- زاد إيران - المحرر
- 519 Views
في دهاليز الترجمة السياسية، لا تُقاس الأخطاء فقط بعدد الكلمات، بل أحيانا باسم واحد قد يُسقط منظومة كاملة من المعاني، ويقلب المواقف رأسا على عقب، وهنا لا يكون الخطأ لغويا ولا نحويا، بل هو خلل في الفهم، وتشويش في الهوية السياسية، وهذا الأمر إن لم يتم الانتباه إليه، تكون عواقبه غير محمودة أبدا.
اليوم، أحدثكم عن واحدة من تلك “النوادر المكلفة”، التي حصلت بالفعل داخل غرفة الترجمة بموقع زاد إيران، حيث وقعت زميلة- لا نشك في اجتهادها- في فخّ “الأخ الغلط”!
كان النص المترجَم جزءا من تحليل سياسي موسّع حول موقف إيران من مفاوضات فيينا النووية، وقد ورد فيه اسم “محمد جواد لاريجاني”، باعتباره أحد منظّري الخط المحافظ في إيران، وذُكر رأيه الصريح في رفض أي تنازل للغرب بشأن الملف النووي، حيث قال:
“ما باید بدون هیچ واهمهای از بازگشت تحریمها، مسیر فناوری هستهای خود را ادامه دهیم”.
وترجمت الزميلة العبارة كالتالي:
“صرّح علي لاريجاني بأنه يجب علينا أن نواصل مسارنا في التكنولوجيا النووية دون أي خوف من عودة العقوبات”.
قرأت الترجمة ثم توقفت، كيف يقول علي لاريجاني هذا الكلام؟ فعدت إلى الأصل الفارسي، وهنا كان الخطأ القاتل: علي لاريجاني؟!
ما علاقة علي لاريجاني، المقرّب من التيار المعتدل نسبيا، بهذه التصريحات المتشددة؟!
الحقيقة أن من قال هذه العبارة هو شقيقه محمد جواد لاريجاني، الفيلسوف، والمستشار القضائي، والوجه الأبرز في التنظير المحافظ فكريا ودينيا، والذي لا يتوانى عن انتقاد كل مرونة دبلوماسية.
لكن الزميلة، على ما يبدو، رأت اسم “لاريجاني” في النص، فأسرعت إلى استدعاء أول “لاريجاني” قفز إلى ذهنها، ووقع اختيارها- بلا تحقق- على علي. وربما ساعدها في ذلك أنه الأشهر عربيا بسبب مناصبه الرسمية، وبسبب تردد اسمه كثيرا في الصحف ووكالات الأنباء الإيرانية، أما محمد جواد، فغالبا ما يُعرف داخل إيران أكثر من خارجها.
حين راجعتُ الترجمة، استوقفني الاسم فورا، وقلت لها: “هل أنت متأكدة أن المتحدث هو علي؟”.
قالت: “هو مكتوب لاريجاني فقط، فافترضت أنه هو!”.
قلت لها: “افتراضك هذا جعل علي لاريجاني يبدو كأنه انقلب على نفسه، من الدبلوماسية الهادئة إلى فوهة التشدد!”.
الدرس هنا كبير وبسيط في آن واحد: في الترجمة السياسية، لا تفترض، تأكد، دقق، وابحث، فالخطأ هنا مرفوض تماما.
الاسم الواحد في إيران، خاصة إذا كان من عائلة لاريجاني- فهم عائلة معروفة في الوسط السياسي- قد يعني مسارا سياسيا مختلفا تماما عن شقيقه، والخلط بينهم تكون نتيجته: تحليلات مغلوطة، ورسائل مضلِّلة.
في كل مرة يحدث هذا النوع من الأخطاء، أتذكر قول أحد المحررين الكبار: “الترجمة الدقيقة تبدأ بالسؤال الصحيح، لا بالجملة الصحيحة.”
من “التاريخ المجهول” إلى “لاريجاني الخطأ”، تبقى غرفة الترجمة مسرحا للطرائف والدروس، بعضها يُضحكنا، وبعضها يعلّمن، لكن يبقى الهدف من طرح هذه النوادر هو التعلم من الأخطاء والانتباه والدقة، فالعمل في هذا الملف ليس بالأمر اليسير.
وإلى اللقاء مع سقطة أخرى… ودرس جديد!

