أزمة تتجدد بين البرلمان وأحد وزراء الحكومة

تشهد العلاقة بين البرلمان ووزارة الثقافة والإرشاد في إيران واحدة من أكثر مراحلها توترا منذ سنوات، فبعد أشهر من الترقب والنقاشات الساخنة، انفجرت موجة انتقادات واسعة تجسدت في رسالة وقعها 170 نائبا تطالب الوزير عباس صالحي بإصلاح عاجل في الإدارة الفنية التي تتولاه نادرة رضائي، أو مواجهة المساءلة تحت قبة البرلمان، الأمر الذي جدد الجدل بين الوزارة التي أخذت الكارت الأصفر من قبل، والبرلمان الذي لا يسمح بتهميش ملاحظاته.

أسباب الأزمة

على الرغم من أن مسعود بزشكيان، الرئيس الإيراني، لم يخف من اللحظة الأولى ثقة القيادة العليا بوزير الثقافة، تلك الثقة التي ظهرت قبلها عندما أصدر المرشد الأعلى، على خامنئي، في حزيران/يونيو 2022، وبعد وفاة محمود دعائي، حكما بتعيين صالحي ممثلا للولي الفقيه ورئيسا لتحرير صحيفة اطلاعات الشهيرة، حين كشف أن حضور صالحي في التشكيلة الحكومية جاء بعد تنسيق مباشر مع المرشد. غير أن هذا الدعم لم يحمِه من انتقادات البرلمان، إذ، وحسب تقارير، يعتبر المجلس الحالي ذو الأغلبية الأصولية، ملفات الثقافة والفن ميدانا لا يقل حساسية عن الاقتصاد والسياسة الخارجية.

أولى شرارات الخلاف كانت في تموز/يوليو 2024 حين حضر صالحي إلى المجلس لتقديم إيضاحات حول عرض فيلم العازب الكبير، والذي وصفه النواب أنه تجاوز حبكة الانتقام ليقدم مرآة صادمة للجروح الاجتماعية مثل العزلة وانهيار الأخلاق وتفكك العلاقات الإنسانية، ونشر كتاب الاحتلال لصادق زيبا كلام، الناشط المعارض ذو التصريحات الجدلية، في معرض طهران الدولي للكتاب وإقامة مهرجان كوجه للموسيقي في بوشهر، لم يقنع رده أغلبية النواب فجاءت النتيجة تعادلا لافتا (119 صوت مع، 119 ضد، 8 ممتنع) أدى إلى منحه بطاقة صفراء، وفي الجلسة نفسها عرض النائب فتح الله توسلي ألبوما من صور نادرة رضائي، نائبة وزير الثقافة والإرشاد للشؤون الفنية، مع شخصيات إصلاحية بارزة بينها الرئيس الأسبق محمد خاتمي، في خطوة فسّرها مراقبون بأنها محاولة لتأطير الخلافات الفنية ضمن سياق سياسي أوسع.

Image

وبعد شهر واحد من تلك الجلسة، تصاعد الموقف عبر نشر كشف راتب نادرة رضائي على المنصات الاجتماعية في محاولة واضحة للضغط الشعبي، ثم جاءت رسالة البرلمان الموقعة من 170 نائبا لتؤكد ما وصفوه بغياب التقدم في الملفات الرقابية للجنة الثقافية، حيث تضمن نص الرسالة لغة تحذيرية واضحة شددت على أن “بعض معاوني الوزير يقودون المجامع الثقافية والفنية بطريقة أثارت حفيظة الغيورين من أهل الفن على اختلاف توجهاتهم، وهذا النهج شجع على التمادي في أعمال مدمرة تقوض الهيكل الثقافي والوحدة الوطنية”، مع ذكر رضائي بالاسم بوصفها أبرز هؤلاء، كما ذكر النواب بأن التهديدات الخارجية التي تستهدف النسيج الوطني عبر الثقافة والفن تفرض على الوزارة أن تكون أكثر صرامة في اختيار كوادرها.

Image

أحد أبرز أسباب التصعيد هو ملف الحفلات الموسيقية، فمع تعيين رضائي ارتفعت آمال العاملين في المجال الفني بانفراجه حقيقية، وصدر عدد من التراخيص استنادا إلى الوثيقة الوطنية للموسيقى، لكن إلغاء الحفلات المتكرر بدد التفاؤل، فقد ألغيت حفلات محسن إبراهيم زادة في ياسوج وكجساران، وتعطلت جميع الحفلات في أكتوبر 2024، إثر استشهاد حسن نصر الله الأمين العام لحزب الله بعد غارة إسرائيلية، كما منعت حفلات فرقة ليان في تبريز وشيراز وخوزستان وأصفهان بسبب وجود عازفة، وأُلغي حفل محمد أصفهاني في كرمان عقب حادث حافلة أودى بحياة ستة تلاميذ، إضافة إلى إلغاء حفل حامد همايون في كرمان في نيسان/أبريل 2025، وحفل عليرضا قرباني في طهران بسبب تحذيرات جوية، حتى حفل همایون شجريان المجاني في ساحة الحرية أواخر الصيف الحالي أثار سجالا طويلا قبل أن يتوقف نهائيا، هذه السلسلة خلقت صورة سلبية عن قدرة الوزارة على حماية الفضاء الفني من التدخلات المتشددة، وزادت حدة الانتقادات البرلمانية.

Image

مهرجان كوجه للموسيقي الشعبية، والذي يقام في محافظة بوشهر منذ 2017، مثل هو الآخر رمزا للتوتر، فقد كان مقررا أن تعقد الدورة الرابعة من المهرجان في أيار/مايو 2025 لكنها اصطدمت بمعارضة إمام جمعة دشتستان ومسؤولين محليين اعتبروا المهرجان مخالفا للضوابط الشرعية وطالبوا بنقله إلى قاعات مغلقة، في المقابل رفض المنظمون بحجة أن الفضاء المفتوح جزء من هوية المهرجان. وبعد شد وجذب إعلامي، أعلنت السلطات إصدار الترخيص فأقيم المهرجان فعلا لكن حادث انفجار ميناء الشهيد رجائي في بندر عباس ألقى بظلاله وحول أجواء الاحتفال إلى طابع حداد ومواساة، ورغم تنفيذ المهرجان اعتبره خصوم الوزير دليلا إضافيا على سوء تقدير الوزارة.

تعارض برلماني

بهذا الشأن، قال النائب حسين علي حاجي دليكاني، النائب البرلماني عن شاهين شهر وميمه وبرخوار وعضو لجنة المادة 90 في البرلمان الإيراني، وذلك خلال حوار مع صحيفة هم ميهن الإثنين 8 أيلول/سبتمبر 2025، إن أداء وزارة الثقافة والإرشاد لم يأتِ منسجما مع القيم الوطنية التي استثمرت الدولة للحفاظ عليها، موضحا أن كثيرا من القرارات المتخذة في القطاع الفني ترتب عليها تكاليف غير مبررة على المجتمع بدل أن تخدم الاستقرار.

Image

هذا وقد أشار حاجي دليكاني إلى أن الرسالة التي وقعها 170 نائبا والموجهة إلى وزير الثقافة والإرشاد تعبر عن سحب الثقة عمليا من الوزير، حتى وإن اتخذت شكل مذكرة تنبيه في هذه المرحلة، وقال: “يتوقع البرلمان من الوزير أن يحيط نفسه بمعاونين يستطيع الدفاع عن أدائهم، لكن الأداء الحالي لم يكن بمستوى الاستثمار الذي بذل لحماية أمن البلاد ووحدة أراضيها”.

وأضاف النائب البرلماني أن جوهر الاعتراض يتعلق بغياب الرؤية الاستراتيجية عند اتخاذ القرارات، فالحكومة، على حد وصفه، أقرت بعض الحفلات بدعوى تعزيز الانسجام الوطني، لكنها ألغتها لاحقا تحت ذرائع مختلفة، وهو ما يعكس، برأيه، ضعفا في التخطيط، وتابع: “عندما يتخذ القرار ينبغي النظر إلى كل الظروف، أوضاع البلاد الداخلية، المشهد الإقليمي، والتوازنات الدولية، يجب أن تتخذ القرارات بطريقة لا تستدعي لاحقا الإلغاء وما يترتب عليه من أعباء إضافية”.

كذلك، فقد صرح فريد موسوي، نائب مراغة وعضو لجنة الشؤون الداخلية في البرلمان، بأن جر السجال الثقافي إلى حروب الأسماء يعد إجحافا في حق المجتمع الفني والوزارة معا، مؤكدا أن وزارة الثقافة مطالَبة بإبراز منجزها العملي للرأي العام بدل الغرق في ضجيج الجدل، وأوضح أن تعيين السيدة نادره رضائي في منصب معاون الشؤون الفنية يمثل خطوة إيجابية؛ لكونها أول امرأة تتبوأ هذا الموقع، غير أن معيار الحكم في النهاية يجب أن يكون الكفاءة والفاعلية لا مجرد النوع الاجتماعي أو الشعارات.

Image

وأشار موسوي إلى أن بعض النواب، ومنهم فتح ‌الله توسلي، رأوا في عرض فيلم العازب الأكبر ونشر كتاب الاحتلال وتنظيم مهرجان الموسيقى الشعبية أمثلة على إخفاق الوزارة، فدفعوا نحو مساءلة، بينما يرى آخرون أن أداء الوزارة يتأثر بتراكم قيود وإهمال موروث من الحكومات السابقة، وأنه من الضروري منح الوزير فرصة حقيقية لتقديم خططه بدل التسرّع في الإدانة.

وأوضح موسوي أن “وزارة الثقافة مطالَبة بالشفافية في عرض نتائجها، ولا ينبغي السماح للحواشي بأن تتحكم في الفضاء الفني”، لافتا إلى أن الأداء أثناء حرب الاثني عشر يوما كان مقبولا، وأن نصف أعضاء البرلمان صوتوا تأييدا له، واعتبر أن “خلق بيئة هادئة بعيدا عن التشهير بالأشخاص شرط لتطوير العمل الثقافي والفني”.

وفي ملف الحفلات الغنائية، شدد موسوي على أنه “إصدار الترخيص من وزارة الثقافة يعد إقرارا رسميا وقانونيا، وأي إلغاء مفاجئ يضعف الوزارة ويقوّض ثقة الناس”، مضيفا أن المجتمع، بعد ضغط الحرب وتبعاتها النفسية، يحتاج إلى جرعات من الفرح والأمل، وأن النشاطات الفنية ليست ترفا، بل أداة لترميم الروح الجماعية وتعزيز التلاحم الوطني، معتبرا أن حماية الحفلات القانونية رسالة واضحة للجمهور بأن القانون يسمو على الأهواء المؤقتة، داعيا الوزارة للتنسيق مع الجهات الأمنية والتنظيمية لضمان تنفيذ كل برنامج مصرح به.

وبشأن الحديث عن استجواب الوزير، رأى موسوي أن المساءلة حق برلماني، لكنها تصبح سياسية إذا خلت من المعايير المهنية، مضيفا أن الوزير يعد داعما جادا للفنانين وحقوقهم الثقافية، وأن الأولوية الآن متابعة برامجه لا التعجيل بعزله، كما أقر موسوي بأن شطرا كبيرا من توقعات الناس لم يلب بعد، لكنه طالب بمراعاة واقع أن قطاع الثقافة في الحكومة ضعيف التمويل وغالبا ليس في صدارة الاهتمام الوطني.

وفي الأخير بيَّن موسوي أن القصور في البنى التحتية الثقافية يعكس ضعف اهتمام بعض الإدارات المحلية، ما يجعل سهام النقد تتجه إلى الوزارة رغم أن الوزير لا يتحمل المسؤولية كاملة، ودعا إلى خطط واضحة لتعزيز البهجة الاجتماعية وبناء الثقة بين الدولة والجمهور، مشيرا إلى أن الشعور بالتغيير لا يتحقق إلا حين يلمس المواطن دعما ملموسا للفنانين ودور النشر والسينما وحرية ثقافية منضبطة بالقانون.

يتضح من مجمل الأحداث أن عدم رضا البرلمان ينبع من مزيج معقد من الإخفاقات الإدارية في حماية الفضاء الفني، والحساسية السياسية تجاه شخصيات إصلاحية، وقراءة برلمانية تعتبر الثقافة خط الدفاع الأول عن الهوية الوطنية، الأيام المقبلة ستكشف إن كان الحوار سيغلب على المواجهة أم أن الصراع سيتعمق وصولا إلى تغيير وجوه أساسية في الوزارة، لكن المؤكد أن ملف الثقافة لم يعد شأنا فنيا بحتا، بل ساحة اختبار لمدى قدرة الحكومة والبرلمان على التوافق حول هوية إيران الثقافية في زمن الانقسام.