- زاد إيران - المحرر
- 792 Views
في أعقاب الغزو العسكري الإسرائيلي-الأمريكي لإيران، تصاعدت الأصوات الداعية إلى امتلاك الأسلحة النووية داخل إيران، سواء من دوائر سياسية أو حتى مواطنين عاديين، يرون فيها درعا تحمي البلاد من تكرار مثل هذه الهجمات.
لقد كانت الأسلحة النووية، على مدى عقود، رمزا للردع في العلاقات الدولية، حيث نجحت خلال الحرب الباردة في منع صدام مباشر بين القوتين العظميين، لكن، هل لا تزال هذه المعادلة صالحة؟ وهل يمكن لإيران أن تجد في الردع النووي مخرجا استراتيجيا، أم أنها تواجه مخاطر تحولها إلى كوريا الشمالية جديدة؟
الردع النووي: خرافة أم حقيقة؟
لطالما اعتُبرت الأسلحة النووية رادعا يمنع الصراعات بين الدول التي تمتلكها، أو يحمي الدول النووية من هجمات الدول غير النووية. لكن التطورات الأخيرة ألقت بظلال من الشك على هذه المسلمات، فقد أظهرت الحرب القصيرة بين الهند وباكستان- وكلتاهما قوة نووية- أن الصدام العسكري ممكن حتى بين دولتين تمتلكان هذه الأسلحة، كما كشف الغزو الأوكراني للأراضي الروسية، وتدمير قاذفات استراتيجية روسية، أن الأسلحة النووية قد لا تكون كافية لردع هجوم تقليدي.
وفي حالة إيران، أثبت الهجوم الصاروخي الذي شنه الحرس الثوري على إسرائيل، ردا على هجمات إسرائيلية غير مشروعة، أن دولة غير نووية يمكن أن تتحدى قوة نووية بأسلحتها التقليدية، هذه الأحداث تشير إلى أن الردع النووي ليس مطلقا، بل قد يكون أكثر هشاشة مما كان يُعتقد.
إيران والردع غير التقليدي: قنبلة “قذرة” أم استراتيجية ذكية؟

في خضم الهجمات الأمريكية والإسرائيلية على البنية التحتية النووية الإيرانية، برزت فكرة جديدة للردع تعتمد على القدرات الحالية دون الحاجة إلى اختبار نووي فعلي تمتلك إيران، وفق تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مئات الكيلوغرامات من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهي نسبة قريبة من المستوى اللازم لصنع أسلحة نووية إلى جانب ذلك، تمتلك إيران طائرات مسيرة متطورة أثبتت فعاليتها في اختراق الدفاعات الجوية، كما حصل في هجماتها على تل أبيب.
يقترح المفكر الأيرلندي توماس غرين نموذجا مبتكرا: الجمع بين اليورانيوم المخصب والطائرات المسيرة يمكن أن يشكل “قنابل قذرة” قادرة على تلويث مناطق واسعة إشعاعيًا، مما يجعلها غير صالحة للسكن لسنوات.. هذا السيناريو، رغم خطورته، يمنح إيران ورقة مساومة استراتيجية، فإذا أطلقت طهران 50 طائرة مسيرة تحمل كل منها كيلوغراما من اليورانيوم المخصب، فقد تصل 20 منها إلى أهدافها، مما يتسبب في كارثة بيئية واقتصادية لإسرائيل.
هذا النهج، بحسب غرين، يحقق ردعًا نوويًا “غير تقليدي” دون الحاجة إلى امتلاك قنبلة نووية فعلية، لكنه يحمل مخاطر كبيرة، بما في ذلك التلوث الإشعاعي العابر للحدود، والذي قد يؤثر حتى على دول محايدة.
تحديات الردع النووي الإيراني
رغم هذه الإمكانيات، تواجه إيران تحديات كبيرة، فالهجمات الأخيرة دمرت جزءا من بنيتها التحتية النووية، ولا توجد معلومات مؤكدة حول مصير احتياطيات اليورانيوم المخصب، كما أن النفوذ الاستخباراتي الإسرائيلي في إيران، إلى جانب احتمال التخريب أو القصف، يجعل تخزين أسلحة نووية محفوفا بالمخاطر.

كارثة نووية داخل إيران قد تنجم عن مثل هذه العمليات، مما يفاقم الوضع بدلاً من حماية البلاد علاوة على ذلك، فإن امتلاك إيران للأسلحة النووية قد يؤدي إلى عزلتها دوليا، شبيهة بما تعانيه كوريا الشمالية، حتى حلفاء إيران المحتملون، مثل روسيا والصين، قد لا يدعموا هذه الخطوة، خوفا من تصعيد التوترات الإقليمية، وفي حال شنت إيران هجومًا نوويا استباقيا، فإن محدودية ترسانتها تجعلها عرضة لرد فعل مدمر من الولايات المتحدة وإسرائيل، دون ضمان القدرة على شن ضربة ثانية.
حل تفاوضي: شرق أوسط خالٍ من الأسلحة النووية
في ظل هذه التعقيدات، يقترح غرين حلا تفاوضية طموحا: اتفاق يضمن نزع السلاح النووي في الشرق الأوسط. يمكن لإيران أن تستخدم قدراتها الحالية كورقة مساومة، مقابل تخلي إسرائيل عن أسلحتها النووية، يشمل ذلك الالتزام بحدود تخصيب مدنية، والانضمام إلى معاهدة حظر الانتشار النووي، مع قبول تفتيش الوكالة الدولية للطاقة الذرية.
مثل هذا الاتفاق قد يخلق منطقة خالية من الأسلحة النووية، مما يعزز الاستقرار الإقليمي، لكن العقبة الرئيسية تكمن في إصرار إسرائيل على “التخصيب الصفري” الإيراني، وهو مطلب غير واقعي في ظل الحقوق الدولية التي تكفل التخصيب للأغراض المدنية، يرى توماس غرين أن على إسرائيل قبول هذه الحقيقة، خاصة بعد أن أثبتت إيران قدرتها على فرض توازن ردع غير تقليدي.
دروس من أوكرانيا: حدود الردع النووي

تجربة أوكرانيا وروسيا توفر درسا مهما: الأسلحة النووية ليست حلا سحريا للصراعات التقليدية، رغم امتلاك روسيا آلاف الرؤوس النووية، لم تستخدمها، مكتفية بتهديدات لفظية لم تغير مجرى الحرب.
هذا يعزز فكرة أن الأسلحة النووية صُممت للردع الوجودي، وليس للاستخدام العملي في الحروب التقليدية.
غموض نووي
كشفت صور أقمار صناعية عن قافلة شاحنات تغادر مواقع إيرانية حساسة قبل قصف، بينما نجت منشأة تخصيب جديدة محصنة من الأضرار، وبقي مخزون إيران من اليورانيوم المخصب وأجهزة الطرد المركزي سليما، مما يعزز الغموض حول برنامجها النووي في ظل غياب تفتيش ميداني أو عملية عسكرية موسعة، يصعب تقييم الضرر بدقة.
تتجه طهران وواشنطن نحو إدارة الأزمة بدلا من حلها، محادثات سرية كشفت عن عرض أمريكي باستثمارات بـ30 مليار دولار لبرنامج نووي مدني، مقابل وقف التخصيب وتخفيف العقوبات، كلا الجانبين يتبنى “غموضا استراتيجيا”، حيث تخلت واشنطن عن مطلب تفكيك البنية النووية الإيرانية، بينما تحتفظ إيران بقدراتها غير الشفافة.
هذا النهج البراغماتي قد يحد من التصعيد مؤقتا، لكن القضية النووية تبقى قنبلة موقوتة تهدد استقرار المستقبل.
إيران بين الطموح النووي والكرامة الوطنية

إيران تقف اليوم عند مفترق طرق، هل يمكن للردع النووي، سواء عبر أسلحة فعلية أو “قنابل قذرة”، أن يضمن أمنها؟ أم أن السعي وراء هذا الخيار سيؤدي إلى عزلة دولية ومخاطر كارثية؟ الحل قد لا يكمن في التسلح النووي، بل في استراتيجية دبلوماسية ذكية تستغل القدرات الحالية لتحقيق استقرار إقليمي.
إيران، التي أثبتت ذكاءها الاستراتيجي، قد تجد في التفاوض مخرجا يحفظ كرامتها ويحمي مصالحها، بعيدا عن شبح كوريا الشمالية.

