- زاد إيران - المحرر
- 954 Views
تشهد المنطقة البحرية الممتدة من الخليج العربي إلى بحر عمان تطورات متسارعة تعكس حجم التحولات العميقة في موازين القوى الإقليمية، ففي الوقت الذي تتعاظم فيه التحديات الأمنية، وتزداد فيه حساسية الممرات المائية الحيوية، تتجه الدول إلى تعزيز قدراتها الدفاعية بهدف تأمين مصالحها الاستراتيجية، وفي هذا السياق، تتخذ بعض القوى الإقليمية خطوات مدروسة تهدف إلى إظهار الجاهزية، ورفع مستوى الردع، وإرسال رسائل متعددة الاتجاهات إلى الأصدقاء والخصوم على حد سواء، فيما تأتي إحدى أبرز هذه الخطوات في صورة مناورات بحرية واسعة، حملت في تفاصيلها قدرا كبيرا من الدلالات العسكرية والسياسية، وعكست حضورا نوعيا في معادلات الأمن البحري، وإنذار بإن جولة أخرى من الحرب لن تكون كسابقتها.
مناورة اقتدار البحرية… تحذير ورسائل من مسافة صفر
أعلن الحرس الثوري الإيراني عن تنفيذه مناورات عسكرية، الخميس 4 ديسمبر/ كانون الأول 2025، والتي حملت اسم اقتدار، ذلك تزامنا مع ختام المناورة المشتركة لمكافحة الإرهاب سهند 2025 في شمال غرب البلاد، هذا فيما اختير اسم محمد ناظري، قائد سابق في القوات البحرية التابعة للحرس، ليطلق على هذه المناورة التي امتدت عبر مساحات واسعة شملت الخليج العربي وجزر نازعات، وهي جزر طنب الكبرى والصغرى وأبو موسى والجزر المحيطة بها، ومضيق هرمز وبحر عمان.

هذا وقد بدأت المناورات، على غير العادة، بمرحلة فرض السيطرة الاستخباراتية الكاملة على المنطقة البحرية، قبل إطلاق أي نيران أو تنفيذ أي سيناريو قتالي، وهو ما فسره قادة الحرس على أنه نهج جديد تتبعه البحرية الإيرانية قائم على الإحاطة الشاملة قبل أي تحرك ميداني، أحد المشاهد اللافتة أيضا خلال المناورات كان رصد وجود قطع بحرية أمريكية بالقرب من منطقة العمليات خلال الساعات الأولى، وهو ما دفع البحرية الإيرانية إلى إصدار تحذير مباشر أدى إلى ابتعاد القطع الأمريكية.
خلال المناورات، ظهرت مجموعة من الأسلحة المتطورة التي تعد جزءا من القوة البحرية الجديدة للحرس الثوري، وكان أبرزها الزورق الصاروخي المتطور نواب المزود بمنظومة دفاع جوي قادرة على تعقب الأهداف وإصابتها بدقة، فيما نفذ الصاروخ المخصص لهذا الزورق عملية إطلاق ناجحة أصابت هدفا افتراضيا بعد اختبار لرادار الزورق، فيما وصلت سرعة الزورق نفسه إلى نحو 90 عقدة، وهو رقم يعكس تطور الصناعات البحرية الإيرانية في فئة الزوارق عالية السرعة.

ولم تقتصر المناورات على قدرات السطح فقط، بل شملت كذلك استعراض منظومات الحرب الإلكترونية والدفاع الجوي المحمولة على الزوارق، حيث استخدمت منظومتا مجيد وميثاق في ظروف تحاكي بيئة التشويش المركب.
تصريحات القادة… مستعدون للجولة الثانية
وعلى خلفية تلك المناورات، صرح قائد البحرية في الحرس الثوري، علی رضا تنكسیري، قائلا” لن تجامل إيران العدو، وإذا أراد الأعداء التعدي على قدرات هذا الشعب أو ما تركه لنا الشهداء أو على مصالح بلادنا، فسيتلقون صفعة قاسية بلا شك، فخلال هذه المناورة استخدمنا صاروخا يفوق مداه طول الخليج العربي البالغ 1375 كيلومترا، وهو صاروخ أنتجناه في القوة البحرية للحرس الثوري، ويتميز بالقدرة على تلقي الأوامر بعد الإطلاق، كما استخدمنا صاروخا بالستيا جديدا شديد الدقة، ولن أذكر اسمه، لكن الأعداء رأوا دقته”

وفي تصريح آخر ضمن تغطية تفاصيل المناورة، صرح” لقد اقتربنا مرارا من السفن الحربية الأمريكية دون أن تتمكن من اكتشافنا، وقد وضعنا علامات على بعض سفنهم دون أن يلاحظوا ذلك، لدينا رصد وإشراف كامل على كل مياه الخليج الفارسي، وتجهيزاتنا قادرة على مراقبة السفن الأمريكية بشكل كامل”.
وفي رده على سؤال حول دخول السفن الأجنبية للمياه الإيرانية، قال تنكسیري” هم لا يدخلون مياهنا ولا حتى المياه التي تخضع لرقابتنا، وإذا فعلوا، فسيتكرر ما حدث عند احتجاز 10 جنود أمريكيين و4 آخرين، وكذلك احتجاز البحارة البريطانيين”، وتابع” نحن مستعدون لأي مواجهة قد تنتقل إلى البحر، أنا لست سياسيا، بل عسكري يرى عقلية العدو ودوافعه، ويستعد بناء على ذلك، والقائد الأعلى للقوات المسلحة يوصينا دائما بالحفاظ على الجهوزية التامة”.
وفي تصريح آخر، قال محمد باكبور، القائد العام للحرس الثوري “إن القوة البحرية للحرس مجهزة بكل ما تحتاجه لمعركة بحرية كاملة، وكل ما استخدم في المناورات كان إنتاجا محليا بالكامل”.

كما صرح يد الله جواني، نائب الشؤون السياسية في الحرس الثوري، قائلا” هذه المناورات رسالة واضحة بأن إيران مستعدة للتصدي بقوة لأي شر يصدر من الأعداء، وأن الشعب الإيراني أثبت خلال 47 عاما، وخلال 12 يوما من الحرب المفروضة علينا من قبل أمريكا وإسرائيل، يقصد هجوم 12 يونيو/ حزيران 2025، قدرته على الدفاع عن وجوده واستقلاله وقيمه، وعلى الولايات المتحدة وأوروبا أن تتخذ العبرة من الماضي وألا تقع في أخطاء”.

استعراض شامل… معدات بحرية وصواريخ بعيدة المدى في قلب المناورات
على الجانب الأخر، فقد شهدت اقتدار استعراضا واسعا لمجموعة كبيرة من الأنظمة القتالية والمعدات البحرية المتطورة، فيما اعتبر أحد أبرز العروض التقنية التي جرت في السنوات الأخيرة، فقد رصد خلال المناورات استخدام عدد من الصواريخ البالستية وصواريخ كروز، إلى جانب منظومات دفاع جوي وأسلحة تحت السطح وزوارق عالية السرعة وطائرات من دون طيار، مما قدم صورة مفصلة عن القدرات البحرية التي جرى اختبارها في ظروف عملياتية حقيقية، كما تميز الاستعراض بتنوع الأسلحة المستخدمة، سواء من حيث المدى أو طبيعة الأهداف أو منصات الإطلاق، وهو ما يعكس توجهاً واضحاً نحو توسيع قدرة العمل البحري في بيئات متغيرة ومعقدة.
خلال المناورات جرى اختبار صواريخ بالستية ذات مديات طويلة، من بينها صاروخ جديد تتجاوز قدراته مدى الخليج الفارسي، حسب تصريحات تنكسیري، ويتميز بإمكانية تلقي الأوامر بعد الإطلاق، وهي خاصية تعد من التقنيات المتقدمة في الصواريخ البحرية، كما شمل الاختبار صواريخ بالستية دقيقة الإصابة جرى استخدامها ضد أهداف بحرية افتراضية، دون الكشف عن تفاصيل إضافية حول خصائصها، باستثناء الإشارة إلى دقتها وقدرتها على إصابة نقاط محددة على مسافات واسعة داخل البحر.
وفي فئة صواريخ كروز، برز الصاروخ قدر 110 المعروف بكونه صاروخا مضادا للمدمرات، مع قدرته على المناورة وتفادي الاكتشاف الراداري، وشارك كذلك الصاروخ قدر 380 الذي يعد من أحدث إنتاجات القطاع الصاروخي البحري، بمدى يتجاوز 1350 كيلومتر، وبمحرك توربوفان محلي الصنع من نوع ثامن، إضافة إلى منظومة توجيه ذكية تعتمد على الذكاء الاصطناعي لضبط مسار الصاروخ خلال الطيران وتحديد نقاط الإصابة المناسبة ضد الأهداف البحرية الكبيرة.


أما صاروخ قدير، وهو صاروخ كروز مضاد للسفن، فقد شارك بمدى يبلغ 300 كيلومتر، مع رأس حربي يزن 150 كيلوغراما وقدرة محسّنة على التخفي، الأمر الذي يجعله مناسبا للاستخدام من المنصات الساحلية والزوارق السريعة في عمليات الضربات المركزة داخل الخليج، والذي يصفه المحللين بسلاح انتقامي إيراني محتمل ضد تدخل مستقبلي من الولايات المتحدة موجه لقواعدها في المنطقة.

كما شهدت المناورات ظهور صاروخ كروز جديد مضاد للسفن يحمل اسم سجیل، وهو صاروخ متوسط المدى يصل إلى 180 كيلومترا، ويعتمد على محرك داخلي يوفر درجة أعلى من الكفاءة والاستقرار.

ولم تقتصر الاختبارات على الأسلحة السطحية، إذ ضمت المناورات مجموعة من الأنظمة تحت السطح، وصفت بأنها ذكية بالكامل، وتتمتع بمدى عملياتي كبير، ما يتناسب مع توجهات جديدة لتعزيز قدرات القتال الخفي والتعامل مع تهديدات محتملة تحت سطح البحر، وشكل هذا الظهور أحد أبرز ملامح التوسع في نطاق التجارب البحرية خلال المناورات.
في المقابل، لعبت الطائرات المسيرة دورا محوريا، خاصة المسيرة مهاجر 6 التي تتميز بمدى يصل إلى 2400 كيلومتر وقدرة تحليق متواصل لمدة 12 ساعة، وقد تولت تنفيذ مهام استطلاع ورصد قريبة من القطع البحرية الأجنبية، وأظهرت قدرة على العمل في ظروف بحرية معقدة، ما يمنح القوات البحرية قدرة مراقبة مستمرة على مناطق واسعة.

وشاركت زوارق هجومية برمائية متطورة، بينها زورق ذو الفقار الذي يستطيع العمل فوق سطح الماء وتحته لفترة وجيزة، ويتميز بقدرات عالية على التخفي والمناورة، إلى جانب زورق سراج الهجومي السريع المجهز بقاذفات فلق 2، والذي صمم خصيصا للعمليات في المناطق الحارة.

وظهرت كذلك منظومة نواب للدفاع الجوي البحري، والتي قادرة على كشف 100 هدف في الوقت نفسه والاشتباك مع 8 أهداف بالتزامن، بما يتيح حماية متعددة الطبقات ضد التهديدات الجوية المنخفضة والصواريخ الجوالة والطائرات من دون طيار في بيئة بحرية ذات كثافة تهديدات عالية.

رسائل استراتيجية على فوهات الأسلحة
لم تكن المناورات البحرية الأخيرة للحرس مجرد تدريب عسكري، بل جاءت كرسالة سياسية واستراتيجية متعددة المستويات، فمن خلال الخبراء والمشاهد الميدانية والتصريحات العلنية للقادة، يتضح أن هذه المناورة حملت أربع رسائل رئيسية تحمل طبائع ردعية، إقليمية، داخلية، ودولية.

فالرسالة الأولى، الأكثر وضوحا، هي الردع، فإطلاق صواريخ بالستية وصواريخ كروز بمديات تتجاوز طول الخليج، وفي بيئة بحرية معقدة تشهد وجودا مستمرا للقوات الأمريكية، يعني أن إيران تريد القول إن قدراتها البحرية لم تعد مجرد دفاعية، بل أصبحت هجومية قادرة على استهداف أي نقطة في الممرات المائية الحيوية.
أما الرسالة الثانية فهي تكريس السيطرة البحرية، فقيام المسيرات الإيرانية برصد السفن الأمريكية والتقاط صور واضحة لها يعد إشارة إلى تغير موازين المراقبة في الخليج، حيث، وفقا لخبراء، لم تعد الولايات المتحدة الطرف الوحيد الذي يراقب المنطقة من الجو والبحر، بل باتت إيران تمتلك أدوات مراقبة دقيقة تفرض بها معادلة الوعي البحري المشترك، بل وربما المتفوق في بعض النقاط.
وتأتي الرسالة الثالثة في إطار الإثبات الذاتي الداخلي، فالقادة الإيرانيون شددوا مرارا على أن كل الأسلحة المستخدمة محلية الصنع، وفي ظل العقوبات الدولية، يعد هذا التصريح رسالة واضحة إلى الداخل بأن إيران قادرة على تطوير منظومة دفاعية كاملة دون الاعتماد على الخارج، وهو خطاب يتقاطع مع مبادئ السياسة الدفاعية لطهران القائمة على الاكتفاء الذاتي.
أما الرسالة الرابعة، والأكثر أهمية على الساحة الإقليمية، فهي تعزيز الثقة مع دول الجوار بأن أمن الخليج لا يحتاج إلى تدخلات خارجية، وأن الممرات البحرية يمكن أن تبقى آمنة عبر تعاون الدول المطلة عليه، كما أن هذه المناورة تأتي في الوقت الذي تشهد فيه المنطقة نقاشات معمقة حول مستقبل الأمن البحري وتوازناته، ومن خلال إظهار قدرتها على حماية مضيق هرمز وبحر عمان، تسعى إيران إلى القول إن لديها عرضا واقعيا لمنظومة أمن إقليمي غير خاضعة للنفوذ الأجنبي.
وأخيرا، تحمل المناورة رسالة خامسة إلى القوى الموجودة بالمنطقة، وعلى رأسها الولايات المتحدة، وهي التي قالها يدالله جواني بصراحة، والتي تتعلق بالحسابات الخاطئة لأمريكا والغرب، وأن واشنطن وأوروبا يجب أن تتعلم من دروس الماضي، وأن تفهم أن إيران لن تتردد في الدفاع عن مصالحها الحيوية.

