- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 310 Views
كتب: الترجمان
تعكس عناوين الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الأحد 28 يونيو/ حزيران 2026 مشهدا إعلاميا استثنائيا يتداخل فيه الزخم الرياضي والتاريخي مع التصعيد العسكري والسياسي الحاد. ويفرض ملفان رئيسيان ظلالهما الكثيفة على كافة الصفحات الأولى: الأول هو “ملحمة المستطيل الأخضر” المتمثلة في التعادل التاريخي بنتيجة (1-1) بين المنتخب الإيراني ونظيره المصري في بطولة كأس العالم 2026، وهو حدث تم إسقاطه سياسيا ليعكس معاني الهوية والتواجد الدولي. والثاني هو “معادلة الردع المحتدمة في مضيق هرمز” والجنوب اللبناني، حيث تتبادل طهران وواشنطن التحذيرات الصارمة حول أمن الممرات المائية وسط حديث متصاعد عن تآكل بنود “التفاهم الرمادي”. وفي غضون ذلك، تظل الصرخة الاقتصادية المدوية جراء التضخم الجامح الذي يطحن موائد الإيرانيين بمثابة التذكير الدائم بأزمات الجبهة الداخلية.
معادلة الردع والميدان: سيادة هرمز وجمر جبهات المقاومة
تصدّرت نبرة التحدي العسكري والتحذيرات الاستراتيجية الصارمة لحماية السيادة البحرية والبرية واجهات الصحف المحافظة والتعبوية، مدفوعة بتطورات أمنية وميدانية متسارعة في مضيق هرمز والإقليم. حيث وضعت صحيفة “كيهان” الأصولية مانشيت عريضا شديد اللهجة يحمل وعيدا مباشرا: “تنگه هرمز راه تنفس آمریکاست؛ گلوی دشمن را رها نکنید” (مضيق هرمز هو شريان الحياة لأمريكا؛ لا تتركوا حنجرة العدو)، داعية إلى إطلاق النار على السفن المخالفة، كما ركزت في خطوطها الجانبية على الشأن اللبناني متهمة الحكومة ببيع المقاومة.

وفي السياق ذاته، صوّبت صحيفة “جوان” المقربة من الحرس الثوري بوصلتها نحو المسار التفاوضي معتبرة أن تخريب عمل المفاوضين يتنافى مع مبدأ الولاية، بينما تزين غلافها بصورة ممتدة للملعب والجمهور تحت عنوان قومي يعلن أن العالم وقع في حب إيران احتفاء بالصمود الرياضي والسياسي.

ومن جانبها، ركزت صحيفة “قدس” المحافظة بشكل مباشر على إحباط المساعي الأمريكية للالتفاف على السيادة الإيرانية في الخليج وجاء مانشيتها الرئيسي: “عبور از تنگه هرمز با آدرس ایرانی” (العبور من مضيق هرمز بالعنوان الإيراني)، مؤكدة أن القوات المسلحة أثبتت عمليا عدم قابليتها للتجاوز.

وهو ما تماهت معه صحيفة “اطلاعات” العريقة بتبني نبرة سيادية قاطعة عبر مانشيت يتوسط الصفحة الأولى يحذر من انتهاك وقف إطلاق النار. ولم يغب المشهد الإقليمي عن هذه الجبهة.

وأفردت صحيفة “رسالت” المحافظة غلافها بالكامل لصورة الشيخ نعيم قاسم، نائب الأمين العام لحزب الله، واختارت مانشيت بالخط الأحمر العريض يؤكد أن حزب الله هو درع لبنان في مواجهة الابتلاع الصهيوني وثبات واستقلالية قرار المقاومة.

كواليس الدبلوماسية والتفاهمات المأزومة: شروخ في جدار الاتفاق
على الجانب الآخر، انشغلت الصحف الإصلاحية والمعتدلة برصد الشروخ العميقة التي أصابت بنود التفاهمات غير المباشرة بين طهران وواشنطن، مبرزة كواليس اللقاءات السياسية العليا والوساطات الإقليمية المتعثرة. وقدمت صحيفة “همشهري” الواسعة الانتشار غلافا تعبيريا لافتا يجسد شقا عميقا في لوح خشبي كُتب عليه: “میز مذاکره ترک خورد” (طاولة المفاوضات تصدعت)، موجهة أصابع الاتهام إلى واشنطن بالتنصل من تفاهماتها منذ الأيام الأولى عبر استمرار الهجوم على المواقع الإيرانية ومواصلة سياسة الضغط والتهديد.

وفي خط مواز، واكبت صحيفة “آرمان ملي” الإصلاحية التحركات السياسية الداخلية عبر إبراز صورة لقاء رفيع المستوى تحت مانشيت يعلن اجتماع رؤساء السلطات لبحث المستجدات، مشيرة في خطها الجانبي إلى تصاعد التوتر في مضيق هرمز جراء الاحتكاكات البحرية الأخيرة.

أما صحيفة “اعتماد” الإصلاحية فقد ركزت على المسار الدبلوماسي العقلاني الذي يواجه ضغوطاً ميدانية كبيرة، حيث كتبت في ملفها التحليلي الجانبي عن الدبلوماسية في ظل واقع الميدان وضرورة الموازنة بين أوراق القوة العسكرية والتحركات الدبلوماسية.

وفي سياق مختلف يمزج بين السياسة والإنسانية، اختارت صحيفة “شرق” الإصلاحية معالجة موجعة متزامنة مع الذكرى السنوية للقصف الكيميائي على مدينة سردشت، واضعة صورة لأطفال من ضحايا الهجوم القديم تحت عنوان الأنفاس المسمومة، بينما حللت في شقها السياسي نيران ما بعد التفاهم لتشريح أزمة العلاقات مع واشنطن.

وهو ما تلاقى مع طرح صحيفة “مردم سالاري” الحزبية التي انتقدت التشنج الداخلي متسائلة عن أداء البرلمان وعطش المنابر، واصفة السلام في مضيق هرمز بالعقدة المتشابكة.

الجبهة الاقتصادية والداخلية: “حصار التضخم” وسحق الموائد
تحدثت الصحف الاقتصادية والمستقلة بصوت الأرقام الصادمة والبيانات الرسمية المقلقة، محذرة من الانعكاسات الخطيرة للغلاء المعيشي وتآكل القدرة الشرائية للمواطنين على الاستقرار الداخلي. وجاءت صحيفة “جهان اقتصاد” لتصدم الشارع الإيراني بمانشيت عريض يعتمد على آخر تقارير مركز الإحصاء الإيراني، معلنة عن تضخم بلغت نسبته 62% ومحذرة من ضغط شامل وغير مسبوق يطحن المعيشة اليومية لشرائح المجتمع كافة.

وسارت صحيفة “عصر اقتصاد” في ذات الاتجاه التحذيري الصارم، واضعة مانشيت يصف واقع الأسر الإيرانية بأن الموائد أصبحت في حصار التضخم، كما نشرت على غلافها مقابلة خاصة مع رئيس شرطة الأمن الاقتصادي حذر فيها بوضوح من أن تهريب الثروة الحيوانية بات يهدد الأمن الغذائي للبلاد بشكل مباشر.

ومن جانبها، حاولت صحيفة “دنیای اقتصاد” القيادية تقديم مقاربة حلول تكنوقراطية، متصدرة بمانشيت رئيسي يستعرض خمسة حلول علمية لكبح التضخم بناءً على قراءة الخبراء لبيانات التضخم النقطي الذي قفز ليلامس حاجز 88.6%، تزامنا مع تقييمها للاتفاقيات الإقليمية وأثرها على النفوذ الإيراني.

وفي السياق ذاته، ركزت صحيفة “جمهوری اسلامی” المعتدلة على الموقف الشعبي والحزبي الرافض للسياسات الإقليمية المفروضة، وعنونت بالخط العريض حول معارضة الشعب والأحزاب لاتفاق الحكومة اللبنانية مع الكيان الصهيوني.

الجبهة الرياضية: تعادل بطعم النصر وتسييس “الساحرة المستديرة”
تحولت ملاعب كأس العالم 2026 في أمريكا إلى ساحة مفتوحة لإبراز الهوية الوطنية وإيصال الرسائل السياسية، ونالت مباراة المنتخب الإيراني مع نظيره المصري نصيب الأسد من التغطية الحماسية. حيث احتفت صحيفة “إيران” الحكومية بشكل موسع بالأداء البطولي لمنتخب الفهود الإيرانية، واضعة صورة ممتدة للفريق تحت مانشيت يعلن صناعة الفهود للتاريخ في أمريكا بعد تعادلهم المثير في دور المجموعات.

وفي ذات السياق، وضعت صحيفة “سازندكی”، لسان حال حزب كوادر البناء، صورة ضخمة لنجم المنتخب “رامین رضائیان” وهو يحتفل بحماس، واختارت مانشيت يحمل دلالات اجتماعية وسياسية بعنوان “مرة أخرى.. أما ولو”، مقدمة قراءة سيكولوجية لطموح الشباب الإيراني عبر نافذة الرياضة.

ولم تبتعد صحيفة “خراسان” الأصولية عن هذا المناخ؛ إذ أفردت غلافها للاحتفاء بذات اللاعب معلنة أن الجميع الآن يحبون رامين، معتبرة أن هذا الأداء القوي أحبط محاولات كسر معنويات الشعب الإيراني، في حين ربطت المشهد رياضيا وسياسيا بعناوين جانبية تتحدث عن الأنفاس الأخيرة للأمريكيين في المضيق.

ومن الزاوية الرياضية المتخصصة، وصفت صحيفة “خبر ورزشی” النتيجة بالخط العريض على غلافها بأنها أحلى وأقوى تعادل في التاريخ بعد انتهاء اللقاء بنتيجة (1-1) ضد المنتخب المصري، مبرزة تصريحات النجوم والمدربين حول هذا الإنجاز التاريخي الذي تجاوز حدود المستطيل الأخضر.

خلاصة المشهد الصحفي
يكشف المسح الشامل لكافة الصحف الإيرانية الصادرة اليوم عن “توزيع أدوار مدروس بدقة” لمواجهة الأزمات المركبة التي تحيط بإيران؛ فبينما تتولى جبهة التعبئة والردع (الصحف الأصولية والمحافظة) رفع السقف العسكري إلى حده الأقصى واللعب بورقة مضيق هرمز كأداة ضغط استراتيجية حاسمة لخنق المصالح الأمريكية والرد على الخروقات، تبدو جبهة النقد والتحذير الدبلوماسي (الصحف الإصلاحية والمعتدلة) أكثر واقعية في رصد الشروخ التي ضربت طاولة التفاهمات، وتدق ناقوس الخطر من أن استمرار التصعيد الميداني غير المحسوب قد يطيح بهوامش المناورة السياسية تماما.
وما بين صخب الصواريخ وأصداء الملاعب، تعود جبهة الإنذار الداخلي (الصحف الاقتصادية) لتذكر الجميع بأن التهديد الأكبر للاستقرار البنيوي يكمن في بلوغ التضخم حاجز 62% وتآكل الموائد، وهو حصار معيشي يبعث برسالة واضحة لصناع القرار بأن التحصين الخارجي والصمود الرياضي الحماسي لا يمكنهما سد الفجوة الاقتصادية الآخذة في الاتساع داخل البيت الإيراني.

