إيران بين صمت الحكومة وتصريحات بزشکیان المثيرة للجدل

نشرت وكالة أنباء خبر أونلاين الإيرانية المحسوبة على مكتب علي لاريجاني، الأحد 17 أغسطس/آب 2025، تقريرا ذكرت فيه أن الرئيس الإيراني مسعود بزشکیان، أصبح ثاني المتحدثين باسم الحكومة؛ لتعويض صمت أعضاء حكومته، وربما، وبفضل أداء المتحدث الرسمي للحكومة، يمكن القول إن بزشکیان يتولى أيضا مهام المتحدث الرسمي للحكومة في الوقت نفسه. 

وأضافت الوكالة أن “كل شيء تقريبا، من مشكلة الخلل المالي ونقص المياه خلف السدود، إلى عدد المساجد في إيران، والسياسات الخارجية، يظهر في تصريحات بزشکیان، وفي بعض الأحيان، ترافق تصريحاتُه أخطاء وسقطات، وهذا الأمر منح معارضيه ذريعة للهجوم عليه وعلى الحكومة”.

وتابعت أنه “في ظل صمت معاونيه المعينين، ومن ضمنهم نوابه، تقع مسؤولية الرد بشكل كامل على عاتق بزشکیان، ويُتوقع من رئيس الحكومة نفسه الإدلاء بأي تصريح أو موقف رسمي من أي منصة”.

وضربت مثالا على هذا الصمت بالنائب الأول لرئيس الجمهورية، محمد رضا عارف، الذي يختلف كثيرا عن نواب الرئيس في الحكومات السابقة الذين كانوا يظهرون نشاطهم بوضوح، وخصوصا مقارنة بالنائب الأول لحكومة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني، إسحاق جهانغيري، الذي كان يتصرف وكأنه رئيس جمهورية بحد ذاته.

 تصريحات مثيرة لبزشكيان أمام وسائل الإعلام

أوضحت الوكالة أن بزشکیان قرر تعويض صمت بعض أعضاء حكومته بنفسه؛ لكن، حسب اعتقاد بعض المراقبين، فقد وقع في المبالغة بالكلام واصبح قريبا من الانزلاق بسبب هذا الإفراط في التصريحات، ومن الطبيعي أن تمنح هذه التصريحات المتهورة فرصة لمعارضيه، وكان خطابُه أمام مديري وسائل الإعلام مثالا على ذلك، وفي مقطع قصير من فيديو هذا الاجتماع، أظهر رئيس الحكومة موقفه من السياسة الخارجية، وهو ما لم يرضِ معارضيه.

ونقلت عن بزشكيان قوله إن السلام الذي يعرضه العدو لا يجب رفضه، مشددا على أن ذلك لا يعني الاستسلام، وأضاف أنه إذا توقفنا عن الكلام (المفاوضات)، فماذا نفعل؟ هل نلجأ للقتال؟ حسنا، البرنامج النووي الذي تعرض للضرب سنعيد بناؤه، وهم قد يهاجمون مرة أخرى، فما هو الحل؟

بداية موج الردود؛ من كيهان إلى فرهيختگان ضد بزشکیان

أفادت الوكالة بأن هذه العبارات من بزشکیان كانت ردا على المدير المسؤول لصحيفة كيهان، حسين شريعتمداري، الذي وصف في نفس الاجتماع المفاوضات مع أمريكا بأنها بمثابة استسلام، لكن نشر ردود بزشکیان أثار على الفور ردود فعل من جميع الأطياف السياسية، من اليسار إلى اليمين.

وأبرزت أن “واحدا من هذه الردود جاءت من حسين شريعتمداري نفسه، الذي كتب في صحيفته أن جزء من تصريحات بزشکیان، خلال لقائه مع وسائل الإعلام، كانت تحمل نبرة هذا الرأي، فإما أن نخضع لمطالب أمريكا عبر المفاوضات أو نرضخ لمطالبها خلال الحرب! في هذا الطرح، لا مكان للثبات والمقاومة، فكلا الطرفين عاجزان عن الصمود!”.

وأوردت ما كتبته صحيفة فرهيختكان الأصولية، مشيرة إلى أنه “من الواضح أنه عندما يُقال إنه لا خيار أمامنا سوى التفاوض، فإن الطرف المقابل سيكون أقل استعدادا لتقديم تنازلات وأكثر ميلا لتصعيد التوتر، خاصة عندما يدعي بزشكيان أن كلا من العقوبات وفرض الحرب على إيران كان له أثر، في حين أن كلا الادعاءين يبتعد عن اللغة السياسية المناسبة، وبمثل هذه التصريحات يحرق بزشكيان طاولة المفاوضات دون قصد”.

وذكرت الوكالة قول النائب المساعد للشؤون السياسية في الحرس الثوري في جزء من مقاله، أن المجال السياسي الخارجي ليس مكانا للتعبير عن كل حقيقة، لافتا إلى أن المخاطر الناجمة عن قول عبارات خاطئة من قبل كبار مسؤولي الدولة تصيب، قبل أي شيء، دولتهم نفسها، وتجعل عملهم في الساحة المعقدة والمكثفة للسياسة الخارجية، وحتى السياسة الداخلية، أكثر صعوبة.

استغلال المعارضين الداخليين لتصريحات پزشکیان

أكَّدت الوكالة أن “تصريحات بزشکیان أعطت بحسب النقاد فرصة للاستفادة منها من قبل الأمريكيين، إلا أن المعارضين والمنتقدين للحكومة بدوا الأكثر استفادة من هذه التصريحات”.

وأشارت إلى قول محلل الشؤون الخارجية المقرب من سعيد جليلي، فؤاد إيزدي، على منصة إكس، إن استنتاج المسؤولين الأمريكيين من تصريحات بزشكيان سيكون أن أي هجوم مستقبلي على إيران لن يكون مكلفا للولايات المتحدة، مضيفا أن تصريحاته الأخيرة زادت من احتمال وقوع هجوم عسكري لاحق على إيران، وأردف أنه لو كانت عبارة (نحن لسنا أهل الشجار) كافية لمنع الحرب، لما وقع الهجوم السابق.

وأبرزت أن “النقد لم يقتصر على التيار المحافظ، فقد كتب مستشار الرئيس خلال فترة حسن روحاني حسام الدين أشنا، على منصة إكس أيضا، توقفوا عن المزاح والارتجال، لا تتحدثوا بطريقة مبعثرة، وعلى الأقل لا تنشروا الكلام المبعثر، فالرئيس هو الشخصية الرسمية الثانية في إيران ويجب أن يتحدث بدقة على مستوى الشخص الثاني، أو لا تُنشر تصريحاته مباشرة”. 

وأضاف قائلا: “انظروا إلى القيادة، فهي لا تتحدث أبدا دون ملاحظات مكتوبة، مع العلم أنها أول الخطباء في إيران”.

وأظهرت أن “التيار المقرب من بايداري المعروف بتشدده في الكلام والسلوك، استغل تصريحات بزشكيان واعتبرها فرصة مناسبة ليتابع مشروع تشبيهه ببني صدر، فقد واصلوا موجة الطعن في الكفاءة السياسية لبزشکیان، التي بدأت بعد زيارته لأذربيجان ومقابلته مع الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون”.

وبيَّنت أن “بزشکیان وضع نفسه في مرمى معارضيه بينما يحيط به بعض العاملين في وسائل الإعلام، ويبدو في هذا السياق إما أنه لا يقبل آراء فريقه الإعلامي، أو أن الفريق يعتبر مسؤوليته أحادية الجانب، مقتصرا على نقل الأخبار والفعاليات الحكومية فقط”.

“أنت حجاب نفسك”

أكَّدت الوكالة أن تصريحات بزشكيان لم تعكس الوضع الذي استلم فيه إيران، وأوضح بزشکیان قائلا: “إنهم كانوا يقولون إننا ورثنا شيئا جيدا، لكن لا يوجد مال فيه؛ لا أريد أن أشتكي، لكن الحقيقة أننا حصلنا على إذن من القيادة لاستخدام جزء من صندوق التنمية الوطني لتسوية الديون، ومع ذلك، اكتفى بهذه العبارات المبهمة والمقتضبة حتى لا يُضعف وفاقه، وفق تقديره”.

وأوضحت أن “هذا الصمت منح معارضيه فرصة أكبر للسيطرة الإعلامية؛ ومن جهة أخرى، جعل صمت بزشکیان المسببين للحالة الراهنة، أي أنصار ومسؤولي الحكومة السابقة، يرون المجال مناسبا لمهاجمة الحكومة الحالية”.

وفي الختام، أقرَّت الوكالة بأنه “لا يمكن إنكار أن جزءا من الردود والهجمات على بزشكيان كان تمهيدا لها من قبله ومن محيطه، فالمحيطون، خشية أن يضر كلامهم بزشكيان، تركوه وحيدا في ساحة الإعلام، محوّلين بزشكيان عمليا إلى هدف إعلامي، ورغم أن محيطه مليء بالعاملين في الإعلام القادرين على توجيهه حول متى وأين يتحدث، إلا أن كل هذا الحديث المفرط ليس ضروريا”.