حجاب “الضرورة” وصناعة الصورة: كيف ذوّبت الحرب الفوارق بين “أبناء النظام” و”المغضوب عليهم” في إيران؟

كتب: الترجمان

تعيش إيران اليوم واحدة من أكثر مفارقاتها السياسية والاجتماعية تعقيدا منذ عقود؛ فبينما لا تزال أصداء احتجاجات “المرأة، الحياة، الحرية” تتردد في أروقة القضاء ومؤسسات “الأمر بالمعروف”، فرضت طبول الحرب مع الولايات المتحدة وإسرائيل إيقاعا جديدا على “ماكينة البروباغندا” الرسمية. 

هذا التحول لم يقتصر على الخطاب العسكري، بل امتد ليعيد صياغة المشهد البصري للمرأة الإيرانية في الإعلام الحكومي، حيث تحولت “المرأة بلا حجاب” –التي كانت حتى وقت قريب هدفا لهراوات شرطة الأخلاق– إلى أيقونة وطنية وصوت مدافع عن النظام في خضم المواجهة الخارجية. 

هذا التقرير يغوص في تفاصيل هذا التحول، مستعرضا الصراع الفقهي الداخلي، وتكتيكات الإعلام الحربي، والمفارقات السياسية التي جعلت من “خصلات الشعر” سلاحا في معركة “الوحدة الوطنية”.

فقه “الإنسان” في مواجهة فقه “الإلزام”: صراع المجمع والجامعة

في قلب الحوزة العلمية بمدينة قم، تمثل التغييرات الأخيرة في قيادة “مجمع مدرسين ومحققين الحوزة العلمیة في قم” مؤشرا على وجود تيار ديني يسعى لفك الارتباط بین التدين والإكراه. اختيار محمد علي أيازي أمينا للمجمع يضع وجها أكاديميا وبحثيا بارزا في مواجهة التيار التقليدي المحافظ. 

أيازي، الذي يعد تلميذا لمدرسة حسين منتظري ومرتضى مطهري، يتبنى رؤية “فقهية إنسانية” ترى أن إلزامية الحجاب لا تستند إلى دليل شرعي أو عقلي قطعي، بل إنها تفتقر إلى “منطق التأثير” المطلوب في النهي عن المنكر. 

يرى هذا التيار أن تحويل المؤسسة الدينية إلى جزء من جهاز الدولة التنفيذي، وتدخل الحكومة في تعيين أئمة المساجد، قد أدى إلى فجوة عميقة بين المجتمع والنهد الديني، مما جعل الحجاب يتحول من قيمة تعبدية إلى رمز للصراع السياسي بين السلطة والشارع.

وتتعمق هذه الرؤية النقدية مع تحذيرات أيازي من “عسكرة المساجد” وفقدان استقلال الروحانية الشيعية التي استمرت لآلاف السنين بعيدا عن كشوف رواتب الحكومات. ويشير أيازي إلى أن التدخلات السياسية في شؤون العبادة، وتعيين أئمة الجماعة بناء على الولاء السياسي وليس القبول الشعبي، أضعفت الثقة العامة. 

في هذا السياق، تبرز المفارقة الكبرى؛ فبينما يطالب هؤلاء الفقهاء بمرونة دائمة قائمة على “الفقه المصلحي” لتقليل الهوة مع الجيل الجديد، تختار السلطة السياسية ممارسة هذه المرونة “بشكل انتقائي” ومؤقت فقط في الأزمات الوجودية أو الحروب، مما يحول المبادئ الفقهية إلى أدوات تكتيكية تخضع لتقلبات الميدان السياسي والعسكري.

Image

“السخرية” من الخصوم: العَلم والسوق والشارع

على الضفة الأخرى، يبرز خطاب التيار الأصولي والواضعين للقوانين المقيدة، مثل أبو الفضل إقبالي، الذي يستخدم “لغة السخرية” لإعادة تدوير الهزائم الثقافية في قالب انتصارات اقتصادية أو وطنية. عندما يتحدث إقبالي عن أن “العَلم الذي أحرقه المحتجون أصبح المنتج الأكثر مبيعا”، فهو لا يقدم تحليلا اقتصاديا، بل يمارس نوعا من “الحرب النفسية” التي تسعى لتقزيم حجم الاحتجاجات وتحويل رمزية “الحرق” إلى “رواج تجاري”. 

هذا المنطق يحاول الالتفاف على المطالب الاجتماعية من خلال التأكيد على أن “الشارع” لا يزال ملكا لمن يرفعون راية النظام، وأن أي تراجع في ملفات مثل تخصيب اليورانيوم أو السيطرة على مضيق هرمز سيفهمه العدو كـ “نبض ضعف” وليس كإشارة عقلانية، وهو ما يربطه إقبالي بضرورة الحسم في الملفات الداخلية والخارجية على حد سواء.

Image

ويتوسع هذا الخطاب ليتبنى نظرية أن الحرب الشاملة قد سقطت من حسابات العدو (ترامب أو غيره) لأن “الشارع” لم يعد متاحا للتسخير من أجل تغيير النظام. وحسب وجهة نظر إقبالي، فإن صمود النظام في الحروب الاقتصادية والضربات التحتية يمنحه الشرعية لمواصلة سياساته الداخلية المتشددة. 

ومع ذلك، يجد هذا التيار نفسه مضطرا لغض الطرف عن “البيئة الثقافية” التي أفرزتها الاحتجاجات، حيث يتم تجاهل حقيقة أن “المنتج الأكثر مبيعا” قد يكون مجرد استجابة لترويج حكومي مكثف، وليس انعكاسا لتحول في القناعات الشعبية التي لا تزال ترى في قوانين ” العفة والحجاب” قيدا اجتماعيا ثقيلا.

Image

عدسات “شمقدري” وصناعة “الوطنية بدون حجاب”

في زمن الحرب، تبرز أدوات إعلامية جديدة تتولى مهمة “تجميل المشهد” أمام الرأي العام العالمي والمحلي. حسين شمقدري، المخرج المثير للجدل ونجل المسؤول السابق في حكومة أحمدي نجاد، يقود حملة إعلامية لتسليط الضوء على فئة معينة من النساء: “النساء بلا حجاب المؤيدات للنظام”. 

هذه الصور والمقابلات، التي تترجم فورا إلى الإنجليزية وتوزع عبر حسابات السفارات الإيرانية، تهدف إلى إرسال رسالة مزدوجة. الرسالة الأولى موجهة للخارج، ومفادها أن إيران بلد ديمقراطي يعيش فيه الجميع بحرية وأن الحرب لم تؤثر على “نمط الحياة”. أما الرسالة الثانية فهي للداخل، وتحاول خلق صورة “المرأة الوطنية” التي تضع خلافها مع الحكومة بشأن الحجاب جانبا لتصطف مع “الباسيج” في مواجهة التهديد الخارجي.

هذا الاستخدام الوظيفي للمرأة وصورتها يظهر بوضوح في المقابلات التي يجريها شمقدري، حيث يتم تصوير نساء يدعين أنهن تعرضن للضرب أو الغرامات بسبب الحجاب، لكنهن الآن “بمحض إرادتهن” يقفن للدفاع عن وحدة الأراضي الإيرانية.

تكمن الخطورة في هذا الخطاب الإعلامي في أنه “يشرعن” غياب الحجاب مؤقتا لأغراض سياسية، بينما تظل القوانين التي تجرم هؤلاء النسوة سارية المفعول وقابلة للتفعيل فور انتهاء الأزمة. إنها حالة من “التسامح الانتقائي” الذي يحول الحقوق الشخصية إلى “مكافأة” تمنح فقط لمن يتبنى الرواية الرسمية للدولة في الأوقات الحرجة.

Image

التناقض الصارخ: موتوسيكلات النساء وأصوات الحناجر المخنوقة

تصل ذروة البروباغندا إلى مستويات غير مسبوقة عندما تبدأ الحسابات الرسمية في نشر فيديوهات لنساء يقدن الدراجات النارية أو يشاركن في حفلات موسيقية لمطربات مثل “جوليا بطرس” عبر شاشات عرض ضخمة في شوارع طهران. هذا المشهد يصدم المراقب الداخلي، لأن قيادة الدراجات النارية للنساء لا تزال محظورة قانونيا، وإصدار رخص القيادة لهن يواجه عقبات شرعية وقانونية معقدة. 

كما أن “صوت المرأة” (الغناء المنفرد) لا يزال يعد من المحرمات التي أدت لسجن العديد من الفنانات. إن عرض هذه المظاهر في سياق “الحشد الحربي” يكشف عن “ازدواجية معايير” بنيوية؛ فالدولة التي تمنع المرأة من ركوب الدراجة في الأيام العادية، ترحب بها فوق الرشاشات العسكرية إذا كان ذلك يخدم صورة “الصمود الوطني.

هذا التناقض يمتد ليشمل التعامل مع الظهور بلا حجاب في المسيرات الرسمية (مثل مسيرة 22 بهمن) والاحتفاء بها إعلاميا، بينما تُعاقب بالحبس أو الغرامة إذا فعلت الشيء نفسه في شارع جانبي. هذا “الاستثناء السياسي” يؤكد أن الحجاب في منظور السلطة الإيرانية الحالية تجاوز كونه فريضة دينية ليصبح “حدودا سياسية” يتم ترسيمها وإزاحتها بناء على حسابات الربح والخسارة في موازين القوى الدولية والمحلية.

Image

ما بعد الحرب وصراع الهوية المستدام

إن المشهد الراهن في إيران، الذي يجمع بين “المرأة بلا حجاب” وصور القادة العسكريين في كادر واحد، ليس دليلا على انفراجة اجتماعية بقدر ما هو انعكاس لـ “تكتيكات البقاء”. الدولة الإيرانية، عبر مؤسساتها البحثية والإعلامية، أدركت أن السيطرة المطلقة على الفضاء العام أصبحت مستحيلة بعد عام 2022، فقررت “استثمار” هذا التمرد بدلا من محاربته فقط، وذلك عبر دمجه في بوتقة “القومية الإيرانية”. 

ومع ذلك، يظل السؤال الجوهري معلقا: ماذا سيحدث عندما تصمت المدافع؟ هل سيعود هؤلاء النسوة “المواطنات الشجاعات” ليعاملن كـ “مجرمات” بموجب قانون العفة والحجاب؟ الأرجح أن الفجوة التي اتسعت بين “الإلزام القانوني” و”الواقع الميداني” لن تُغلق بسهولة، وأن المجتمع الإيراني بات يدرك أن “الحرية” التي تُمنح فقط في وقت الخطر هي حرية هشة، وأن المعركة الحقيقية من أجل الحقوق ستبدأ فعلياً عندما يزول غبار الحروب الخارجية وتواجه السلطة استحقاقات الداخل وجها لوجه.