- زاد إيران - المحرر
- 1035 Views
كتب: نيما موسوي
تزامن صعود أسرة بهلوي إلى الحكم عام 1925 مع تنامي المراكز الصهيونية في إيران، وعلى عكس النزعة القومية التي تبنّاها مصطفى كمال باشا في تركيا، والتي ارتكزت على جعل الإسلام هوية عرقية وعلى الصدام الحاد مع الأرمن واليونانيين في الأناضول، اتّجه رضا شاه بهلوي إلى إضعاف دور الإسلام، مقابل منح اليهود والبهائيين هامشا أوسع من الحرية داخل البلاد.
وكان “اتحاد الصهيونية في إيران”، الذي تأسّس في مطلع القرن العشرين، قد انتقل مع تولّي رضا شاه الحكم إلى مرحلة النشاط العلني، فحتى ذلك الحين كان اليهود الإيرانيون يعيشون في أحياء معزولة عن المدن استنادا إلى فتوى «الشيخ البهائي»، فقيه القرن السادس عشر الذي اعتبر اليهود «نجسا». ولم يتبدّل هذا الواقع إلا مع علمنة القضاء في عهد رضا شاه، حين أُلغيت القوانين المناهضة لليهود.
وفي عهد محمد رضا بهلوي الثاني برز العديد من الشخصيات السياسية ذات الأصول اليهودية أو البهائية، وتمكّنت من الوصول إلى مواقع مؤثرة في هرم السلطة.
في عام 1948، ومع تأسيس دولة إسرائيل، لم تُقدِم من الدول الإسلامية على الاعتراف بها سوى دولتين: تركيا وإيران، وفي تلك الفترة قدّم «بن غوريون»، مدفوعا بواقع أنّ إسرائيل محاصَرة بالدول العربية، أطروحة أمنية محورية، إذ رأى أنّ إسرائيل تحتاج لتعويض عجزها الجغرافي والاستراتيجي عبر مدّ جسور مع هويات متعارضة داخل الشرق الأوسط، ومن هنا، شكّلت علاقاتها مع الموارنة في لبنان، والدروز في سوريا، والأكراد في العراق أدوات ضغط على العرب، أسهمت في تعديل سلوكهم.

كما اعتبر بن غوريون أنّ سبيل إسرائيل إلى محاصرة الأنظمة العربية يمرّ عبر التقارب مع جيران تلك الدول، ولهذا فإنّ انفتاحها المبكر على تركيا، وإيران (في عهد بهلوي)، والهند، وإثيوبيا جاء في إطار هذا النهج، غير أنّ السؤال المطروح هو: هل كان اعتراف إيران بإسرائيل في أربعينيات القرن الماضي قائما على أساس المصلحة؟
السبب الأول كان حاجة إيران الفنية إلى الاستفادة من «مشروع مارشال» الذي وضعته إدارة الرئيس ترومان لمساعدة دول العالم الثالث، واللافت أنّ إيران وتركيا كانتا من أبرز المستفيدين من المساعدات الفنية في إطار هذا المشروع، وبالنظر إلى حساسية إدارة ترومان، بادر الشاه إلى الاعتراف الضمني (دي فاكتو) بإسرائيل لتأمين الحصول على تلك المساعدات.
إلى جانب ذلك، يشير بعض المؤرخين الغربيين، مثل ويليام شوكروس، إلى أنّ رشوة مالية كبيرة قدّمتها إسرائيل لمحمد ساعد، رئيس الوزراء الإيراني آنذاك، كانت من بين الدوافع التي جعلت الشاه يقرّ الاعتراف بإسرائيل.
العوامل التي ربطت الشاه بإسرائيل كانت متعددة؛ فإسرائيل كانت بحاجة إلى النفط الإيراني في ظل الحظر النفطي العربي المفروض عليها، كما احتاج جهازها الأمني إلى التعاون مع إيران للتجسس على الدول العربية في منطقة الخليج وكذلك على العراق. وفي المقابل كان الشاه يدرك أن تحسين علاقاته مع الولايات المتحدة يمرّ عبر الاعتراف بإسرائيل، وإلى جانب ذلك، كان بحاجة إلى الخبرات الإسرائيلية في مجال الزراعة، فضلا عن الدعم الاستخباري الذي ساعده في تطوير جهازه الأمني الجديد آنذاك (السافاك).

هذه العوامل مجتمعة كانت أبرز أسباب التقارب بين الشاه وإسرائيل، وقد تجسّد أول أشكال هذا التعاون في أواخر الخمسينيات من خلال تأسيس شركة «ترانس آسیاتك»، وهي شركة نفط مشتركة بين إيران وإسرائيل.
وفي إطار التعاون النفطي بين الطرفين أُنشئ خط أنابيب «إيلات–عسقلان» الاستراتيجي، الذي ربط شبكة الطاقة بين البحر الأحمر والبحر المتوسط، ومن هنا اكتسبت مصفاة عسقلان أهمية استراتيجية خاصة بالنسبة لإسرائيل، إلى جانب المنشآت النفطية الأخرى التي تعود جذورها إلى فترة الانتداب البريطاني في فلسطين، والتي ورثتها إسرائيل لاحقا.
في مقابل التعاون النفطي بين الشاه وإسرائيل، قدّمت إسرائيل مساعدات فنية في مجال الزراعة، فمع الضغوط التي مارسها الرئيس الأميركي جون كينيدي على الشاه لتنفيذ إصلاحات زراعية في إيران، اتجه الشاه إلى ميكنة الزراعة، وأصبح بحاجة إلى الخبرة الفنية الإسرائيلية، وقد شكّل كلٌّ من مشروع سد دز في خوزستان وسهل قزوين نموذجا تجريبيا للمشاريع الزراعية الإسرائيلية في إيران.
وبعد الزلزال الكبير الذي ضرب بوئين زهرا في سهل قزوين عام 1962، لعبت إسرائيل دورا بارزا في إعادة إعمار المناطق المتضررة، وهو ما تداخل مع مشروعها الزراعي هناك. ومن هنا تحديدا جاء تحذير الإمام الخميني، أبرز معارضي الشاه، في خطابه الشهير عام 1963، من خطر تغلغل النفوذ الإسرائيلي في الزراعة الإيرانية. ويعتقد كثيرون أن هذا الحضور كان له أثر بالغ في تسارع وتيرة جفاف الهضبة الإيرانية خلال العقود الستة الماضية.

ومن الناحية الأمنية، سعت إسرائيل إلى إنشاء محطات تنصّت إذاعية على الحدود الإيرانية- العراقية لمراقبة الدول العربية، وقد أُنشئت هذه القواعد في مناطق مثل كردستان، وعيلام، وخوزستان، حيث تولّت مهمة رصد العراق، وفي إطار هذا التعاون، نفّذ جهازا السافاك والموساد مشاريع أمنية مشتركة داخل دول عربية، كان أبرزها مشروع كريستال، كما لعب الجهازان دورا محوريا في تأجيج الأزمة في كردستان العراق ما بين عام 1964 وحتى توقيع اتفاقية الجزائر، إذ شكّلت كردستان ورقة ضغط على واحد من أوسع الدول العربية مساحة وأكثرها تأثيرا، والذي كان بمثابة داعم لسوريا ومصر والأردن.
إلى جانب ذلك، كان الشاه بحاجة ماسّة إلى تطوير جهازه الأمني الوليد؛ وقد تولّى الموساد، أحد أقوى أجهزة الاستخبارات في العالم، مهمة تدريب السافاك ورفع كفاءته الفنية، وبالفعل أصبح السافاك في زمانه أكثر الأجهزة الأمنية تطورا في تاريخ إيران، متفوّقا على مؤسسات مثل “رُكن دو” في الجيش أو الشرطة السياسية، التي لم تقترب أبدا من مستوى قوته.
ومع حلول السبعينيات بلغ السافاك درجة من النفوذ مكّنته من تجاوز حدود المهام الإقليمية إلى المشاركة في عمليات عالمية، خاصة بعد فضيحة ووترغيت وما تلاها من تقليص صلاحيات وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية (CIA). وفي إطار برنامج “سافاري”، جرى الاستعانة بالسافاك في عدد من المهمات الدولية، مثل مواجهة جبهة البوليساريو في المغرب، والتصدّي لتمرّدات الكونغو إبّان حكم “موبوتو سيسه سيكو”.

في التقييم الشامل، لم يجْنِ الشاه من إعلان علاقاته مع إسرائيل أي منفعة تُذكر، بل أفضى ذلك إلى دفع الدول العربية نحو التقارب مع الاتحاد السوفيتي لمواجهة إيران، وأبرز ملامح هذا التقارب كان انخراط الرئيس جمال عبد الناصر في علاقة وثيقة مع نيكيتا خروتشوف منذ أواخر الخمسينيات.
ومنذ ذلك الحين، لم يكتفِ عبد الناصر بهذا التحالف، بل أخذ يدعم الحركات الانفصالية داخل إيران، فساند حركات التمرد القومية مثل عرب الأهواز، والقشقائيين، والبوير أحمديين، والبلوش.
هذا التحالف العربي – السوفيتي شكّل طوقا أمنيا خانقا على الشاه؛ فبينما كان يسعى إلى مساعدة إسرائيل في فكّ حصارها، وجد نفسه مطوَّقا من العرب والسوفييت معا، وهو حصار جيوسياسي يُعَدّ بلا شك من العوامل التي مهدت الطريق لثورة 1979.
وعلى صعيد آخر، أدى تقارب الشاه مع إسرائيل إلى جعل مناهضة إسرائيل منذ أواخر الأربعينيات محورا جامعا لمعارضيه، حيث شكّلت القضية الفلسطينية وإسرائيل خيطا ناظما لوحدة الصف بين التيارات اليسارية والتيارات الدينية ضد نظامه.
كما توجّه العديد من المعارضين الإيرانيين إلى معسكرات الفصائل الفلسطينية في الدول العربية لتلقّي تدريبات عسكرية، قبل أن يعودوا إلى إيران لممارسة العمل الفدائي ضد نظام الشاه؛ وقد شمل ذلك قوى دينية مثل حزب مؤتلفة، وقوى يسارية مثل فدائيي خلق.
وعلى العموم، ورغم المكاسب الكبيرة التي حصدتها إسرائيل من علاقتها مع الشاه، فإنّ الأخير دفع ثمنا فادحا على المستويين الأمني والاعتباري.

