إيران بين أوهام التغيير والنموذج الفاشل لسياسات ظريف وروحاني

نشرت صحيفة كيهان الأصولية، مساء السبت 16 أغسطس/آب 2025، تقريرا ذكرت فيه أنه رغم أنّ الشعب لم يزل يعاني من تبعات الاتفاق النووي (برجام)، وتشديد العقوبات، والخراب الاقتصادي الذي أورثته حكومتا روحاني في ولايتيه الحادية عشرة والثانية عشرة، يعود كلٌّ من ظريف وروحاني مجددا بخطاب متكلّف عن «تغيير النموذج».

وأضافت الصحيفة أن وسائل الإعلام التي تدّعي الانتماء إلى الإصلاحات، تسعى من خلال تضخيم مقالة ظريف في المجلة الأمريكية فورين بوليسي، إلى إعادة تقديم نفس الإخفاقات السابقة في قالب مزين على أنها استراتيجية جديدة.

وتابعت أنه في الوقت الذي يواجه فيه الشعب الإيراني صعوبات معيشية، وارتفاعا في التضخم، واختلالات اقتصادية، عادت مرة أخرى نفس الشخصيات الفاشلة والمترددة في السياسة الخارجية، التي لم تقدّم طوال ثماني سنوات في رئاسة الحكومة والجهاز الدبلوماسي سوى الاتفاق النووي وتصاعد العقوبات، لتبرز هذه المرة كمنظرين نظريين. 

وأردفت أن ظريف نشر في المجلة الأمريكية فورين بوليسي، مقالة تحدث فيها بحماسة عن تغيير النموذج؛ وهو تغيير يرى أنه قادر على إحداث تحول كبير في إيران.

ونقلت عن ظريف قوله في هذه المقالة، إن المحاربين يسعون للاستفادة من إغلاق أي نافذة للدبلوماسية، وعلينا أن نمنعهم من تثبيت نموذج التهديد المدمر، ثم يقدّم، بنفس الأسلوب المألوف والمزخرف، وصفة لإيران والمنطقة تشمل، توسيع العلاقات مع الجيران، وإعادة فتح الحوار مع أوروبا والولايات المتحدة، وإقامة شراكات جديدة.

وأوردت أن روحاني صرّح في الأيام الماضية قائلا: “أولا، في هذا العدوان تم استغلال مفاجأة قذرة للغاية؛ بمعنى أن الحرب بدأت فعليا أثناء المفاوضات، وهذا النوع من المفاجآت يُعدّ عملا حقيرا للغاية، فدولة مثل الولايات المتحدة وإسرائيل، اللتان تمتلكان قوة عسكرية وترغبان في استخدامها في العدوان، لا يمكن تبرير اللجوء لمثل هذه المفاجآت بأي معيار”.

وأكَّدت أنه بمجرد نشر مقالة ظريف في فورين بوليسي، قامت وسائل الإعلام التابعة لما يُسمى بالإصلاحات، كما في السابق، بتسليط الضوء على المقالة بحماسة من خلال عناوين مثل وقت القرار الكبير، وتصميم استراتيجية جديدة، وقدَّمَتها على أنها ضرورة أساسية واستراتيجية علمية.

من ضمان توقيع كيري إلى تغيير النموذج

أوضحت الصحيفة أن هذه ليست المرة الأولى التي يحاول فيها ظريف، من خلال جمل مزخرفة وابتكار مصطلحات شبه أكاديمية، التغطية على إخفاقاته التاريخية وعدم كفاءته المفرطة في القضايا الدولية، فنفس الشخص الذي كان يتحدث بثقة عن استحالة خروج الولايات المتحدة من الاتفاق النووي، يعود اليوم متجاهلا ذلك الماضي المرير، ليخاطب الجمهور الخارجي ويتحدث عن فرص الاستثمار لأمريكا والعالم في إيران.

وأفادت بأن “هؤلاء السادة، بسذاجة مفرطة، جرّوا إيران إلى طاولة المفاوضات التي لم تُسفر إلا عن آلية الزناد، وعودة العقوبات متعددة الطبقات والحرب، وتساءلت كيف أنه بعد مرور سبع سنوات على انهيار الاتفاق النووي لا تزال تبعاته تخنق الاقتصاد الإيراني، ومع ذلك يواصل مهندسو الفشل الظهور كخبراء ومستشارين؟”.

وبيَّنت أنه حتى أقرب المؤيدين لروحاني، ومن يزعمون الانتماء إلى الإصلاحات، كانوا يفضّلون عدم التطرق إلى السجل الأسود لحكومته، وحتى بعض مؤيدي الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان تجنّبوا وصفه بالحكومة الثالثة لروحاني، ولكن الآن عاد ظريف وروحاني ليتحدثا مرة أخرى ويقدما وصفات لإيران والعالم كمعلمي السياسة العالمية. 

وأضافت أن ثلاث سنوات بعيدة عن السلطة لم تُنسِ الشعب الإيراني ما ألحقته هذه الجماعة بالاقتصاد والسياسة الخارجية والكرامة الوطنية.

الهوس اللامحدود بالعلم الذاتي

أبرزت الصحيفة أن إحدى السمات البارزة لهذه الجماعة هي اعتقادهم المفرط بعلمهم الذاتي، فهم يعتبرون أنفسهم سياسيين عالميين، ويعتقدون أن على الشعب الاستماع إلى آرائهم بلا نقاش، ومع ذلك، تمتلئ سجلاتهم بالأخطاء الجسيمة والتوقعات الخاطئة. 

وأبلغت أن “وعودهم امتدت من الادعاء بفتح الاقتصاد أمام الاستثمارات الأجنبية، إلى رفع العقوبات خلال أشهر قليلة، ومن اعتبار أوروبا شريكا موثوقا، إلى تصوير السوق الإيرانية كبوابة ذهبية للغرب، ولم يتحقق أي من هذه الادعاءات فعليا، كما أن تحليلاتهم خلال العشرين عاما الماضية لم تقترب من الواقع، وحتى توقعاتهم وتحليلاتهم خلال عام 2025 لم تثبت صحتها”.

وأشارت الصحيفة إلى أن “هؤلاء الأشخاص، رغم أن مواقفهم قد دُحضت مرارا في حينها، فإنهم عادوا ليتحدثوا بوقاحة عن شجاعة بناء مستقبل مشترك، وقد كانوا نفسهم الذين وعدوا، عبر الاتفاق النووي، بأن تدور عجلة أجهزة الطرد المركزي وعجلة حياة الشعب في الوقت نفسه، وفي النهاية لم تدُر أي منهما، كما أن الأمريكيين والدول الغربية الأخرى لا يظهرون رغبة فعلية في بناء عالم مشترك يقوم على الاحترام مع إيران والدول الإسلامية”.

تغيير النموذج أم إعادة إنتاج الفشل؟

أوضحت الصحيفة أن ظريف لفت في مقاله إلى الاتفاق الأخير بين واشنطن وأذربيجان وأرمينيا، وادعى أن هذا الاتفاق يشكل فرصة لتعاون إيران وروسيا وتركيا، وربط هذا الموضوع بما أسماه نموذج الفرصة، واعتبر أن هذا الحدث قد يهيئ أيضا المجال أمام استثمارات الشركات الأمريكية في المنطقة.

وبيَّنت أن ظريف يتحدث مرة أخرى عن فرص استثمار أمريكية، رغم أن تجربة الاتفاق النووي المريرة ما زالت حاضرة في ذاكرة الشعب، ويُعد هذا الكلام مجرد إعادة إنتاج لنفس الخطأ الاستراتيجي المتمثل في الثقة بالغرب، وليس تغيير النموذج فعليا.

وأردفت أن غالبية خبراء القوقاز والمحللين الجيوسياسيين وحتى أساتذة الجامعات داخل إيران حذروا مرارا من أن المشروع الأمريكي–الإسرائيلي المعروف بممر زانغزور ليس سوى فخ لقطع وصول إيران إلى أرمينيا وأوروبا، ولعزلها جغرافيا وفرض حصار استراتيجي عليها في القوقاز، ومع ذلك أبدى ظريف لإيران موقفا يدعم العدو حتى في هذه النقطة، ويُعد ذلك تصرفا يعكس السذاجة أو ما هو أكثر منها.

وأفادت بأن ممر زانغزور من منظور جميع المراقبين المخلصين لإيران، يُعد أداة لجذب حلف الناتو إلى عمق القوقاز الجنوبي وتعزيز وجود إسرائيل على الحدود الشمالية لإيران، لكن في قاموس ظريف، لا يُعد هذا المشروع الأمريكي تهديدا واضحا، بل فرصة للتعاون في النقل العابر! 

وأظهرت أن “هذا الخطأ في الحسابات هو نفسه الذي وقع في الاتفاق النووي، حيث قُدمت العقوبات متعددة الطبقات على أنها رفع للعقوبات، وفي النهاية لم يُثمر ذلك سوى زيادة الضغط والقيود على إيران”.

وذكرت أن “الناس يعرفون اليوم أكثر من أي وقت مضى أن ادعاء هذا التيار بمنع الحرب لم يكن سوى خدعة، فقد شهدت إيران، في الذكرى السنوية الأولى للحكومة نفسها التي كان من المفترض، حسب اعتراف ظريف، أن تمنع الحرب، كلا من الحرب وفرض عقوبات أشد، واليوم أيضا، يثقل سوء إدارتهم وقلة حكمتهم كاهل الشعب، وقد فهم الناس جيدا أن الاعتماد على وصفات ظريف وروحاني لم يحقق سوى خسائر واضحة”.

الشعب لم ينسَ
أبرزت الصحيفة أن “الناس يعلمون جيدا لماذا كان أقل تذبذب في سعر الصرف في تلك الأيام يُحدث أزمة لحياة ملايين العائلات اليومية، وهم يعرفون أي حكومة، بسوء إدارتها وسذاجتها، تركت إيران في وضع لم يعد حتى تأمين السلع الأساسية فيه ميسرا، ولم يُنسى كيف ارتفع الدولار من 3 آلاف ريال إيراني إلى نحو 30 ألف ريال إيراني تقريبا (أي عشرة أضعاف)، وصارت مائدة الشعب أصغر يوما بعد يوم”.

وأضافت أنه “مع هذا السجل، من الطبيعي أن يثير استهجان الناس ظهور روحاني وظريف اليوم، بدلا من المحاسبة، كمعلمين للسياسة العالمية ومنظرين، وكان عليهما أولا توضيح سبب سذاجتهما في قضية الاتفاق النووي، التي أوصلت إيران إلى هذا الوضع، وشرح سبب عدم تحقق وعودهما المبهرة برفع العقوبات، والانفتاح الاقتصادي، والعلاقات مع العالم، وازدهار السوق، بينما ازدادت العقوبات وطغى الضغط.

وكشفت الحقيقة أن الأمور واضحة، فبدلا من الهروب إلى الأمام والشعارات الجديدة، يجب على روحاني وظريف أن يقدما إجابات عن الأضرار الجسيمة التي فرضتها إدارتهما الخاطئة وثقتهما بالغرب على إيران، والشعب الذي تأثر بالغلاء والركود والتضخم في السنوات الأخيرة من حكم روحاني لن ينسى هذه الذكرى المريرة أبدا”.

ونوّهت إلى أن “وصف روحاني وظریف لوصفات اليوم لإيران والعالم يشبه إلى حد بعيد نكتة سوداء، فهؤلاء الذين دفعوا الاقتصاد والسياسة الخارجية لإيران إلى حافة الهاوية بسجلهم المليء بالأضرار والإخفاقات، لا يملكون أي صلاحية لتحديد مسار المستقبل، كما أن خططهم المزخرفة في الأشهر الأخيرة لم تُحدث أي أثر على المستوى الإقليمي أو العالمي”.

عناوين مزخرفة.. الصحف التي تدّعي الانتماء إلى الإصلاحات

أكَّدت الصحيفة أنه فور نشر مقالة ظريف الأخيرة في فورين بوليسي، عادت وسائل الإعلام التابعة لما يُسمى بالإصلاحات مرة أخرى، فاستعرضتها بحماس بالغ وقدمتها على أنها نقطة تحول وضرورة تغيير جذري.

 وأوضحت أن صحفا مثل شرق، وهم‌ميهن، وآرمان ملي وسازندگي، استخدمت عناوين مثل وقت القرار الكبير، وتصميم استراتيجية وطنية جديدة، وكونوا صانعي القرار للتغيير النموذجي في محاولة لتقديم مقالة ظريف كاستراتيجية علمية وضرورة لا مفر منها.

سلَّطت الضوء على أن هناك من تحدث بعد الحرب عن التفاوض مع أمريكا كما لو أنهم طوال الـ12 يوما من الحرب، مثل الطيور التي تخفي رؤوسها في الرمال، وهؤلاء اقترحوا بعد الحرب الخروج من سياسة خارجية متجمدة.

وفسَّرت أن هذا القرار الكبير، وإعادة تعريف عناصر السياسة الخارجية التي تكرر هذه الصحف التأكيد عليها، ليست سوى الخطط الساذجة والخيالية وأحيانا المضادة للمصلحة الوطنية التي طالما اتبعها نفس التيار الموالي للغرب والدبلوماسيون المزعومون المتمرسون، والتي كل مرة كلفت إيران ثمنا أكبر.

وأضافت أن صحف الإصلاحات أشادت مرارا وباندفاع بالدبلوماسيين ذوي الخبرة، كأن مجرد طول المدة في وزارة الخارجية أو الجلوس على طاولة التفاوض مع الغرب يعني تلقائيا النجاح وحماية المصالح الوطنية، لكن عند النظر إلى سجل هؤلاء، لا نجد سوى سلسلة من الإخفاقات والتنازلات عديمة الجدوى.

وأبرزت أن الإخفاقات المتكررة بالنسبة لهذا التيار، ليست سببا للصمت، بل فرصة لإعادة إنتاج أنفسهم في الساحة الإعلامية، فهم يحاولون بتلك العناوين المزخرفة والكلمات الرنانة مثل التحول النموذجي، وإعادة تعريف العناصر، واستراتيجية جديدة، تجميل إخفاقاتهم التاريخية والعودة إلى ساحة صناعة القرار.

وأكَّدت أن “صحف التيار المزعوم للإصلاحات تلعب اليوم نفس الدور الذي لعبته أثناء الاتفاق النووي، وهو تلميع السذاجة الممزوجة بالخيانة، والتاريخ يشهد أن هذا السجل الدبلوماسي اللامع لم يكن سوى سلسلة من الإخفاقات والتراجع والخسائر”.

التغطية تحت شعار النموذج الجديد

وفي الختام أظهرت الصحيفة أن “الحقيقة هي أن تغيير النموذج في قاموس ظريف ليس سوى وسيلة للتغطية على إخفاقاته وخياناته السابقة، وما يسميه ظريف بتغيير النموذج ليس إلا إعادة إنتاج لنفس أوهام الاتفاق النووي، وقد أدرك الشعب الإيراني بوضوح أن الموالين للغرب لم يحرروا حياة الناس من أي عقدة، بل أضافوا بعقلياتهم الخاطئة عقدا جديدة على المشكلات القائمة”.