نيران تحت الرماد.. “زاد إيران” تكشف: هل اقتربت طهران من العتبة النووية؟

تحقيق: ربيع السعدني 

إنفوجراف: عاصم مسعد 

إثر تطورات حرب الـ12 يوما والهجوم الأمريكي على المنشآت النووية الإيرانية، يبرز سؤال محوري حول مستقبل البرنامج النووي الإيراني: هل سيتجه نحو التسلح أم سيظل سلميا؟

في أعماق الصحراء الإيرانية، حيث تتماوج الكثبان الرملية تحت سماء محترقة، تقبع منشآت محصنة تحمل أسرارا تهدد بإعادة تشكيل الشرق الأوسط، البرنامج النووي الإيراني، الذي بدأ كحلم للطاقة السلمية في الخمسينيات، تحول اليوم إلى شبح وعاصفة فزع تثير الرعب في عواصم العالم. 

في يونيو/حزيران 2025، هزت الضربات الإسرائيلية، المعروفة باسم عملية “الأسد الصاعد”، منشآت نطنز وأصفهان، لكن السؤال الذي يطارد الجميع يظل: هل اقتربت إيران بالفعل من العتبة النووية، أم أنها مجرد لعبة قوى سياسية؟ في هذا التحقيق الاستقصائي نغوص أكثر في أعماق البرنامج النووي الإيراني، مستكشفًا تاريخه، أهدافه المعلنة والخفية، والتوترات التي أشعلتها الضربات الأخيرة.

نكشف عن وثائق سرية، ونحاور مصادر مطلعة، ونرصد الحقائق المذهلة التي تُخفيها طهران.. هل هي طموحات مشروعة للطاقة، أم خطوات جريئة نحو سلاح يُغير قواعد اللعبة؟ 

جذور الحلم النووي.. “من الذرة إلى الثورة”

بدأت قصة البرنامج النووي الإيراني في الخمسينيات، عندما كانت إيران حليفا وثيقا للغرب تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، في إطار برنامج “الذرة من أجل السلام” الأمريكي، تلقت إيران دعما من الرئيس أيزنهاور لتطوير الطاقة النووية، وضمن ذلك مفاعل أبحاث في طهران. 

كانت الفكرة طموحة وتتلخص بإيجاز في تحويل إيران إلى مركز للطاقة النووية في الشرق الأوسط، لكن الثورة عام 1979 قلبت الموازين، حيث توقف البرنامج مؤقتًا، حيث رأت القيادة الجديدة أن الاعتماد على الغرب يتعارض مع مبادئ الثورة، وفي التسعينيات، عادت إيران إلى الساحة النووية بدعم روسي، خاصة لبناء مفاعل بوشهر. 

هنا بدأت الشكوك الدولية تتصاعد، تقارير استخباراتية غربية أشارت إلى أن إيران تسعى لتطوير قدرات عسكرية سرية عبر مشروع “عماد”، الذي ركز على تصميم أسلحة نووية، وعلى الرغم من توقف المشروع رسميًا عام 2003، إلا أن اكتشاف منشآت مثل نطنز وفوردو وآراك وأصفهان في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين زاد من المخاوف، مما أثار قلق الغرب، في 2002، كشفت جماعات معارضة إيرانية عن منشآت نووية سرية، مما دفع الوكالة الدولية للطاقة الذرية للتحقيق، أدت المفاوضات إلى اتفاق الخطة الشاملة (JCPOA) عام 2015 للحد من البرنامج مقابل رفع العقوبات. 

منع الاتفاق النووي إيران من إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب أو البلوتونيوم الذي يمكن استخدامه في الأسلحة النووية. 

كما اتخذ خطوات لضمان استخدام منشآت فوردو ونطنز وآراك للأغراض المدنية فقط، بما في ذلك الأبحاث الطبية والصناعية، وحدد الاتفاق عدد وأنواع أجهزة الطرد المركزي التي يمكن لإيران تشغيلها، ومستوى التخصيب، وحجم مخزونها من اليورانيوم المخصب.

يُستخدم اليورانيوم المخصب بنسبة 5% في محطات الطاقة النووية، ويمكن استخدامه بنسبة 20% في مفاعلات الأبحاث أو المفاعلات الطبية، أما اليورانيوم عالي التخصيب، بنسبة 90% تقريبًا، فيُستخدم في الأسلحة، ووافقت إيران في النهاية على تطبيق بروتوكول يمنح مفتشي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وهي الهيئة الرقابية التابعة للأمم المتحدة على الأسلحة النووية، حق الوصول غير المقيد إلى منشآتها النووية.

لكن الولايات المتحدة قررت الانسحاب من الاتفاق عام 2018، مما دفع إيران لتكثيف أنشطتها النووية بحلول 2020، زادت إيران تخصيب اليورانيوم إلى مستويات أعلى (20% و60%)، مما جدد التوترات، وتعرضت المنشآت النووية الإيرانية لهجمات، مثل تفجير نطنز 2021، موقع الشهيد أحمدي روشن والتي اتهمت إيران إسرائيل بها، يستمر الجدل حول أهداف إيران النووية، مع إصرارها على الاستخدام السلمي رغم الشكوك الدولية.

حصون تحت الأرض.. حيث تخبئ إيران أسرارها

1. منشأة نطنز في قلب الصحراء، محمية بطبقات من الخرسانة المسلحة ومضادات جوية هنا، تدور أجهزة الطرد المركزي لتخصيب اليورانيوم، وهي العملية التي يمكن أن تنتج وقودًا للطاقة أو مادة للأسلحة النووي.

وفي يونيو/حزيران 2025، استهدفت الضربات الإسرائيلية نطنز، مما تسبب في أضرار جزئية، لكن خبراء مثل ديفيد ألبرايت، رئيس معهد العلوم والأمن الدولي، يرون أن المنشأة صمدت بفضل تحصيناتها العميقة.

2. منشأة فوردو، المدفونة داخل جبل، هي الأكثر غموضا، اكتُشفت عام 2009، وتُعتبر “حصنا لا يُقهر” بسبب موقعها الجغرافي، لم تُصب فوردو بأضرار كبيرة في هجمات 2025، مما يشير إلى أن إيران تعلمت من هجمات سابقة، مثل فيروس “ستكسنت” عام 2010، لتعزيز دفاعاتها.

كما تمتاز فوردو بموقعها تحت جبل، مع خرسانة مسلحة بسمك أمتار، جدران فولاذية، أنفاق مستقلة، أبواب مقاومة للانفجارات، وتهوية مضادة للهجمات الكيميائية، مما يجعلها حصنا نوويا، يحيط بها نظام دفاعي متعدد الطبقات، يشمل أنظمة سومخورداد وبافار 373 حتى لو فشلت هذه الدفاعات، اختراق المنشأة يتطلب قنابل نادرة مثل GBU-57، تمتلكها الولايات المتحدة فقط، وتُستخدم مع طائرات مثل B-2، وغير متاحة لإسرائيل.

3. منشأة آراك، التي تحتوي على مفاعل ماء ثقيل (IR-40)، فقد كانت محور الجدل في اتفاق النووي 2015 (JCPOA)،  وهو قادر على إنتاج البلوتونيوم، مما أثار مخاوف الغرب بشأن احتمال استخدامه في برامج أسلحة نووية، ورغم إيقاف قلب المفاعل، لا تزال إيران تحتفظ بالقدرة على إعادة تشغيله.

بموجب الاتفاق، وافقت إيران على تعديل المفاعل لتقليل إنتاج البلوتونيوم، وإزالة قلب المفاعل القديم، واستبداله بتصميم جديد يحد من التخصيب، كما التزمت إيران بعدم إعادة معالجة الوقود المستخدم لاستخراج البلوتونيوم لمدة 15 عامًا، مع مراقبة دولية صارمة من الوكالة الدولية للطاقة الذرية لضمان الالتزام.

4. أصفهان: مركز التكنولوجيا النووية، تُجرى أبحاث حساسة، وهي أيضا استُهدفت في 2025 دون تدمير كامل ونظرا إلى البنية التحتية الفريدة لمعهد أبحاث العلوم والتكنولوجيا النووية في منطقة أصفهان النووية، وضمن ذلك وجود ثلاثة مفاعلات بحثية فضلا عن إنشاء عدد من شركات الصناعة النووية في هذه المنطقة، فقد تم اختيار موقع الشهيد رئيسي في أصفهان لبناء المركز الدولي للتعليم النووي.

هذه المنشآت النووية الإيرانية ليست مجرد مبانٍ؛ إنها رموز للسيادة الإيرانية، لكن السؤال يبقى: هل هي للطاقة السلمية، أم تخفي طموحات عسكرية؟

رقصة دبلوماسية بين القلم والسيف

في عام 2015، وقّعت إيران الاتفاق النووي (JCPOA) مع القوى العظمى، متعهدة بتقليص تخصيب اليورانيوم مقابل رفع العقوبات، لكن انسحاب الولايات المتحدة عام 2018 تحت إدارة ترامب أشعل فتيل الأزمة، هنا ردت إيران بتسريع برنامجها، لتصل نسبة تخصيب اليورانيوم إلى 60% بحلول 2023، وهي خطوة قريبة بشكل خطير من المستوى العسكري (90%).

الوكالة الدولية للطاقة الذرية حذرت مرارا من تراجع التعاون الإيراني، في يونيو/حزيران 2025، أصدرت الوكالة قرار إدانة ضد إيران لعدم الامتثال لمعاهدة حظر الانتشار النووي، بعد اكتشاف جزيئات يورانيوم في مواقع غير مصرح بها. 

هذه الجزيئات، وفقًا لتقارير الوكالة، تشير إلى أنشطة سرية محتملة، ربما مرتبطة بمشروع “عماد” القديم في الوقت نفسه، توقفت المفاوضات مع الولايات المتحدة بعد الضربات الإسرائيلية. 

هل أوقفت إسرائيل المارد النووي؟

في فجر يوم الجمعة 13 يونيو/حزيران 2025، دوّت الانفجارات في سماء نطنز وأصفهان، عملية “الأسد الصاعد“، التي نفذتها إسرائيل، استهدفت قلب البرنامج النووي الإيراني بطائرات F-35، مدعومة بأنظمة دفاع إلكترونية متطورة، اخترقت المجال الجوي الإيراني، مستهدفة أجهزة الطرد المركزي ومخازن اليورانيوم، كما تضمنت العملية اغتيال علماء نوويين بارزين، في تكرار لاستراتيجيات إسرائيلية سابقة. لكن النتائج لم تكن حاسمة. 

صور أقمار صناعية، حللتها مراكز أبحاث مثل معهد العلوم والأمن الدولي، أظهرت أضرارا محدودة في نطنز، بينما بقيت فوردو سليمة تقريبا، خبراء مثل ألبرايت يرون أن إيران طورت تحصينات تجعل تدمير البرنامج صعبًا، إن لم يكن مستحيلا، دون تدخل بري واسع النطاق. 

كما أن تراكم المعرفة العلمية لدى إيران يعني أنها تستطيع إعادة بناء ما دُمر، الضربات أثارت مخاوف من كارثة بيئية تشبه تشيرنوبل، خاصة إذا أصيبت مستودعات اليورانيوم. إيران، من جانبها، ردت بتصريحات نارية، متعهدة بـ”رد ساحق”، لكنها تجنبت التصعيد العسكري المباشر، ربما خوفا من حرب شاملة.

برنامج نووي تحت الأرض

لقد قاومت إيران الهجمات لسنوات عديدة لكنها فشلت في تدمير برنامجها بالكامل:

1- الهجوم الإلكتروني ستوكسنت على نطنز من قبل الولايات المتحدة وإسرائيل بين عامي 2009 و2010.

2- سلسلة اغتيالات ضد العلماء النوويين الإيرانيين بين عامي 2010 و2012 من قبل إسرائيل.

3- عمليات التخريب الإسرائيلية ضد منشأة نطنز بين عامي 2020 و2021.

ردًا على ذلك، عززت إيران بنيتها التحتية، وبنت أجهزة طرد مركزي أكثر تطورا، ونقلت منشآت رئيسية مثل فوردو إلى عمق أكبر تحت الأرض، بعض القدرات الإيرانية أصبحت الآن بعيدة عن متناول الضربات الجوية، وضمن ذلك إتقان إيران لدورة الوقود النووي، والأهم من ذلك، أن هذه الهجمات عززت عزيمة طهران وأقنعتها بأن الردع النووي ضروري لردع التهديدات الإسرائيلية والأمريكية.

في عقل طهران: لماذا النووي؟

لماذا تتحدى إيران العالم؟ الإجابة تكمن في مزيج من القومية، والدين، والجيوسياسية. بالنسبة لطهران، البرنامج النووي هو رمز للسيادة والتفوق التكنولوجي، خاصة في مواجهة العقوبات الغربية القاسية، كما أن امتلاك قدرات نووية يعزز نفوذ إيران الإقليمي، مما يضعها كقوة توازن ضد إسرائيل والسعودية.

العقوبات الاقتصادية، التي أضعفت الاقتصاد الإيراني، جعلت النظام يرى في البرنامج النووي ورقة ضغط للتفاوض مع الغرب، إيران تعتقد أن الاقتراب من العتبة النووية دون عبورها يمنحها نفوذا دبلوماسيا هائلًا.

كان من بين الذرائع الغربية للضغط على إيران أن التخصيب بنسبة 60% غير مبرر في غياب برنامج نووي عسكري، كما أكدت طهران باستمرار أنه لا يوجد سقف للتخصيب بموجب المادة الرابعة من معاهدة حظر الانتشار النووي، وأن لإيران الحق في ذلك.

يُقال إن إيران تتجه نحو سياسة الغموض النووي، أي إنها لا تريد الكشف عن أبعاد برنامجها. ومنذ اليوم، عندما أعلن الرئيس عن قانون تعليق التعاون مع الوكالة، بدأ هذا الغموض يُفعّل عمليًا، إلا أن تجارب بعض الدول التي تنتهج سياسة الغموض تُظهر أن الصمت أو تنسيق المواقف من أهم الأدوات في هذا الاتجاه.

بعد الحرب والقصف.. إلى أين يتجه البرنامج النووي الإيراني؟

اتُّهمت إيران بأن تخصيب اليورانيوم بنسبة 60% يفتقر إلى مبرر سلمي، بينما أكدت طهران حقها في التخصيب بلا سقف بموجب معاهدة حظر الانتشار النووي، الهجوم الأمريكي الأخير على منشآتها النووية في أصفهان، فوردو، ونطنز، باستخدام صواريخ توماهوك وقنابل خارقة، يطرح تساؤلات حول مستقبل البرنامج: هل يبقى سلميًا أم يتحول إلى عسكري؟

تشير تقارير إلى أن إيران تميل نحو “الغموض النووي”، حيث علّقت تعاونها مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، مما يعزز سياسة الصمت الاستراتيجي. تصريحات متضاربة من مسؤولين إيرانيين، كوزير الخارجية عباس عراقجي الذي أشار إلى أضرار “جسيمة” دون تفاصيل دقيقة، تعكس هذا الغموض، في المقابل، قلل نواب من قم من حجم الضرر، خاصة في فوردو، بينما توقفت روايات إعلامية محلية عن نفي الأضرار.

على مواقع التواصل، تنتشر دعوات لبناء أسلحة نووية، معتبرةً إياها ضرورة للردع وحماية إيران من تهديدات خارجية، خاصة بعد الحرب و”الإنذار الأمريكي” بإخلاء طهران، بعض الداعين يرون القنبلة رمزا للاستقلال الوطني، بينما يحذرون من تبعات غيابها، كـ”الاعتراف بإسرائيل” أو تعرض طهران لخطر نووي.

على التلفزيون، طالب إعلاميون ونواب، مثل جواد قرائي وحسين علي شهرياري، بتغيير فتوى المرشد التي تحرم الأسلحة النووية، بينما يصر المسؤولون على السلمية، في الوقت ذاته، أعلن النائب علاء الدين بروجردي تخصيبا محتملا بنسبة 90% لأغراض بحرية، مع التأكيد على أن القنبلة هي “الخط الأحمر” بسبب الفتوى.

إيران تملك نحو 400 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، وهو ما يثير قلق الوكالة الدولية، ورغم تأكيد عراقجي على السلمية، فإن الحرب والعقوبات عززت التخصيب كرمز للفخر الوطني، هل ستحافظ إيران على نهجها السلمي أم تتجه نحو التصعيد تحت ضغط الغموض؟ الإجابة قد تحدد مستقبل المنطقة.

الغموض النووي: تناقضات الروايات الغربية حول البرنامج الإيراني

بعد حرب استمرت 12 يوما (13-25 يونيو/حزيران 2025) بين إيران وتحالف غربي-إسرائيلي، تكشفت تناقضات صارخة في الروايات الغربية حول تأثير الهجمات على البرنامج النووي الإيراني. 

استهدفت غارات جوية أمريكية وإسرائيلية منشآت نووية إيرانية رئيسية (نطنز، فوردو، أصفهان) باستخدام قنابل خارقة مثل GBU-57 وصواريخ توماهوك. ردت إيران بإطلاق 550 صاروخا باليستيا و1000 طائرة مسيرة، مُحدثةً أضرارًا بصناعات إسرائيل العسكرية. 

الهدف المعلن كان تعطيل البرنامج النووي الإيراني ومنع تطوير صواريخ باليستية.

ادعاءات التدمير الكامل

في 22 يونيو/حزيران 2025، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أن المنشآت النووية الإيرانية “دُمرت بالكامل”، واصفا الهجمات بـ”النجاح الباهر”. 

كررت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولين ليفيت هذا الادعاء، رافضةً تقرير وكالة استخبارات الدفاع (DIA) الذي قلل من حجم الأضرار. 

كما زعم وزير الدفاع بات هيغسيت أن الضربات أنهت قدرة إيران على إنتاج أسلحة نووية.

رغم الضربات الأمريكية على المنشآت النووية الإيرانية، لا يزال الجدل قائما حول آثارها. وقد خلص تقييم أولي مُسرّب من وكالة استخبارات الدفاع الأمريكية إلى أن البرنامج النووي الإيراني لم يتأخر سوى بضعة أشهر، بينما زعم ترامب أن المنشآت “دُمّرت”، فما حجم الأضرار التي لحقت بالمنشآت النووية الإيرانية؟

1. حجم الضرر

الأثر المادي: الحملة الإسرائيلية التي استمرت (12 يوما) والغزو الأمريكي ألحقا أضرارا جسيمة بأجهزة الطرد المركزي الإيرانية (100+ سلسلة، كل سلسلة 160-180 جهازًا)، مع تقديرات رافائيل غروسي مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية بأن معظمها، إن لم يكن جميعها، تضررت بشدة، يجعلها تواجه تحديات، إعادة بناء منشآت التخصيب تتطلب وقتا وموارد هائلة، إضافة إلى إعادة إنشاء مختبرات نووية، مرافق إنتاج، وبرامج تدريب، وهي مفقودة حاليًا.

2. فعالية الضربات الأمريكية

المنشآت السطحية: الأضرار واضحة وسهلة التقييم عبر صور الأقمار الصناعية.

المنشآت تحت الأرض: تقييم الأضرار صعب بسبب محدودية الوصول. 

تصريحات متباينة بين تأكيد وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيت بـ”تدمير كامل”، وتقرير مُسرب يُشير إلى إمكانية استعادة البرنامج في 9 أشهر.

خداع محتمل: إيران قد تُظهر نشاط إصلاح للأنفاق المنهارة لتضليل المراقبين.

3. القدرات النووية المتبقية

جيمس أكتون، خبير السياسة النووية في معهد كارنيغي، وجيفري لويس، خبير ضبط الأسلحة في معهد ميدلبري للدراسات الدولية يرون أن إيران تحتفظ بقدرة كافية لصنع سلاح نووي خلال عام عبر إعادة تشغيل أجهزة طرد مركزي، بناء أجهزة جديدة، واستخدام 400 كغم من اليورانيوم المُخصب بنسبة 60%.

4. إعادة البناء

المعرفة التقنية: لا تزال موجودة رغم فقدان بعض الخبراء، مع إمكانية تعويضهم بمرور الوقت.

العوامل السياسية: إعادة البناء تعتمد على “النية” و”القدرة” في ظل اقتصاد متعثر، الهجوم كسر حاجز استهداف المنشآت النووية، وسيعمل الخبراء الإيرانيون سرًا لتجنب الاغتيالات.

تقارير استخباراتية: تأثير محدود

على النقيض، كشف تقرير مسرب لوكالة DIA (24 يونيو/حزيران 2025) أن الهجمات أخرت البرنامج النووي أشهرا فقط، مع بقاء أجزاء منشأة فوردو الجوفية سليمة، وأشار التقرير إلى نقل كميات كبيرة من اليورانيوم المخصب قبل الهجمات، في 2 يوليو/تموز 2025 عدل البنتاغون تقديراته، مدعيا تأخيرا لسنة أو سنتين، لكنه أقر بتدمير “عشرات” أجهزة الطرد المركزي فقط.

الوكالة الدولية: تدمير جزئي وقدرة على التعافي

أكد رافائيل غروسي، مدير الوكالة الدولية للطاقة الذرية (26 يونيو/حزيران 2025)، أن المنشآت الإيرانية تضررت بشكل كبير، لكن أجزاء منها بقيت صالحة، وأشار إلى فقدان تتبع 400 كغم من اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، مما يوحي بنقله مسبقا. 

في 29 يونيو/حزيران 2025، توقع رافائيل غروسي عودة إيران لإنتاج اليورانيوم المخصب خلال أشهر، مناقضا ادعاءات التدمير الكامل.

زعمت مصادر إسرائيلية، نقلا عن “سي إن إن”، أن البرنامج النووي تأخر عامين، بشرط تعطيل إعادة الإعمار، بينما اعترفت مصادر أخرى، عبر “إيه بي سي” و”إن بي سي”، بأن الأضرار لم تكن كبيرة، مع غموض حول كمية اليورانيوم المتبقي.

أسباب التناقضات

قيود تقنية ومعلوماتية: تقع منشآت مثل فوردو تحت الأرض بعمق 45-90 مترا، مما يحد من فعالية القنابل الخارقة. أقر مسؤولون أمريكيون، كرئيس هيئة الأركان دان كين، بعدم قدرتهم على تفتيش المواقع مباشرة.

دوافع سياسية: تصريحات التدمير الكامل قد تهدف إلى تعزيز صورة النجاح العسكري وتجنب الانتقادات، رفض البيت الأبيض لتقارير وكالة استخبارات الدفاع (DIA) – الذراع الاستخباراتية للبنتاغون، يعكس محاولة التغطية على محدودية التأثير، استنادا إلى تقييم أضرار المعركة الذي أجرته القيادة المركزية الأمريكية (CENTCOM) بعد الهجمات على المنشآت النووية في طهران، يظهر أن الهجمات الأخيرة على هذه المواقع قد فشلت في تدمير البرنامج النووي الإيراني.

ما تأثير الضربات الأمريكية الإسرائيلية على برنامج إيران النووي؟

وحول تأثير الضربات العسكرية الإسرائيلية-الأمريكية على البرنامج النووي الإيراني أوضح الدكتور فاضل اليونس، الباحث في العلاقات الدولية والأمن الدولي، المتخصص في السياسة الأمريكية والشرق الأوسط، أنه في يونيو/ حزيران 2025، ضمن عملية تعرف باسم “الأسد الصاعد“.

هاجمت منشآت نووية إيرانية حيوية: أصفهان المسؤولة عن تحويل الكعكة الصفراء إلى غاز سداسي فلوريد اليورانيوم (UF6)، ومنشأة نطنز التي تُخصّب اليورانيوم بأجهزة الطرد المركزي المتقدمة من طراز (IR6)، إضافة إلى منشأة فوردو النووية المحصنة تحت الأرض، التي شُيّدت كدرع احترازي لأي هجوم محتمل.

في أحسن الأحوال، ربما تكون العملية الأمريكية قد أعاقت البرنامج النووي الإيراني لمدة تتراوح بين 12 و18 شهرًا فقط. 

وقدّر البنتاغون أقصى تأخير ممكن بسنة أو سنتين، وفقا لصحيفة وول ستريت جورنال في 2 يوليو/تموز 2025، لكن تقديرات استخباراتية أخرى تشير إلى أن التأخير قد لا يتجاوز بضعة أشهر، نظرا إلى قدرة إيران على استعادة المعدات، وتفريق المواقع، وإعادة البناء بسرعة في المنشآت السرية. 

وسيكون من الخطأ الجسيم اعتبار هذا التأخير انتصارا استراتيجيا، ردا على ذلك، ستجعل إيران منشآتها أعمق وأكثر تفريقا وأكثر قابلية للدفاع، مما يقلل من فعالية الهجمات اللاحقة.

وأوضح د.فاضل اليونس، الباحث في العلاقات الإقليمية والدولية في تصريحات لـ”زاد إيران”، أنه في الوقت الذي نقلت فيه وسائل الإعلام الأمريكية اليسارية مثل CNN وThe New York Times وWashington Post، عن مصادر استخباراتية قولها إن الهجوم ألحق أضرارا ملموسة لكنه لم يكن حاسما- مرجّحة تأخير البرنامج لعدة أشهر- أكدت إدارة الرئيس دونالد ترامب أن الضربات كانت “حاسمة ومدمّرة”، هذا الموقف تبنّته أيضًا حكومة بنيامين نتنياهو، الحليف الوثيق لترامب، والتي شدّدت على أن البنية التحتية الحيوية للبرنامج النووي قد دُمّرت، وأن طهران ستحتاج ما بين عامين إلى ثلاثة أعوام للتعافي.

أما الوكالة الدولية للطاقة الذرية (IAEA)، فقدّمت تقديرا أكثر اتزانًا، بحسب د.فاضل اليونس فقد رأت الأضرار “كبيرة لكن غير قاضية” وعلى أرض الواقع، تحتفظ إيران بخبرة نووية تزيد عن 30 عاما، تمكنها من إعادة بناء أجهزة الطرد المركزي IR6 بسرعة، مخزون اليورانيوم المخصب بنسبة 60%، المحفوظ في فوردو، لم يُدمر، مما يجعل رفع التخصيب إلى 90% مسألة وقت وقرار سياسي، نظرا إلى السرعة اللوغاريتمية للعملية، في النهاية الضربات أبطأت البرنامج لكنها لم تعطل قدراته الأساسية، فطهران تملك المعرفة والمواد للاستئناف.

احتمالية الأنشطة النووية السرية

ووفقا لـ”اليونس”، فإن تقارير الوكالة الدولية للطاقة الذرية تشير إلى أنشطة نووية إيرانية سرية محتملة، مدعومة باكتشافات سابقة: نطنز (2002) عبر المقاومة الإيرانية، فوردو (2009) باستخبارات غربية، وتورقوزآباد (2018) التي كشفها الموساد كمخزن نووي، مع تأكيد الوكالة لوجود آثار يورانيوم، وزعمت في تقريرها أن إيران تعمل على تسريع عملية إنتاج اليورانيوم عالي التخصيب، رغم نفي طهران هذه السوابق التي تعزز الشكوك، لكن تقييد طهران للتفتيش يعيق التحقق، مما يتطلب تعزيز الرقابة الدولية، ربما عبر أجهزة استخبارات أو تقنيات رصد متطورة، لضمان الشفافية.

وفي هذا الصدد قال الدكتور فاضل اليونس، الباحث في العلاقات الدولية والأمن الدولي، المتخصص في السياسة الأمريكية والشرق الأوسط، إن الدوافع الاستراتيجية التي قد تدفع إيران لامتلاك السلاح النووي باتت أكثر وضوحا بعد المواجهة العسكرية الأخيرة، التي كشفت محدودية أدوات الردع التقليدية التي تعتمدها طهران.

وقد أثبتت التجربة أن اعتماد إيران على الميليشيات، والصواريخ الباليستية، والتهديد بإغلاق مضيق هرمز أو ضرب الاقتصاد العالمي، لم يكن كافيا لردع الولايات المتحدة وإسرائيل عن توجيه ضربة عسكرية مباشرة استهدفت قلب المنظومة القيادية والبرنامج النووي، وألحقت أضرارًا جسيمة على المستويين العسكري والاقتصادي.

كذلك كشفت العملية ذاتها وفقا لـ”اليونس” عن برنامج سري لتصنيع السلاح النووي، عُرف باسم “مشروع عماد”، استمر حتى عام 2003، مع دلائل على استمرار بعض أنشطته لاحقًا تحت غطاءٍ مدني.

من هذا المنطلق، يصبح من المنطقي أن تبحث إيران عن وسيلة ردع أكثر فاعلية ولا توازي السلاح النووي أي أداة أخرى من حيث التأثير الاستراتيجي، فهي وحدها القادرة على قلب موازين القوة ومنح طهران حصانة حقيقية أمام أي هجوم محتمل في المستقبل. 

أما فيما يتعلق بالعودة إلى المفاوضات، فمن المرجح أن تتجه إيران خلال المدى القريب والمتوسط إلى طاولة الحوار، في محاولة لتخفيف العقوبات الاقتصادية، ووقف المزيد منها، وكسب الوقت لإعادة بناء برنامجها النووي وفي هذا السياق، صرّح وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي بأن المفاوضات “ضرورة لا مفر منها”، رغم نفيه وجود أي محادثات حالية مع الجانب الأمريكي بعد الضربات العسكرية الأخيرة.

لكن بعيدا عن تباينات الروايات السياسية والإعلامية، بحسب د.فاضل اليونس، الباحث في العلاقات الدولية والأمن الدولي، المتخصص في السياسة الأمريكية والشرق الأوسط، تبدو الحقيقة أكثر تعقيدا، فإيران تحتفظ بخبرة تقنية متراكمة امتدت لأكثر من ثلاثة عقود في مجال البحث والتطوير النووي، ما يمنحها القدرة على استئناف التخصيب بوتيرة سريعة، خصوصا مع استمرار قدرتها على تصنيع أجهزة الطرد المركزي المتقدمة IR6. 

كما أن مخزون اليورانيوم المخصب لم يُدمّر فعليًا، على حد قوله بل جرى دفنه في أعماق منشأة فوردو عقب الهجمات الأمريكية، كما يعني أن استئناف التخصيب من نسبة 60% لا يحتاج سوى إلى الوقت والقرار السياسي، كما أن رفع نسبة التخصيب من 60% إلى 90% يتم بوتيرة أسرع بكثير من المراحل الأولى للتخصيب (0.7% إلى 20%).

نظرا إلى أن العملية تعتمد على معادلة لوغاريتمية غير خطية، باختصار يرى “اليونس” أن الضربات العسكرية ألحقت ضررًا، لكنها لم تُنهِ البرنامج النووي الإيراني.

نحو المجهول.. مفترق طرق خطير

البرنامج النووي الإيراني يقف اليوم عند مفترق طرق، الضربات الإسرائيلية في 2025 أبطأت تقدمه، لكنها لم توقفه.

إيران، بفضل تحصيناتها وتراكم خبراتها، تبدو أقرب من أي وقت مضى إلى العتبة النووية، لكنها تتجنب عبورها، ربما لتجنب رد فعل دولي مدمر.

الحل الدبلوماسي يظل ممكنا، لكنه يتطلب تنازلات من جميع الأطراف وإلا، فقد يتحول الشرق الأوسط إلى ساحة مواجهة نووية، حيث لا أحد يخرج منتصرا.

كلمات مفتاحية: