- زاد إيران - المحرر
- 773 Views
شهد «منتدى الدوحة» لهذا العام واحدة من أكثر الجلسات السياسية سخونة، بعدما قدّم وزير الخارجية الإيراني الأسبق محمد جواد ظريف سلسلة تصريحات مطوّلة، حاول فيها إعادة تأطير موقع إيران الإقليمي، ونفي رواية «إيران الضعيفة» التي برزت عقب الهجمات الأمريكية ـ الإسرائيلية على منشآتها النووية.
الحوار الذي جمعه بالمحلل السياسي تريتا بارسي والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي تحوّل إلى منصة لتبادل الرسائل السياسية، وكشف التباينات الحادة بين رؤية إيران لأمن المنطقة ورؤية جيرانها العرب.
ظريف يرفض «سردية الضعف»
بدأ ظريف مداخلاته بنفي قاطع لفكرة أن إيران تمرّ بمرحلة ضعف. ورغم إقراره بأن العام الحالي كان من أصعب الأعوام التي مرت بها طهران، إلا أنه شدّد على أن الدول لا تُقاس بقوة لحظية، بل بقدرتها على الصمود التاريخي، مستحضرا سبعة آلاف عام من “عدم السقوط”.
محاور القوة في الخطاب الإيراني
القدرة العسكرية والأمنية: يؤكد ظريف أن هذه القدرات «ذاتية ومحلّية»، وليست مستوردة، في تلميح مباشر للدول الخليجية التي تعتمد على المظلة الأمريكية.
الردّ على الهجمات الإسرائيلية ـ الأمريكية: يعتبر ظريف أن قدرة إيران على «إلحاق أذى كبير بإسرائيل» دليل قاطع على تماسكها. ويشير إلى عمليات «الوعد الصادق 3» و«بشارة الفتح» بوصفها أمثلة عملية على مكامن القوة الإيرانية.
إخلاء القواعد الأمريكية: يكرر ظريف أن الولايات المتحدة اضطرت لإخلاء قواعدها في المنطقة قبل مهاجمة إيران، معتبرا ذلك «سابقة» تنفي أي حديث عن ضعف طهران.
بهذا يقدّم ظريف سردية متكاملة هدفها تثبيت فكرة أن أي تغير في المشهد الإقليمي لا يعني أن إيران فقدت عناصر الردع، بل أن قدرتها على الامتصاص والرد ما تزال قائمة.

إيران والنظام الإقليمي… قراءة ظريف لمعادلة الأمن
وفقا لظريف، فإن «النظام التوسعي» الإسرائيلي هو أصل مشكلة المنطقة. ويستشهد بخرائط «إسرائيل الكبرى» ليؤكد أن المشروع الجغرافي الإسرائيلي يتجاوز حدود فلسطين.
هذا الطرح ليس جديدا في الخطاب الإيراني، لكنه جاء هذه المرة بعد عمليات عسكرية واسعة بين إسرائيل وإيران، ما يمنحه وزنا إضافيا.
يشير ظريف إلى أن إيران لم تعد تُعامل في المحادثات الإقليمية كـ«عقبة»، بل إن «العائق الحقيقي» بات ظاهرا، في إشارة إلى استمرار الهجمات الإسرائيلية في غزة وسوريا.
ينتقد ظريف الاتفاق النووي لكونه – من وجهة نظره – غيّر الاستراتيجية الإيرانية مؤقتا من المقاومة إلى المصالحة، ويقول إن إيران اليوم «عادت إلى استراتيجيتها الأساسية» التي تجيدها.
تأكيد على الرغبة في التعاون لكن بشروط
رغم نبرة التهدئة التي حاول الأمين العام لمجلس التعاون جاسم البديوي إظهارها، إلا أن مداخلته حملت قائمة من المطالب التي تعكس حجم القلق الخليجي من السياسات الإيرانية ومنها إنهاء فكرة تصدير الثورة، ووقف دعم جماعات إقليمية مثل الحوثيين، وعدم التدخل في شؤون الشيعة في دول الخليج، والحوار حول ملفات خلافية مثل الجزر الإماراتية –على حد قوله-.
كما حاول البديوي إبراز نجاح دول المجلس اقتصاديا، مستخدما لغة «المقارنة الضمنية» مع إيران، حين قال إن دول الخليج أصبحت تاسع أكبر اقتصاد في العالم.
ردّ ظريف: فتح دفاتر قديمة
جاء ردّ ظريف حادّا، مستحضرا دعم الخليج لصدام حسين خلال الحرب العراقية ـ الإيرانية، ووقوف إيران إلى جانب الكويت عند غزوها عام 1990، وملف «المحافظة التاسعة عشرة» والقضايا الحدودية القديمة.
بهذا الردّ، حاول ظريف إعادة موازين اللوم، وتذكير الخليج بأن طهران لم تكن دائما طرفا معاديا.
أوروبا… من شريك محتمل إلى طرف فقدت إيران ثقتها به
في الجزء الأوروبي من النقاش، قدمت ناتالي توتشي، مديرة معهد العلاقات الدولية في روما والمستشارة الدبلوماسية السابقة للاتحاد الأوروبي، صورة قاتمة عن الدبلوماسية الأوروبية.
وكانت أهم خلاصات الموقف الأوروبي كما ظهر في الجلسة أن الدبلوماسية لم تعد فعّالة بعد أن فشلت في منع الحرب الأخيرة، وإسرائيل تحولت إلى «الفاعل المراجع» في المنطقة، بدل إيران، وأوروبا فقدت دورها التقليدي في أزمات الشرق الأوسط، والولايات المتحدة باتت تعمل «ضد» مصالح أوروبا في بعض الملفات.
لكن رد ظريف بأن أوروبا لم تملك أساسا حق تفعيل “آلية الزناد، وأنها خضعت للولايات المتحدة في كل ما يخص الاتفاق النووي. وبالتالي فقدت ثقة الإيرانيين بالكامل. ويرى أن من يظن أن الولايات المتحدة «تحمي أوروبا» فعليه أن يستيقظ.
لماذا تُتهم إيران بتهديد أمن المنطقة؟
خلال الجلسة، عاد ظريف إلى التسعينيات لشرح ما يعتبره جذور خطاب التخويف من إيران، وكانت عناصر السردية كما يطرحها ظريف على النحو التالي:
- إسحاق رابين، رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق، أراد إقناع الإسرائيليين بالسلام مع العرب، فصنع «عدوا بديلا» هو إيران.
- إسرائيل عملت على أمننة الملف الإيراني داخل الولايات المتحدة ثم عالميا.
- تحالف «المعتدلين» الذي شكلته واشنطن كان يهدف إلى عزل إيران لصالح إسرائيل.
ويختتم ظريف حديثه برسالة موجهة للعرب قائلا “لقد دعمنا فلسطين أكثر من العرب أنفسهم… ودفعنا أثمانا باهظة”.

تكشف مداخلات ظريف في «منتدى الدوحة» أن إيران تسعى لإعادة تثبيت موقعها الإقليمي عبر خطاب يقوم على ثلاثة أعمدة: القوة الذاتية – الصمود التاريخي – ردع إسرائيل والولايات المتحدة.
في المقابل، يبدو أن دول الخليج مستعدة للتعاون، لكن بشروط تتعلق بأمنها الداخلي وتوازنات المنطقة. أما أوروبا، فهي تعترف بعجزها، فيما يبقى العامل الإسرائيلي — وفق معظم المتحدثين — هو الأكثر تأثيرا في مسار الأحداث.
هكذا تعكس جلسة واحدة في الدوحة صورة متشابكة لإقليم يعيش مرحلة انتقالية حساسة، حيث يعاد رسم حدود القوة، ويبحث الجميع عن معادلة جديدة تحفظ أمنهم في زمن يتغير بسرعة.

