت صحيفة «فرهيختكان» الأصولية موقف زاهد، واصفة إياه بأنه نموذج واضح لـلتسييس الذي يزيح الكفاءة إلى الخلف، ويُقدّم المكاسب السياسية على حساب المصلحة العامة.

وفي المقابل، ظهرت أصوات من التيار الأصولي المعتدل تنأى بنفسها عن دعم القرار. فقد انتقد هاتف صالحي، الأصولي المعتدل، التعيين، معتبرا أنه لا يخدم سياسة الوفاق وقد يثير الشكوك حول توجهات الحكومة الجديدة، مضيفا أن التعيين غير المدروس أدى إلى إحباط واسع بين أنصار الرئيس وخلق خلافات داخل الحكومة. العقلانية تقتضي أن يتراجع بزشكيان فورا عن هذا القرار.

وفي خطوة متصلة ، بادرت وسائل إعلام مقربة من سعيد جليلي إلى نفي أي صلة لسقاب أصفهاني بفريقه. بل وذهبت صحيفة “چارسوق” الاقتصادية إلى تفسير التعيين بأنه محاولة لنسب أي قرار محتمل لزيادة أسعار البنزين إلى سياسة الحكومة السابقة، في إشارة إلى أن سقاب قد يكون “كبش فداء” لسياسات صعبة مقبلة.

Image

الأصوات الوسطية والتحذير من الانحراف عن الجوهر

برزت أصوات وسطية حاولت تجاوز الصراع السياسي المباشر للتركيز على جوهر القضايا. أحمد زيدآبادي، الصحفي الإيراني المعروف وصف الجدل حول التعيين بأنه نزاع مضلل يصرف الانتباه عن المشاكل الأساسية، مؤكدا أن المطلوب من الرئيس صياغة إستراتيجية واضحة للخروج من الوضع المتردي بدل التركيز على التعيينات الحزبية. كما حذر من تحويل الانتبار السياسي للأفراد إلى وصمة واعتبر ذلك غير أخلاقيا.

كما وجهت صحيفة «هم میهن» انتقادا مختلفا، ليس للتعيين نفسه بل لطريقة تعامل الفريق الإعلامي للحكومة معه، معتبرة أن الحكومة تعتقد أن أي قرار تصدره صحيح تلقائيا دون الاهتمام بردود فعل المجتمع أو توضيح السياسات، مشيرة إلى أن هذه الانتقادات تكشف ضعف فهم الحكومة للوفاق السياسي والثقة، وتأثير ذلك على تنفيذ سياسات الطاقة بشكل عملي.

Image

ردود فعل رسمية متدرجة

واجهت الحكومة العاصفة الانتقادية بخطاب مزدوج: تكنوقراطي وتقني من جهة، وشرعي وقانوني من جهة أخرى.

قاد إلياس حضرتي، رئيس مجلس الإعلام الحكومي، الجهود الدفاعية، مؤكدا أن تعيين سقاب أصفهاني جاء بعد أكثر من عام من الدراسة والمشاورات مع الخبراء لمعالجة اختلالات قطاع الطاقة، وأن فريقه هو الأكثر قدرة على تقديم خطة شاملة بفضل خبرتهم السابقة في حكومة الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي. ولفت إلى أن الرئيس سيتابع تنفيذ هذه الخطط شخصيا.

من جهته، قال محمد جعفر قائم‌بناه، النائب التنفيذي للرئيس، إن التعيين “تكنوقراطي بحت”، مشددا على أن الرئيس نظر للجانب الفني والخبرة وليس للانتماء السياسي للفريق.

على الصعيد القانوني، كتب مهدي طباطبائي، نائب الاتصالات في مكتب الرئيس، أن المرارة، والشدة، والسخرية من ثاني أعلى منصب في البلاد بسبب تعيين هو حقه القانوني والمشروع، لا مبرر لها إطلاقا،  مؤكدا أن للنقد آدابا كما للسياسة.

كما أتى دعم يوسف بزشكيان، ابن الرئيس ومساعد ومستشار إعلامي في مكتب الرئيس العلني للتعيين ليمنح القرار مزيدا من الشرعية ويهدئ الغضب داخل دائرة الثقة الرئاسية.

احتجاج الرأي العام الافتراضي

تحول التعيين إلى مادة للسخرية على وسائل التواصل الاجتماعي، حيث انتشرت تغريدات مثل: “بزشكيان هو من فاز، لكن سعيد جليلي هو الذي يحكم” و”بزشكيان أعد لي صوتي”. كما أطلق المستخدمون حملات ساخرة لتعيين شخصيات مثيرة للجدل في مناصب عليا، مثل بابك زنجاني رئيسا للبنك المركزي”، و”سعيد جليلي بدلا من عارف”، في نقد لاذع لسياسة “الوفاق” التي فقدت  بحسب رأيهم  معاييرها.

وفي الختام، يُظهر الجدل المتفجر حول تعيين سقاب أصفهاني أن الحكومة الإيرانية تواجه أزمة ثقة داخلية هي الأخطر منذ تشكيلها. القرار الذي كان من المفترض أن يكون خطوة تقنية لمعالجة أزمة الطاقة ، تحول إلى مرآة عكست عمق الانقسامات السياسية واتساع الهوة بين الرئيس وبين من منحوه أصواتهم طمعا في تغيير مختلف. 

ويبقى السؤال الأكبر: هل يستطيع بزشكيان احتواء هذه العاصفة واستعادة ثقة قاعدته، أم أن سياسة الوفاق التي رفعها شعارا ستتحول إلى نقيضها، فتفقده حلفاءه قبل خصومه؟