أكاديمي إيراني: الحرب الأخيرة أعادت ولادة الهوية الإيرانية.. و لا يجوز تحميل الأفغان مسؤولية الاختراق

أجرت صحيفة «آرمان ملي»، الأربعاء 16 يوليو/تموز 2025، حوارا معمّقا مع تقي آزاد أرمكي، أستاذ علم الاجتماع، للوقوف على الأبعاد الاجتماعية والسياسية لحرب إيران وإسرائيل، وتداعياتها على البنية الداخلية للمجتمع الإيراني.

وفي ما يلي نص الحوار:

ما التداعيات الاجتماعية لمعادلات الحرب الإيرانية-الإسرائيلية على المجتمع الإيراني؟
الحرب ليست ظاهرة بسيطة، بل هي معقدة، واحتمال احتلال الأراضي قائم فيها كذلك، فحرب إيران وإسرائيل أيضا رافقتها حالة من الإخلال بالشروط الاجتماعية والسياسية وغيرها، ومن جهة أخرى، أوجدت هذه الحرب الأخيرة في البلاد مسألة مَن هو الجاسوس، ومن الذي سلّم المعلومات إلى إسرائيل؟

في بداية حرب إيران وإسرائيل، تم اغتيال كبار قادتنا العسكريين، وهو وضع لم يسبق له مثيل في الحروب الكلاسيكية العالمية، وكانت حربا استثنائية من نوعها.

أنا أعتقد أن هذه الحروب كانت مصدرا للتغيير أكثر من الثورات، وسبب هذا الرأي هو أن التغييرات تحدث قبل الثورات، لكن في ما يخص الحروب، فالوضع على العكس، والتغيير يحصل بعد الحرب.

ولذلك، بعد حرب إيران وإسرائيل التي استمرت 12 يوما، ينبغي علينا أن نبحث عن التأثيرات التي خلّفتها هذه الحرب في المجتمع، أثناء الحرب، وحدهم العسكريون هم من يخوضون القتال، وليس من المفترض أن يحدث تغيير ما، فالتغيير الأساسي يحدث في فترة ما بعد الحرب.

نقطة أخرى تتعلق بحرب إيران وإسرائيل، هي أنه في هذه الحرب، تم تهميش الجماهير، وكانت التكنولوجيا هي التي أدت الدور الحاسم.

إحدى أهم النتائج الاجتماعية لحرب إيران وإسرائيل تمثلت في إحياء الشعور الوطني بين الإيرانيين، وولادة إيران من جديد.

في الواقع، واجهت حرب إيران وإسرائيل ظاهرة تُدعى ولادة إيران من جديد، وقد حدث هذا الأمر من خلال المجتمع المدني والطبقة الوسطى، إذ تمكّن المجتمع المدني، بما امتلكه من قدرات، خلال هذه الفترة، من أن يمنح لموضوع ولادة إيران من جديد طابعا فعليا.

لقد سلّطت الحرب الأخيرة الضوء بشكل جاد على مسألة الاختراق الأمني.. لماذا أصبحت ظاهرة الاختراق بهذا القدر من الجدية في المجتمع الإيراني، حتى باتت تشكّل تحديا لأمن البلاد؟


الواقع أن العدوّ الداخلي بات في الحرب الأخيرة أكثر حضورا من العدوّ الخارجي، العدوّ الخارجي كان يبعد نحو 1200 كيلومتر عن حدود إيران، لكن أولئك الذين مهّدوا ساحة اللعب للعدوّ الخارجي كانوا موجودين داخل إيران.

يمكن تناول مسألة الاختراق الأمني على عدّة مستويات، هناك مستوى من الاختراق يرتبط بالقوى الاجتماعية العامة، حيث فسّر البعض هذا  الاختراق على أنه ناجم عن الاستياء السياسي، واعتبروا أن هذه الفئة تُعدّ عناصر مخترقة.

فعلى سبيل المثال، يعتبر الأصوليون أن المشاركين في احتجاجات عام 2009 أو 2022 هم عناصر اختراق، وهناك أيضا من يرى أن اللاجئين الأفغان المقيمين في إيران يمثلون عناصر اختراق، ويختزلون القضية كلها في وجودهم داخل الأراضي الإيرانية.

في حين أن أيا من هذه الحالات لا يُعدّ اختراقا بالمعنى الحقيقي، لأن الاختراق في إيران هو مسألة معقّدة وتقنية.

الاختراق في مجتمع اليوم لا يعني أن شخصا ما يلتقط صورة ويرسلها إلى أجهزة استخبارات أجنبية، بل على العكس، فإن هذا الاختراق يتم بشكل منظّم، ومن خلال عناصر مدرَّبة، وهي التي هيّأت خلال حرب إيران وإسرائيل الظروف المناسبة لإلحاق الأذى والضرر الأكبر.

وأنا أرى أن الحل الجاد لهذه المشكلة يتطلب التركيز على مظاهر القصور في الإدارة والأمن.

فالهيكل الإداري في السنوات الأخيرة انشغل بما يشبه التسلية الذاتية، ولذلك غفل عن القضايا الحيوية والأساسية للبلاد.

في الواقع، تغيّرت أولويات الإدارة، وباتت تُعطى أهمية لقضايا لا تمثل أولوية حقيقية، على حساب قضايا أهم.

نقطة أخرى هي أن ظاهرة الاختراق الأمني أصبحت واسعة النطاق، ولهذا السبب يجب دراسة جذورها بجدية.

في ظل هذه الظروف، يرى البعض أن مسألة الاختراق مرتبطة بوجود الأفغان في البلاد، ما تحليلكم لأنماط سلوك الأفغان في إيران، لا سيما خلال حرب إيران وإسرائيل؟

 بعض الرعايا الأفغان هم أولئك الذين دخلوا إيران خلال فترة امتدت على مدى أربعين عاما، وقد تعاملت الحكومة معهم بتسامح، واحتضنتهم داخل المجتمع الإيراني.

ومن جهة أخرى، فإن المجتمع الإيراني أيضا تقبّلهم ودمجهم في نمط حياته. ولهذا السبب، في السنوات الأخيرة، أُوكلت نسبة كبيرة من أعمال البناء العمراني والصناعي، بل وحتى بعض قطاعات الخدمات، إلى المهاجرين الأفغان.

صحيحٌ أنه ربما كان هناك جزء من الأفغان الذين دخلوا البلاد ضمن مخطط معيّن ولإلحاق الضرر بها، لكن أسلوب التعامل مع الأفغان من أجل إخراجهم من البلاد ليس مناسبا، ويُعد تحريفا وتقليصا للمسألة.

إذا كان قد حدث اختراق داخل البلاد، فلا ينبغي أن نُحمّل مسؤوليته لأولئك الذين ربما قدّموا خدمات لهذا البلد.

الأفغان الذين خانوا إيران في هذه الحرب، ليسوا من بين الذين دخلوا البلاد بشكل قانوني ويملكون منزلا وحياة مستقرة، بل هم أولئك الذين لا يُعرفون، ولا يمكن العثور عليهم بسهولة.

التفسير الذي قدّمه بعض المتشددين لحرب إيران وإسرائيل اتّسم بالمبالغة، وهم يعبّرون عن مواقف توحي بضرورة خوض حرب جديدة، ما رأيكم في هذا السياق؟
أنا أعتقد أنه يجب إتاحة الفرصة للنظام السياسي كي يُعلن انتصاره في هذه الحرب داخل البلاد، وهذا أمر طبيعي يحدث في جميع دول العالم، ولا يُعدّ أمرا سيئا.

إذا لم يُعلن النظام السياسي أنه قد انتصر في الحرب، فإنه سيتفكك، ومن جهة أخرى، سيصاب النظام الاجتماعي بحالة من القلق.

النقطة المهمة في هذا السياق هي أن التفسير الذي يقدّمه التيار الأصولي للحرب مصحوبٌ بوهم، ولا ينبغي اعتماده كنموذج رئيسي لاتخاذ القرار في البلاد.

ينبغي أن تُترك عملية اتخاذ القرار في هذا الشأن للخبراء والمتخصصين، فنحن اليوم نمرّ بظرف اقتصادي واجتماعي معقّد.

وفي مثل هذه الظروف، إذا لم تكن النزعة اليمينية المتطرفة مهيمنة على البلاد، فثمّة احتمال لأن يشهد الهيكل السياسي الإيراني تحوّلا هادئا وطبيعيا، من دون أن يُفضي ذلك إلى أزمة أو فوضى حادّة.

في الواقع، دخل المجتمع الإيراني مسارا جديدا يسعى من خلاله إلى مواجهة الأزمات من داخله، بالاعتماد على ما ينبع من هويته الثقافية والوطنية،لا على وصفات مفروضة من الخارج.

نحن الإيرانيين نقف اليوم في لحظة تاريخية، لقد كنا في وقت سابق، ولأسباب مختلفة، مبتعدين عن “الذات”، وكنّا نشهد، بفعل المشكلات الاقتصادية، وقضايا الأرض، وطريقة التعامل مع الغرب، نوعا من الانفصال الاجتماعي العميق.

وكان من بين تلك الانفصالات: الانفصال بين الدولة والمجتمع، والانقسامات القائمة في الحقل السياسي.

ومع ذلك، فقد أتاحَت هذه الحرب اليوم فرصة للمجتمع الإيراني لإعادة التعرّف على ذاته، والسعي لإيجاد حلول منطقية لمشكلاته.