لماذا يرفض التيار المتشدد بقاء قاليباف على رأس البرلمان الإيراني؟

كتب: الترجمان

تشهد الساحة السياسية الإيرانية حراكا كواليسيا مكثفا بالتزامن مع انتخابات الهيئة الرئاسية للبرلمان الإيراني في دورته الحالية. ورغم أن هذه الانتخابات تُجرى سنويا لاختيار رئيس البرلمان ونوابه وأعضاء الهيئة الإدارية، إلا أن المعركة الحالية تكتسب أبعادا استثنائية تجاوزت التنافس الإداري والتشريعي المعتاد داخل أروقة البرلمان.  فالصراع الراهن بين رئيس البرلمان الحالي، محمد باقر قاليباف، والتيار المتشدد، لا يتمحور حول إدارة الجلسات البرلمانية، بل يعكس انقساما عميقا وجوهريا حول الرؤية الاستراتيجية لإدارة البلاد في واحدة من أدق المراحل التاريخية التي تمر بها إيران، حيث تتقاطع فيها التهديدات الأمنية والعسكرية مع المسارات الدبلوماسية المعقدة.

معركة النفوذ تحت ظلال الحرب والدبلوماسية

تأتي هذه الانتخابات في ظرف أمني بالغ الحساسية، إذ بقيت جلسات البرلمان العلنية معلقة لعدة أشهر بناء على أوامر صارمة من المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، بهدف حماية المقر التشريعي من التهديدات العسكرية والأمنية بعد المواجهات العسكرية الأخيرة. ورغم هذا التعليق، أصر النواب على المضي قدما في الاستحقاق القانوني لانتخاب الهيئة الرئاسية، في محاولة لإرسال رسالة قوة وثبات تفيد بأن الظروف الاستثنائية وحالة الحرب المفروضة لن تعطّل المسارات القانونية والمؤسسية للدولة. 

ومع ذلك، تحولت هذه المحطة القانونية إلى ساحة حرب سياسية وإعلامية مفتوحة، يقودها الجناح المتشدد والإقصائي داخل المعسكر الأصولي للإطاحة بقاليباف، مستخدما أدوات تتنوع بين الضغط التشريعي، والتشكيك في دستورية الآليات، وصولا إلى حملات التشويه الممنهجة عبر منصات التواصل.

Image

عقدة “ميناب 168”: الدبلوماسية في مرمى نيران التشدد

تُجمع التحليلات السياسية والتقارير الصحفية الواردة من الداخل الإيراني على أن السبب الرئيس والجوهري وراء الهجوم الشرس الذي يشنه التيار المتشدد، وتحديدا جبهة “بایداری” والتيارات القريبة منها، يعود بالأساس إلى الدور الدبلوماسي المتعاظم للرئيس الحالي للبرلمان.

ويتصدر هذا المشهد تولي محمد باقر قاليباف رئاسة ما يُعرف بـ “هيئة ميناب 168 للمفاوضات”، وهي اللجنة العليا المسؤولة عن إدارة ملف المفاوضات الاستراتيجية والدبلوماسية لإيران في الآونة الأخيرة. 

وحسب مصادر مقربة من الحكومة والبرلمان، فإن أداء هذه الهيئة على مدار الأسابيع الماضية عكس توجها صارما يوازن بين صون منافع إيران القومية والالتزام بالشروط الدقيقة التي وضعها المرشد الأعلى للثورة الإسلامية، مما جعل قاليباف لاعبا محوريا في رسم السياسة الخارجية للدولة.

هذا الصعود الدبلوماسي أثار حفيظة التيار المتشدد الذي يتبنى موقفا راديكاليا يرفض من حيث المبدأ مسارات التفاوض والتعاطي الدبلوماسي الحالي، ويرى في أي مرونة أو تحرك سياسي نوعا من التراجع عن الثوابت التأسيسية للثورة. ولم يكتفِ هذا التيار بمعارضة النهج الدبلوماسي، بل عمل على ترويج إشاعات تزعم انسحاب قاليباف أو إقالته من رئاسة الفريق المفاوض.

وهي الأنباء التي سارع مركز العلاقات والإعلام في البرلمان الإيراني إلى نفيها بقوة، مؤكدا أن قاليباف لا يزال يمسك بملف المفاوضات باقتدار، بل وعُيّن أيضا ممثلا خاصا للنظام للشؤون الصينية بناء على مقترح من رئيس الجمهورية وتأييد مباشر من المرشد الأعلى، مما يؤكد ثقة القيادة العليا في نهجه الإداري والدبلوماسي.

Image

تعدد المسؤوليات: الذريعة التشريعية لخلع الرئيس

في المقابل، يحاول المعارضون لولاية قاليباف الجديدة صياغة مواقفهم في إطار مبررات تشريعية وإدارية لتفادي إظهار الخلاف كصراع محض على النفوذ أو معارضة لتوجهات النظام العليا. وتجلى هذا التوجه في تصريحات بعض النواب المحسوبين على التيار المتشدد، مثل أحمد آريائي نجاد، الذي وإن أقر بالقدرات الإدارية والتنفيذية العالية لقاليباف، إلا أنه اعتبر أن تراكم المسؤوليات بيده يمثل عائقاً أمام فاعلية المؤسسة التشريعية. 

وحسب هذا المنطق، فإن تولي قاليباف رئاسة السلطة التشريعية، إلى جانب مهامه الجسيمة في مجالات الدبلوماسية الحساسة وإدارة ملفات الدفاع، يستوجب إجراء تغييرات في هيكلية الهيئة الرئاسية لضمان تفرغ القيادة لإدارة شؤون البرلمان الداخلية.

إلا أن هذا المبرر الإداري يواجه دحضا واسعا من طيف ممتد من النواب الأصوليين، والمستقلين، وحتى الإصلاحيين داخل البرلمان. إذ يرى المؤيدون لبقاء قاليباف أن الجمع بين هذه الملفات في هذا التوقيت الحرج يمثل نقطة قوة لإيران وليس ضعفا.

ويعتقد هؤلاء النواب أن التجديد لقاليباف يعد ترجمة عملية لمفهوم “الوحدة والانسجام الوطني” في مواجهة التهديدات الخارجية؛ حيث يحتاج النظام السياسي في ظروف الحرب الراهنة إلى التناغم الكامل بين القوة العسكرية على الأرض والجهد الدبلوماسي والسياسي في المحافل الدولية، وهو ما نجح قاليباف في صياغته من خلال إيجاد إجماع عام داخل البرلمان دعماً للقرارات الاستراتيجية الكبرى للدولة.

حرب الآليات والرسائل النصية الموجهة

ولم تقتصر أدوات المعركة السياسية على التراشق الإعلامي، بل امتدت لتشمل محاولات للتشكيك في شرعية الإجراءات التنظيمية للانتخابات البرلمانية نفسها. فبسبب التدابير الأمنية المعتمدة التي حالت دون انعقاد الجلسات، طرحت الهيئة الرئاسية خيارات تنظيمية بديلة كالتصويت الإلكتروني أو توزيع صناديق الاقتراع الفيزيائية على مقار فرعية محددة لضمان مشاركة النواب وبث رسالة استمرار الدولة. 

وهنا، سارع نواب من التيار المتشدد، مثل محمد تقي نقد علي، إلى الاعتراض والمطالبة بضرورة الحضور الفعلي الكامل داخل قاعة الصحن الرئيسي، معتبرين أن أي آلية أخرى تخالف اللائحة الداخلية للبرلمان، في محاولة فسرها مراقبون بأنها تهدف إلى تأجيل الاستحقاق أو إرباكه لتقليص حظوظ الرئيس الحالي.

وفي ذات السياق، كشف نواب في البرلمان، ومنهم روح الله لك علي آبادي، عن تصاعد حرب نفسية وتنظيمية منظمة تدار من خارج أسوار البرلمان وتستهدف التأثير المباشر على خيارات النواب. وتمثلت هذه الحرب في إغراق هواتف النواب برسائل نصية قصيرة (SMS) مكثفة وموجهة، تحمل مضامين تخريبية وتشويهية لشخص قاليباف وسجله الإداري والعسكري. 

وأشار علي آبادي إلى أن هذه الحسابات والجهات المرسلة لا ترتبط بالدوائر الانتخابية للنواب ولا تمثل القواعد الشعبية، بل هي نتاج “غرف عمليات سياسية” ممولة تتبع تيارات راديكالية تسعى لفرض وصايتها على القرار البرلماني، وممارسة اغتيال معنوي لشخصيات وضعت كل إمكاناتها وحياتها في خدمة النظام خلال الحروب والمواجهات الأخيرة، تماما كما فعلت ذات التيارات سابقاً مع شخصيات أخرى غدت اليوم في عداد الشهداء.

Image

خريطة التحالفات والترشيحات: موازين القوى في اجتياز المنعطف

على الجانب الآخر من المشهد، تظهر خارطة الترشيحات للهيئة الرئاسية الجديدة عمق الاستقطاب ومحاولات الاستحواذ، لكنها في الوقت نفسه تكشف عن حراك لافت لشرائح أخرى مثل كتلة النساء في البرلمان. فقد أعلنت نائبات بارزات ترشحهن لمناصب أمناء السر والمراقبين (مثل زينب قيصري، وسمية رفيعي، وزهراء سعيدي)، بناء على بيان رسمي طالب بضرورة إشراك النساء في مواقع صنع القرار الاستراتيجي، عطفا على دورهن البارز في تعزيز التماسك الاجتماعي إبان “حرب رمضان” الأخيرة. 

Image

ورغم الانتقادات التي وجهتها بعض النائبات لوجود غياب في التنسيق الداخلي للهيئة الرئاسية السابقة، إلا أن قيادات نسوية بارزة مثل سارة فلاحي أكدت بوضوح دعمها لقاليباف، واصفة إياه بـ “الجندي المخلص” الذي أثبت جدارته في تطبيق توجيهات القيادة العليا والذود عن أركان الجمهورية الإسلامية.

وتكشف القائمة النهائية للمتنافسين على مقاعد الهيئة الرئاسية (سواء في منصبي نائبي الرئيس التي يتنافس عليها قيادات كبار مثل حميد رضا حاجي بابايي وعلي نيكزاد، أو مقاعد الدبلوماسيين والمراقبين) أن المعركة الانتخابية تتعدى اختيار أسماء لإدارة هيكل تشريعي. 

إنها استفتاء حقيقي على موازين القوى داخل المعسكر الأصولي الإيراني بأكمله؛ حيث يقف البرلمان أمام خيارين لا ثالث لهما: إما تغليب كفة التيار العقلاني المحافظ الذي يؤمن بالتعاون المؤسسي، والانسجام بين القوى، وتفعيل الأدوات الدبلوماسية لحماية مكتسبات الميدان، أو الاستسلام لضغط التيار الراديكالي الذي يصر على منهجية الإقصاء، وإثارة الأزمات البينية، ومهاجمة الهياكل السيادية للدولة حتى في أحلك الظروف العسكرية والأمنية، وهو المنهج الذي وصفت القيادات الدينية والسياسية الداعمة للاستقرار الاستمرار فيه خلال ظروف الحرب بأنه يرقى إلى مرتبة “الخيانة الوطنية”.

Image

في الختام، يتضح أن المعركة المحتدمة حول كرسى رئاسة البرلمان الإيراني لا تنحصر في إطار منافسة تقليدية على مناصب تشريعية، بل تمثل مفترق طرق حاسما يحدد توجهات النظام الإيراني في مواجهة أعقد أزماته الإقليمية والدولية. إن الاصطدام الراهن بين عقلانية المحافظين البراغماتيين بقيادة قاليباف، وبين الراديكالية الإقصائية للتيار المتشدد، يعكس صراعا عميقا على شرعية إدارة ملفات الحرب والدبلوماسية؛ فإما أن يمضي البرلمان نحو تكريس نموذج “الانسجام والوحدة الوطنية” الذي يوازن بين الميدان والسياسة الخارجية، أو يسقط في آتون التناحر الداخلي وتفكيك الهياكل السيادية، وهو ما يجعل من النتيجة المرتقبة للاقتراع مؤشرا دقيقا لشكل موازين القوى وصنع القرار الاستراتيجي في البلاد خلال المرحلة المقبلة.

كلمات مفتاحية: