جدل واسع في إيران حول خطة تعديل أسعار البنزين وانعكاساتها الاقتصادية

Image

أجرت صحيفة “إيران” الإيرانية، الأحد 7 ديسمبر/ كانون الأول 2025، حوارا مع ثلاثة خبراء اقتصاديون ناقشت فيه معهم تفاصيل الجدل الدائر حول خطة تعديل أسعار البنزين، و آثارها المتوقعة على معيشة المواطنين والميزانية العامة للدولة.

Image

يجب توزيع عائدات تعديل الأسعار على شكل دعم نقدي

أستاذ الاقتصاد في الجامعة

صرح وحيد شقاقي شهري، أستاذ الاقتصاد، أن هناك شبه إجماع واضح بين الخبراء على أن استمرار الوضع الحالي، في ظل الارتفاع الكبير في استهلاك البنزين والضغط الشديد على الموارد المالية للدولة، لم يعد ممكنا. 

وتابع أنه في الوقت الذي يكلف فيه كل ليتر من البنزين المستورد الحكومة نحو 700 ألف ريال، فإن عرضه بأسعار 15 ألف و30 ألف ريال يعني عمليا تقديم دعم ضخم وغير قابل للتبرير. 

Image

وأضاف أن الحكومة كانت مضطرة، من أجل الحيلولة دون تفاقم العجز في الموازنة ومنع نمو الاستهلاك الذي أدى إلى زيادة متصاعدة في الحاجة إلى الاستيراد، إلى الاتجاه نحو تعديل الأسعار. 

وأوضح أنه مع ذلك، فإن الرقم المعلن في هذه السياسة، وهو تحديد سعر 50 ألف ريال باعتباره السعر الجديد للبنزين الحر وخارج البطاقات، يعد صدمة خفيفة للغاية.

وأشار إلى أن هذا يعني أنه لن يقلل استهلاك البنزين بشكل مؤثر، ولن يوفر أيضا موارد مالية كبيرة للحكومة. 

وأكد أنه كان من المتوقع أن تحدد الحكومة، في إطار هذا النظام الثلاثي للتسعير، السعر الثالث بفارق أكبر عن الأسعار الأخرى، حتى يكون من الممكن إدارة الاستهلاك وتوفير دخل كاف لتعويض تكاليف دعم الطاقة. 

ذكر شهري أن المقترحات الأساسية للإصلاح المستدام في مجال البنزين تتمثل في إسناد ملكية الطاقة إلى المواطنين، وهذا يعني أن يتم تخصيص حصة من الطاقة لكل أسرة بهدف إنشاء سوق للطاقة، بحيث يتمكن المواطنون من بيع وشراء حصصهم. 

وتابع أن هذا الإجراء يمكنه تحديد السعر التوازني للبنزين في السوق من دون تدخل الحكومة، كما يمكنه رفع مستوى رفاه الأسر والحد من التهريب.

وأفاد أن مثل هذا النهج أكثر انسجاما مع واقع الاقتصاد الإيراني مقارنة بالزيادات المحدودة والتدريجية في الأسعار، ومن جانب آخر، إذا كانت الحكومة تسعى إلى إعادة توزيع الموارد المحدودة الناتجة عن زيادة الأسعار، فقد أثبتت التجارب ان الدعم النقدي أكثر فاعلية ورضا للمواطنين مقارنة بنظام القسائم. 

وتابع أنه لذلك، فإن تعزيز الدعم النقدي يمكن أن يكون أفضل خيار داعم إلى جانب إصلاحات الأسعار.

Image

ضرورة التوزيع الشفاف والفعّال للعائدات بين المواطنين

ذكر خبير الاقتصاد مجيد شاكري أن خطة البنزين الحكومية التي كان من المقرر تنفيذها في أول شهر ديسمبر/ كانون الأول، تم تأجيلها لأسباب متعددة، لكنها تتميز بنقطة قوة لافتة: “تحديد هدف واضح ومحدود يقتصر على تحسين الوضع المالي للموازنة”. 

وتابع هذا يعني أن هذه الخطة، من خلال الزيادة التدريجية والحذرة في الأسعار، كانت تهدف إلى منع إثارة القلق لدى المواطنين، وفي الوقت نفسه إتاحة المجال للحكومة للقيام بردود أفعال مناسبة في الأسعار والسياسات خلال كل فصل. 

وأضاف أن هذه الإدارة الذكية تشير إلى أن السياسات المتعلقة بالطاقة يجب أن تكون مرنة وواقعية وقادرة على الاستجابة للظروف الراهنة، ومع ذلك، توجد انتقادات موجهة إلى هذه الخطة، من بينها اعتماد السيارة معيارا لتخصيص دعم البنزين. 

وأفاد بأنه يجب الإقرار بأن البنزين سلعة تجارية واقتصادية، وأن شركات التكرير تحتاج إلى الحفاظ على ربحيتها للاستمرار في العمل.

كما أوضح أن العدالة الاجتماعية الحقيقية تتطلب سياسات أشمل وأوسع تتحقق من خلال تطوير منظومة الرفاه والدعم الموجه لمختلف فئات المجتمع، لا من خلال تقسيمات جزئية تزيد من الارتباك وعدم المساواة.

صرح شاكرين أن تخصيص حصة البنزين بناء على الرقم الوطني يحمل بدوره قيودا ونواقص، ويتمثل أفضل حل في التوزيع الشفاف والفعّال للعائدات الناتجة من بيع البنزين بين المواطنين؛ وهو نهج يحافظ على العدالة ويمنع تكوين توقعات غير واقعية، ويسهم قدر الإمكان في منع الاضطرابات الاجتماعية. 

وأشار إلى أنه عندما نقبل بأن فكرة تخصيص البنزين وفق الرقم الوطني غير مجدية، يتبقى خياران: الأول هو توزيع العائدات الناجمة من بيع البنزين التجاري بين الأفراد من دون ان يعني ذلك تخصيص حصة بنزين لهم، والثاني هو الاتجاه نحو توزيع السلع أو ما يسمى بنظام القسائم. 

وتابع أن التجارب السابقة تذكرنا بأن النجاح في إدارة مصادر الطاقة يتطلب تحقيق توازن دقيق بين الأهداف الاقتصادية والعدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي.

وأكد أن التخطيط برؤية شاملة وهادفة ومنسقة، مقرونا بتواصل شفاف ومستمر مع المواطنين، هو المفتاح لدفع السياسات المستدامة إلى الأمام، وبهذا الشكل يمكن تجنب تكرار أخطاء الماضي وتمهيد الطريق لإصلاحات تدريجية ولكن دائمة.

Image

ضرورة الإعلام حول كيفية إنفاق عائدات الخطة

صرح حميد رضا صالحي، عضو غرفة التجارة الإيرانية، بأن مستوى استهلاك البنزين اليومي في البلاد وصل إلى 130 مليون ليتر، ولذلك، فإن تعديل الأسعار يمكن أن يوفّر جزءا من الموارد اللازمة لاستيراد البنزين، لكن مسألة ضبط الاستهلاك هي موضوع آخر.

 وتابع أن مقارنة أسعار البنزين مع أفغانستان وتركيا أو السعودية تُظهر أن الأسعار في إيران أقل حتى من سعر مياه الشرب، ما يؤدّي إلى المضاربة وتهريب الوقود من الحدود الشرقية والغربية، وفي ما يتعلق بالاستهلاك غير العادل، فإن الوضع الحالي يتيح لكل مواطن يمتلك سيارات أكثر أن يستفيد من دعم أكبر.

وأضاف أن ذوو الدخل المحدود ومن لا يملكون سيارات فلا يستفيدون من هذا الدعم أو يستفيدون منه بشكل غير متناسب، وفي الوقت نفسه، من المتوقع أن تعلن الحكومة قبل أي خطوة، كيف سيؤثر تعديل أسعار البنزين على حياة الناس ومعيشتهم، وما الجزء من هذه العائدات الذي يمكن إعادته إلى المواطنين.

كما أوضح أنه إذا جرى التحاور مع الشعب في هذا الشأن وجلس الرئيس مع فريقه الخبير لمناقشة الأمر مع المواطنين، فسيكون من الممكن إيضاح أن جميع العوائد الناتجة من تعديل أسعار البنزين يمكن أن تعود إلى المواطنين أنفسهم. 

وأكد أنه على سبيل المثال، ومع ارتفاع أسعار البنزين، يمكن للحكومة أن تقدم دعما مباشرا للناس من الموارد المتحصلة، وهذا يعني أن الشرائح منخفضة الدخل ستستفيد مباشرة من العائدات المتأتية عن زيادة أسعار البنزين.

وأشار إلى أنه إذا جرى إطلاع المواطنين على هذه العملية بشفافية، وأعلنت الحكومة كل أسبوعين أو ثلاثة أسابيع عن المبالغ المودعة في حسابات الناس وما الجزء من العائدات الذي أنفق على إصلاحات أخرى، فسيعزز ذلك الثقة العامة.

 أفاد صالحي أنه يتعين على الحكومة أن تشرح للمواطنين بشفافية كيف ستعود العائدات الجديدة بشكل هادف إلى الشرائح الدنيا، فإذا كان من المقرر أن تقترب أسعار البنزين من الواقع، فمن الضروري أن تعود هذه العائدات على شكل دعم نقدي مباشر إلى الفئات المستهدفة أو أن تُنفق على مشاريع بيئية ونقل نظيف.

وذكر أن تطوير أسطول المركبات الكهربائية، واستبدال سيارات الأجرة والحافلات الملوِّثة، وتشجيع استخدام السيارات الهجينة يمكن أن يسهم في كسب تأييد المجتمع، أما تعديل الأسعار من دون بناء الثقة مع المواطنين لن يرقى إلى أكثر من مهدئ مؤقت.