من مهاجمة الاتفاق إلى التحذير من مهاجمة المسؤولين… هل تراجع شريعتمداري عن خطاب المتشددين؟

أثارت المواقف الأخيرة لرئيس تحرير صحيفة كيهان حسين شريعتمداري جدلا واسعا في الأوساط السياسية والإعلامية الإيرانية، بعدما بدا أن الرجل الذي ارتبط اسمه لعقود بأشد المواقف تشددا تجاه المفاوضات مع الولايات المتحدة، انتقل إلى موقع مختلف عنوانه التحذير من الانقسام الداخلي ورفض الهجوم على المسؤولين القائمين على إدارة الملف التفاوضي. وجاء هذا التحول في خضم سجال سياسي محتدم أعقب الإعلان عن تفاهم مؤقت بين إيران والولايات المتحدة، وما تبعه من تجمعات ليلية في طهران وعدد من المدن الإيرانية رفعت شعارات حادة ضد الحكومة والفريق المفاوض وبعض المؤسسات الرسمية.

ورغم أن شريعتمداري لم يعلن صراحة تغيير موقفه من المفاوضات أو الاتفاق، فإن اللغة التي استخدمها في مقاله الأخير، إلى جانب المواقف المتزامنة الصادرة عن صحف وشخصيات محسوبة على التيار المحافظ، دفعت مراقبين إلى الحديث عن إعادة تموضع داخل هذا التيار، هدفها منع انتقال الخلاف حول الاتفاق من مستوى الجدل السياسي إلى مستوى الصدام مع مؤسسات الدولة والمسؤولين المكلفين بتنفيذ قراراتها.

مقال شريعتمداري.. من التحريض على المواجهة إلى الدعوة لوقف الإهانات

جاء مقال حسين شريعتمداري، في افتتاحية عدد كيهان ليوم الإثنين 15 يونيو/ حزيران 2026، تحت عنوان أثار اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية، بعدما تناول بشكل مباشر ظاهرة الهتافات والإهانات التي طالت بعض المسؤولين خلال التجمعات الليلية الأخيرة. واستند شريعتمداري في مقاله إلى نصوص مطولة من كلمات المرشد  الإيراني السابق، على خامنئي، التي تحذر من تخوين الأشخاص أو تصنيفهم باعتبارهم ضد الولاية أو ضد البصيرة، ثم تعبئة الشارع ضدهم وإثارة الفوضى في مواجهتهم.

Image

وفي خطوة بدت لافتة بالنسبة إلى كثير من المتابعين، شدد شريعتمداري على أن إهانة المسؤولين في الظروف الحالية أمر غير مبرر، وأن النقد السياسي شيء، بينما التخوين والإساءة الشخصية شيء آخر مختلف تماما. وأكد أن الأخطاء السياسية والإدارية يجب أن تكون محل نقاش ونقد، لكن ذلك لا يعني فتح الباب أمام حملات تستهدف الأشخاص أو المؤسسات أو تؤدي إلى إضعاف الجبهة الداخلية.

وما منح المقال أهمية إضافية أن صاحبه ليس مجرد صحافي أو محلل سياسي، بل يعد أحد أبرز رموز التيار الأصولي المتشدد في إيران، كما أن صحيفة كيهان التي يرأس تحريرها لعبت لعقود دورا محوريا في توجيه الانتقادات الحادة للتيارات الإصلاحية والداعين إلى الانفتاح على الغرب. ولذلك فإن صدور موقف يدعو إلى ضبط الخطاب السياسي ووقف الإهانات حمل دلالات تتجاوز مضمون المقال نفسه.

Image

وربط شريعتمداري بين الإساءات التي صدرت خلال بعض التجمعات وبين محاولات وسائل الإعلام المعارضة استغلالها لإظهار إيران كبلد يعيش حالة انقسام داخلي. واعتبر أن الهجوم على المسؤولين يمنح خصوم الجمهورية الإسلامية فرصة للتشكيك في تماسك النظام ووحدة المجتمع، خصوصا في مرحلة تواجه فيها البلاد تحديات أمنية وسياسية واقتصادية معقدة.

كما أعاد التذكير برسالة المرشد الإيراني الحالي، مجتبى خامنئى، التي دعت إلى الحفاظ على وحدة الصف وعدم تحويل الخلافات السياسية، سواء كانت مبررة أو غير مبررة، إلى حالة نزاع وتفرقة داخل المجتمع. ولم يكن اختيار هذا الاقتباس عابرا، بل بدا وكأنه رسالة مباشرة إلى المجموعات التي تحاول تحويل رفض الاتفاق أو التحفظ عليه إلى حملة سياسية تستهدف المسؤولين والمؤسسات المعنية بإدارته.

ومن هنا جاء السؤال الذي طرحته بعض وسائل الإعلام الإيرانية، هل يمثل هذا الموقف تراجعا فعليا من شريعتمداري عن الخطاب الذي كان يوفر غطاء سياسيا للتيارات الأكثر تشددا؟ أم أنه مجرد محاولة لضبط حدود الاعتراض ومنع تحوله إلى أزمة داخلية؟ ورغم صعوبة الجزم بالإجابة، فإن المؤكد أن المقال رسم خطا فاصلا بين معارضة الاتفاق من جهة، وبين مهاجمة المسؤولين والمؤسسات من جهة أخرى.

Image

التظاهرات الليلية تحت نيران الأصوليين.. انقسام داخل المعسكر نفسه

لم يكن مقال شريعتمداري حدثا معزولا، بل جاء ضمن موجة أوسع من الانتقادات التي وجهتها شخصيات وصحف أصولية إلى التجمعات الليلية التي شهدتها طهران وبعض المدن الإيرانية عقب الإعلان عن التفاهم مع الولايات المتحدة.

ففي بدايات تلك التجمعات، قدمها منظموها باعتبارها تعبيرا عن رفض أي تنازل للولايات المتحدة وتمسكا بخيار المقاومة، وشارك فيها عدد من النواب والشخصيات السياسية التي رأت أن المفاوضات لن تحقق مكاسب لإيران، وأن واشنطن تسعى فقط إلى إضعاف القدرات الإيرانية تدريجيا. وكان من بين أبرز الأصوات المؤيدة لهذه التحركات كان النائب أبو القاسم جراره، الذي اعتبر أن هدف التجمعات هو تجديد البيعة للقيادة والتأكيد على استمرار المواجهة مع الولايات المتحدة. ورأى أن التفاوض مع واشنطن لا يحمل فائدة حقيقية، لأن الأخيرة لا تسعى إلا إلى تحقيق مصالحها الخاصة.

Image

غير أن الصورة بدأت تتغير مع تصاعد حدة الشعارات المرفوعة خلال بعض التجمعات، فبدلا من التركيز على رفض السياسات الأمريكية أو انتقاد الاتفاق، اتجهت بعض الهتافات نحو مهاجمة مسؤولين بعينهم، من بينهم وزير الخارجية، عباس عراقجي، ورئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، بل إن بعض المتحدثين ذهبوا إلى التشكيك في مؤسسات رسمية مثل المجلس الأعلى للأمن القومي.

وهنا بدأت الصحف الأصولية نفسها تدق ناقوس الخطر، فقد نشرت صحيفة جوان سلسلة مقالات حذرت فيها من أن بعض التجمعات تحولت إلى منصة لبث الانقسام والتشكيك في مؤسسات الدولة. واعتبرت أن ما يجري يتعارض مع دعوات القيادة إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية، ويهدد بتحويل الخلافات السياسية إلى صراع داخلي.

Image

وذهبت الصحيفة إلى أبعد من ذلك عندما وصفت الدعوات إلى النزول للشارع ضد قرارات الدولة بأنها نوع من الفوضى والتحريض، معتبرة أن بعض المشاركين يتصرفون وكأنهم يملكون وحدهم حق تفسير مواقف القيادة أو تحديد الخطوط الحمراء للمفاوضات.

كما انتقدت بشدة أولئك الذين يزعمون أن الاتفاق الجاري يتعارض مع توجيهات القيادة، متسائلة كيف يمكن لهم معرفة تفاصيل اتفاق لم يعلن رسميا بعد، وما إذا كانت لديهم معلومات لا تمتلكها المؤسسات الرسمية نفسها.

وفي الاتجاه ذاته، قال المحلل السياسي الأصولي ناصر إيماني إن هناك مجموعات محدودة العدد تحاول تضخيم حضورها السياسي عبر إثارة الضجيج الإعلامي، محذرا من أن مهاجمة الفريق المفاوض أو التشكيك في السياسة الخارجية للدولة قد يتحول في نهاية المطاف إلى تشكيك في القرارات السيادية نفسها.

Image

وتكشف هذه المواقف عن وجود انقسام واضح داخل التيار الأصولي، ليس حول الاتفاق فقط، بل حول طبيعة التعامل معه. فبينما ترى بعض الأطراف أن من حقها التصعيد الميداني ضد أي تفاهم مع الولايات المتحدة، بدأت أطراف أخرى تعتبر أن هذا السلوك يهدد وحدة النظام ويمنح خصوم إيران مادة سياسية وإعلامية يمكن استثمارها ضدها.

بزشكيان والمؤسسات الرسمية.. الدفاع عن المفاوضين وإعادة رسم حدود الجدل

في خضم هذا الجدل المتصاعد، جاء موقف الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، ليمنح الملف بعدا مؤسساتيا أكثر وضوحا. ففي أكثر من مناسبة، شدد الرئيس الإيراني على أن مسار التفاوض لا يمثل قرار حكومة أو تيار سياسي بعينه، بل يأتي في إطار القرارات المتخذة من قبل المجلس الأعلى للأمن القومي وبموافقة القيادة.

وخلال لقائه مع مديري وسائل الإعلام، أكد بزشكيان أن الحفاظ على الوحدة الوطنية يمثل الأولوية الأولى للدولة، وأن جميع القوى السياسية مطالبة بالالتزام بالقرارات الرسمية وعدم السعي إلى فرض رؤيتها الخاصة على مؤسسات صنع القرار.

Image

كما وجه انتقادا مباشرا إلى أولئك الذين يهاجمون الفريق المفاوض، قائلا إن من المؤسف أن يواجه أشخاص يعملون في إطار مهام رسمية وبتكليف من الدولة اتهامات من قبيل الخيانة أو بيع الوطن. وأوضح أن النقد حق مشروع، لكن تحويله إلى حملة تشهير وتخوين يتجاوز حدود العمل السياسي الطبيعي.

وتحمل هذه التصريحات أهمية خاصة لأنها تأتي في وقت يحاول فيه بعض المعارضين للاتفاق تصوير المفاوضين وكأنهم يتحركون بمعزل عن مؤسسات الدولة، ولذلك حرص بزشكيان على التأكيد مرارا أن أي تفاهم لا يمكن أن يمضي من دون المرور عبر القنوات الرسمية والحصول على موافقة الجهات العليا المختصة.

كما شدد الرئيس الإيراني على أن المجلس الأعلى للأمن القومي خلص إلى ضرورة متابعة مسار الحوار، وأن أي قرار نهائي سيبقى خاضعا لموافقة القيادة. وبذلك وضع إطارا واضحا للنقاش السياسي، يقوم على التمييز بين الاعتراض المشروع على السياسات وبين التشكيك في شرعية المؤسسات وآليات اتخاذ القرار.

Image

وفي السياق نفسه، برزت مواقف أخرى اعتبرت أن الهجوم على الفريق المفاوض لا يوجه في الحقيقة إلى الأشخاص أنفسهم، بل إلى المؤسسات التي تقف خلفهم. فقد رأى رسول منتجب نيا أن بعض التيارات تستخدم شعارات الدفاع عن الثورة والقيادة لتوجيه ضربات غير مباشرة إلى الدولة ومؤسساتها، محذرا من أن هذا السلوك يهدد الوحدة الوطنية في مرحلة تحتاج فيها البلاد إلى أكبر قدر من التماسك.

وفي المحصلة، يبدو أن الجدل الذي بدأ حول الاتفاق مع الولايات المتحدة تحول تدريجيا إلى نقاش أوسع يتعلق بحدود المعارضة السياسية وآليات التعبير عنها. وبينما لا تزال الخلافات قائمة حول جدوى التفاوض ومستقبل الاتفاق، فإن اتساع دائرة الرافضين للهجوم على المسؤولين داخل المعسكر الأصولي نفسه يشير إلى أن الأولوية لدى جزء متزايد من النخبة السياسية باتت تتمثل في حماية الجبهة الداخلية ومنع انتقال الخلاف السياسي إلى مواجهة مع مؤسسات الدولة.