- زاد إيران - المحرر
- 777 Views
نشرت صحيفة “آكاه” الإيرانية، الأحد 7 ديسمبر/ كانون الأول 2025، تقريرا تناولت فيه تأثير الأزمات الاقتصادية الأخيرة على معيشة المواطنين، مشيرة إلى ارتفاع أسعار المواد الأساسية والضغط المتزايد على الأسر بسبب تقلبات أسعار العملة ونقص الموارد.

ذكرت الصحيفة أن إيران شهدت في السنوات الأخيرة أزمات كبرى متكررة، منها الفيضانات الواسعة عام 2019 التي شرّدت آلاف العائلات، وزلزال كرمانشاه عام 2017 الذي لم يحصد الأرواح فحسب بل تبعته عملية إعادة إعمار طويلة، وجائحة كورونا التي اختبرت النظام الصحي.
وتابعت حدوث تلوث هواء المدن الكبرى كل خريف وشتاء، إلى جانب الضغوط الاقتصادية المستمرة التي غيّرت حياة ملايين الأشخاص.
وأضافت أن هذه الأزمات أظهرت تحديات مشتركة مرتبطة بالتعقيدات الجوهرية لإدارة الأزمات، مثل القيود الزمنية، غموض المعلومات، الضغوط الداخلية والخارجية، وأحيانا انعدام التنسيق البنيوي.
وأوضحت أن أحد هذه التحديات هو الميل إلى التقليل من أهمية الأزمة، وكأن الاعتراف بشدتها في الساعات الأولى يُعد اعترافا بالضعف، مشيرة إلى أن هذا النهج في فيضانات لرستان وبُلدختر، أو تلوث الهواء، أو تأخر فرض الحجر الصحي في كورونا، أدى إلى فقدان فرص الاستجابة السريعة.
وأشارت إلى أن هذا النهج ضاعف الكلفة البشرية والصحية والمادية، وهو نمط يُلاحظ أيضا في مجتمعات أخرى حول العالم، ويبرز الحاجة إلى تعزيز ثقافة تقبّل الحقائق بسرعة باعتبارها الخطوة الأولى نحو إدارة فعالة للأزمات.
تركيز السلطة؛ سيف ذو حدين
ذكرت الصحيفة أن تحد آخر يتمثل في التركيز الشديد لصنع القرار في المستويات العليا للحكم، في حين تتطلب الأزمات السرعة والمرونة والاستفادة الواسعة من الخبرات المتخصصة، فإن حصر دائرة القرار في عدد محدود من المؤسسات والأفراد – مثل اجتماعات المجلس الأعلى للأمن القومي أو رؤساء السلطات الثلاث –.
وتابعت أن هذا القرار يؤدي إلى خفوت صوت الخبراء في مجالات الوبائيات أو الزلازل أو الاقتصاد أو البيئة، وتغلّب الاعتبارات السياسية والأمنية على الاعتبارات العلمية والإنسانية.

وأضافت أن هذا التركيز، رغم أنه يخلق سرعة في بعض مراحل الإغاثة الأولية وحشد الموارد – مثل دور القوات العسكرية والبسيج في توزيع المساعدات بعد الزلازل – إلا أنه يقلل من المرونة في إدارة الأزمات المعقدة وطويلة الأمد، ويجعل التنسيق بين المؤسسات أكثر صعوبة.
وأوضحت أنه على سبيل المثال، في أزمة كورونا، عندما اقترح خبراء وزارة الصحة فرض حجر صحي على مدن مثل قم ومشهد، طُرحت اعتبارات تتعلق بضرورة الحفاظ على الأنشطة الدينية أو تجنب الاحتجاجات الاقتصادية المحتملة.

وأكدت أن هذا أدى إلى تأخير الإجراءات الوقائية وزاد الضغط على النظام الصحي وعمّق موجات انتشار المرض، وهذا الهيكل، الذي تنبع جذوره من حقائق أمنية وسياسية، يمكن أن يصبح أكثر فاعلية عبر توسيع آليات التشاور ومنح صلاحيات محلية أوسع في المراحل التنفيذية.
شفافية؛ مفتاح الثقة والتنسيق
ذكرت الصحيفة أن نقص الشفافية في الإخبار من بين القضايا التي تكررت مرارا وأثرت في الثقة العامة، فعندما تُقدَّم الأرقام وأسباب القرارات أو حتى الاعتراف بالأخطاء بتأخير أو بصورة ناقصة، يجد الناس أنفسهم بلا معلومات موثوقة، فيلجؤون إلى الشائعات والقنوات غير الرسمية، مما يجعل إدارة الأزمة أكثر تعقيدا.
وأشارت إلى أن أحداث مثل سقوط الطائرة الأوكرانية في يناير/ كانون الثاني 2020، وتأخير نشر أرقام كورونا، وتقارير إعادة الإعمار الناقصة، توضح أن الشفافية ليست مجرد قيمة أخلاقية، بل ضرورة عملية لتعزيز الدعم العام وتقليل الهلع الاجتماعي.
وتابعت أنه في عالم رقمي تنتقل فيه المعلومات بسرعة الضوء، قد يؤدي تأخر الإخبار الرسمي إلى انتشار معلومات مضللة، ويجعل استعادة الثقة أكثر بطئا.
وأضافت أنه في مرحلة إعادة الإعمار أيضا، واجه توزيع الموارد والإشراف على تنفيذ المشاريع تحديات كبيرة، فبعد سنوات من زلزال كرمانشاه أو فيضانات بلدختر وآق قلا، ما زال هناك من يعيش في حاويات وفي ظروف غير مناسبة، فيما ترد تقارير عن تأخيرات وعقود غير شفافة وعدم مساواة في توزيع الإمكانات.
وأوضحت أن الجهات المختصة مثل مؤسسة الإسكان وقراركاه خاتم الأنبياء التي تتولى مهام إعادة الإعمار تواجه كما هائلا من العمل، لكن التعقيدات الإدارية والقيود المالية والحاجة إلى رقابة أدق جعلت العملية أطول.
وأكدت أن هذه المسائل تذكر بالحاجة إلى آليات رقابية أكثر دقة، ومشاركة أكبر من المجتمع المدني، واستخدام تقنيات حديثة مثل أنظمة التتبع الرقمية لتوزيع الموارد، لضمان وصول المساعدات إلى مستحقيها وجمع المعلومات والإحصاءات بدقة.
عاصفة العملة؛ أزمة في جيوب الشعب

ذكرت الصحيفة أنه وسط هذه الأزمات الكبرى، تمثل العاصفة الاقتصادية الأخيرة – وخاصة الارتفاع المفاجئ في سعر الصرف – أحد أشد التحديات وأكثرها تأثيرا على جميع فئات المجتمع، باعتبارها أزمة مزمنة كشفت طبقات أعمق من عدم المساواة والضغط النفسي.
وأوضحت أن سعر الدولار في السوق الحرة ارتفع خلال الشهر الماضي من نحو 107 آلاف تومان إلى 119 ألف تومان، وهو رقم قياسي يعكس ضعف الريال أمام العملات الأجنبية، مع ارتفاع تجاوز 11% خلال شهر واحد يعود لعوامل عالمية مثل تغييرات سعر الفائدة، وأخرى داخلية مثل التضخم المرتفع، العجز المزمن في الموازنة، العقوبات الدولية، وعدم اليقين في السياسات الاقتصادية.
وأضافت أن رفع سعر البنزين إلى مستويات جديدة ضمن نظام التسعير الثلاثي ساهم في زيادة هذه التقلبات وتعزيز التوقعات التضخمية.
وأكدت أن السعر الرسمي للدولار لدى البنك المركزي بقي عند نحو 63,500 تومان، لكن الفجوة العميقة مع السوق الحرة – التي تجاوزت 85% – تعكس فقدان الثقة بالسياسات النقدية، وزيادة كلفة الاستيراد، وضغوطا على الإنتاج المحلي، وانخفاضا حادا في القدرة الشرائية للأسر.
أنواع الإجراءات؛ قصيرة وطويلة الأمد
ذكرت الصحيفة أن الأزمة الاقتصادية المتفاقمة بسبب العقوبات وسوء الإدارة خلّفت آثارا واسعة، منها ارتفاع أسعار المواد الغذائية حتى 50%، وزيادة تكاليف السكن والإيجارات، والبطالة المقنّعة، وهجرة النخب التي تهدد رأس المال البشري.
وأضافت أن الحكومة تحاول مواجهة الأزمة عبر ضخ العملة الصعبة عبر منصّتي “نيما” و”سنا” (منصة رسمية لإدارة سوق العملات الرقمية)، والسيطرة على السيولة، وتنويع الصادرات غير النفطية، لكن هذه الإجراءات غالبا قصيرة الأمد ولم تعكس تراجع الريال.
وأكدت أن السيطرة طويلة الأمد على الأزمة تتطلب استراتيجيات أشمل تشمل توسيع العلاقات الاقتصادية الدولية، إصلاح الموازنة لتقليل الاعتماد على النفط، الاستثمار في الإنتاج المعرفي والتقنيات الحديثة، وتنفيذ سياسات دعم مستهدفة للفئات الهشة مع إلغاء إعانات الميسورين لتجنب تفاقم عدم المساواة.
وأوضحت أن تعزيز الشفافية في السياسات النقدية – مثل نشر تقارير تحليلية منتظمة عن أسباب التقلبات – وتقوية الرقابة على الأسواق غير الرسمية، يمكن أن يعيد بناء الثقة العامة.
وتابعت أن تجارب دول مثل تركيا أو الأرجنتين تُظهر أنه من دون إصلاحات بنيوية عميقة، تؤدي القفزات في أسعار الصرف إلى دورات تضخمية مستمرة، بينما حققت نماذج مثل فيتنام استقرارا نسبيا بالتركيز على الصادرات وجذب الاستثمار الأجنبي.
وأشارت إلى أن إيران، التي تملك طاقات كبيرة في القوى العاملة الشابة والموارد الطبيعية، تحتاج لتضافر جهود الحكومة والقطاع الخاص والمجتمع المدني لمنع تحول الأزمة إلى مشكلة اجتماعية أعمق.
ضغط متعدد الجوانب
ذكرت الصحيفة أن الأزمة لا تقتصر على المستوى الكلي أو الاقتصادي، فالعائلة الإيرانية وكل فرد يجد نفسه في قلب العاصفة ويضطر لمواجهتها.
وأوضحت أن العائلة، بوصفها أصغر وحدة اجتماعية وأهمها، واجهت ضغوطا كبيرة مثل فقدان الوظائف، التضخم المرتفع، الحجر الصحي الطويل خلال كورونا، التعليم الافتراضي للأطفال، فقدان الأحبة، وقفزة العملة التي ضاعفت كلفة الواردات كالدواء والمواد الأولية.
وأضافت أن هذه الجهود غالبا ما ارتبطت بإرهاق بدني وعاطفي، وزيادة التوترات الداخلية مثل الخلافات الزوجية حول المال، ومشكلات تربية الأبناء الذين يكافحون مع القلق الاقتصادي، وأحيانا تفكك العلاقات مع ارتفاع معدلات الطلاق في السنوات الأخيرة.
وحدة وسط العاصفة
ذكرت الصحيفة أنه على المستوى الفردي أيضا، حاول الإيرانيون التغلب على أزماتهم الشخصية عبر آليات تقليدية مثل اللجوء إلى الأسرة والأصدقاء والمعتقدات الدينية لطلب السكينة، وأحيانا عبر مساعدات مهنية محدودة مثل الاستشارات الإلكترونية أو مراكز الصحة.
وأوضحت أن التحديات مثل ضعف الوصول إلى خدمات الاستشارة المتخصصة، وارتفاع تكاليف العلاج النفسي، والوصمة الاجتماعية، وقلة الوعي بمهارات الصمود المالي والاقتصادي، جعلت مواجهة الأزمات الشخصية أكثر تعقيدا.

وأضافت أنه في الأزمة النقدية الأخيرة، لجأ الأفراد إلى استراتيجيات مثل الادخار في الذهب أو العملات الرقمية، وتغيير الوظائف نحو الأعمال الحرة أو الإلكترونية، وتقليل الاستهلاك، لكن الضغوط الاجتماعية للحفاظ على مستوى المعيشة السابق زادت صعوبة هذه المواجهة.
وأكدت أن التجارب العالمية تُظهر أن الدول التي تتعامل بجدية مع دروس كل أزمة – مثل نيوزيلندا خلال كورونا – وتُقدم على تغييرات بنيوية، تدفع كلفة أقل في الأزمات التالية وتخرج أقوى.

