إيران في العناوين: موازين “الخطوط الحمراء” وهندسة التوافق المرتقب

كتب: الترجمان

تعكس عناوين الصحف الإيرانية الصادرة اليوم الاثنين 25 مايو/أيار 2026، مشهدا سياسيا واستراتيجيا بالغ الدقة والكثافة، يتأرجح بين استعراض أوراق القوة الميدانية التي فرضت معادلاتها في الممرات المائية الحيوية، وبين صياغة الأطر القانونية والسيادية لـ “تفاهم محتمل” يلوح في الأفق الدولي لإنهاء الحرب. 

وعلى الصعيد التحليلي، يبرز انقسام واضح في زوايا المعالجة الصحفية؛ حيث يركز الجناح الأصولي والمحسوب على التيارات السيادية على توثيق ما يصفه بـ “انكسار الغرب” ورفض أي توافق لا يلتزم بالشروط الصارمة للمرشد الأعلى، في حين تسلط الصحف الإصلاحية والمعتدلة والحكومية الضوء على كواليس “التفاهمات الوشيكة”، وضبط الإيقاع الإعلامي والسياسي الداخلي خلف قرار مؤسسات الدولة العليا.

جناح الردع والسيادة.. شروط المرشد وحتمية “الانكسار الأمريكي”

تصدر مانشيت صحيفة “کیهان” الأصولية عنوان استراتيجي حاسم يلخص محددات الموقف الإيراني من كواليس المفاوضات لإنهاء الحرب:

“بازخوانی خطوط قرمز رهبر معظم انقلاب برای پایان جنگ: توافقی مورد قبول است که شروط رهبر انقلاب رعایت شده باشد”  (إعادة قراءة الخطوط الحمراء للمرشد الأعلى لإنهاء الحرب: التوافق المقبول هو ما روعيت فيه شروط قائد الثورة).

وأردفت الصحيفة محددات هذا التوافق المتمثلة في: السيادة الإيرانية الكاملة على مضيق هرمز، الحفاظ على المكتسبات النووية، أخذ الغرامات والتعويضات، وإخراج القوات الأمريكية من المنطقة. كما نقلت الصحيفة تحت عنوان بارز جاهزية القوات المسلحة على لسان قائد مركز خاتم الأنبياء: “آماده پاسخگویی سخت و جهنمی به هرگونه تجاوز هستیم” (مستعدون لرد قاسي وجهنمي على أي عدوان).

Image

وفي ذات السياق التعبوي، جاء مانشيت صحيفة “وطن امروز” باللون الأصفر العريض فوق صورة تعبيرية لمنبر الرئاسة الأمريكية الخالي ليعلن بوضوح:

“گواهی شکست ترامپ” (شهادة هزيمة ترامب).

واعتبرت الصحيفة أن مسودة التفاهم المقترحة لإنهاء الحرب والدخول في ترتيبات شاملة هي وثيقة مكتوبة تُثبت إخفاق واشنطن في فرض إرادتها على طهران، واصفة المشهد في وسائل الإعلام الغربية بأنه رصد لـ “خسارة مزدوجة” لأمريكا والاحتلال الإسرائيلي.

Image

من جانبها، قدمت صحيفة “همشهری” (التابعة لبلدية طهران) قراءة ميدانية ونفسية شديدة الهجومية عبر مانشيت ضخم يغطي صفحتها الأولى بالكامل على خلفية حمراء عاصفة:

“آمدند، کتک خوردند، تنگه هرمز را دادند، دست خالی برگشتند” (جاءوا، فتلقوا الضربات، وسلموا مضيق هرمز، وعادوا بخفي حنين).

وضمنت الصحيفة جردا تفصيليا لنتائج المواجهة تحت عنوان “چه شد؟” (ماذا حدث؟)، مؤكدة تحطم الهيبة العسكرية الأمريكية وتراجع تكتلاتها البحرية، مقابل ثبات معادلة الردع الإيرانية ومحاصرة الخيارات الغربية.

Image

أما صحيفة “عصر ایرانیان” الأصولية، فقد اتخذت مسارا تحذيريا شديد الصرامة يعبر عن هواجس الجناح الراديكالي من تقديم تنازلات دبلوماسية، مصدرة صفحتها الأولى بمانشيت باللون الأبيض على خلفية حمراء فاقعة:

“بدتر از خسارت محض” (أسوأ من الخسارة المحضة).

وأكدت الصحيفة في تفاصيلها أن الشعب الإيراني يعتبر أي توافق لا يحقق شروط المرشد الأعلى بالكامل توافقًا مردودًا وغير مقبول، واصفة التحركات الأمريكية والغربية الحالية بأنها “مخادعة” وتريد الالتفاف على منجزات الميدان عبر “تحريف” مواقف المرشد الأعلى.

Image

وفي إطار التعبئة المعنوية والميدانية، ركزت صحيفة “جوان” (المحسوبة على الحرس الثوري) على البعد الشعبي لـ “رأس المال الاجتماعي” في مرحلة ما بعد الحرب، واصفة الحشود الجماهيرية تحت مانشيت:

“سرمایه عظیم پسانجنگ” (الرأس المالي العظيم لمرحلة ما بعد الحرب).

ونشرت الصحيفة صورة بارزة لتلاحم القواعد الشعبية حاملة راية الجمهورية الإسلامية وصور القادة، معبرة عن أن هذا الالتحام هو الركيزة الأساسية لحماية السيادة وتثبيت انتصار المقاومة.

Image

وفي سياق ترسيخ الجاهزية العسكرية، ركزت صحيفة “جام جم” (التابعة لهيئة الإذاعة والتلفزيون) عبر عنوانها العسكري العلوي نقلا عن مقر خاتم الأنبياء للدفاع الجوي:

“برای متجاوزان جهنم به پا می‌کنیم” (سنقيم جهنما للمعتدين).

ومهدت الصحيفة بهذا العنوان لتغطية اللقاء الموسع لرئيس الجمهورية مع مدراء مؤسسة الإذاعة والتلفزيون، مبرزة تصريحاته الداعية للشكر والتقدير لجهودهم الميدانية.

Image

وعلى ذات صعيد استعراض الروايات السيادية، جاء مانشيت صحيفة “قدس” ليبرز تزاحم القراءات الدولية حول التسوية:

“ترافیک روایت‌ها درباره تفاهم احتمالی” (ازدحام الروايات حول التوافق المحتمل).

ووضعت الصحيفة صورة مجمعة للقادة الإقليميين والدوليين المعنيين بالملف، معتبرة أن الدبلوماسية الإيرانية الصبورة أجبرت الأطراف الدولية على الوصول إلى محطتها الأخيرة، بالتزامن مع مانشيت اقتصادي علوي يناقش كواليس أسواق المال وتدفق الرساميل تحت عنوان: “اردوکشی بزرگ پول” (التحشيد الكبير للأموال).

Image

الصحافة الإصلاحية والمعتدلة.. “خطوة واحدة تفصلنا عن التوافق” وضبط الإيقاع الداخلي

على الجانب الآخر، ركزت الصحف المعتدلة والإصلاحية على المسارات القانونية والدبلوماسية لتسييل انتصارات الميدان وتحويلها إلى مكتسبات سياسية واقعية؛ حيث أفردت صحيفة “شرق” الإصلاحية العريقة صفحتها الأولى لمانشيت يتسم بالبراغماتية والتفاؤل الحذر:

“یک قدم تا توافق” (خطوة واحدة تفصلنا عن التوافق).

وأشارت الصحيفة إلى وجود إشارات سياسية وإعلامية إيجابية متبادلة بين طهران وواشنطن عبر قنوات وسيطة لإنهاء الحرب، مؤكدة أن “الدبلوماسية تحظى بدعم الجميع” كسبيل لتثبيت الاستقرار.

Image

وفي ذات السياق، جاء مانشيت صحيفة “آرمان امروز” الإصلاحية ليعكس الرؤية التفاوضية المتقدمة واضعة صورة لخطوط تماس العلمين الإيراني والأمريكي:

“ایران و آمریکا در نزدیک‌ترین فاصله به توافق” (إيران وأمريكا في أقرب مسافة من التوافق).

وأبرزت الصحيفة تصريحات الرئيس مسعود بزشكيان، التي أكد فيها على ضرورة حماية مصالح الشعب والنظام، معتبرة أن الأجواء الدولية مهيأة لإقرار تسوية شاملة.

Image

أما صحيفة “سازندكی” (لسان حال حزب كوادر البناء)، فقد ركزت على البعد الهيكلي وضبط الإيقاع السياسي الداخلي خلف القيادة، مصدرة صفحتها بمانشيت ضخم باللون الأحمر:

“تصمیم‌ها با اذن رهبری است” (القرارات تأتي بإذن القيادة).

ونقلت الصحيفة انتقادات رئيس الجمهورية الصريحة لأداء بعض الخبراء والمحللين في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون (صدا و سیما)، معتبرا أن مواقفهم وتحليلاتهم تنفصل عن واقع ومصالح البلاد الجارية، ومؤكدًا أن مواقف النظام واضحة ولا ترفض مبدأ المفاوضات المشرفة.

Image

وهو ما ركزت عليه أيضا صحيفة “جمهوری اسلامی” المعتدلة عبر مانشيت رئيسي عريض:

“انتقاد صریح رئیس‌جمهور از برنامه‌های تحلیلی و کارشناسی صدا و سیما”  (انتقاد صريح من رئيس الجمهورية للبرامج التحليلية وحوارات الخبراء في مؤسسة الإذاعة والتلفزيون).

وأبرزت الصحيفة في عناوينها الفرعية “الاستقبال العالمي للتوافق المحتمل بين إيران وأمريكا” كدليل على صحة المسار الدبلوماسي المعتمد.

Image

وفي السياق التاريخي والدبلوماسي الموازي، جاء مانشيت صحيفة “اطلاعات” العريقة ليجمع بين تخليد ذكرى “شهداء حرب رمضان” وتحرير خرمشهر، وبين تصفية الحسابات الدبلوماسية مبرزا كلمة رئيس الجمهورية:

“رئیس‌جمهور: رهبر شهید هیچ‌گاه با مذاکره عزتمندانه مخالف نبودند”  (رئيس الجمهورية: القائد الشهيد لم يكن أبدا معارضا للمفاوضات بعزّة).

وأشارت الصحيفة في محورها الاقتصادي والدولي إلى ترقب الأسواق لإعلان “بيان إسلام آباد” كجزء من الترتيبات الإقليمية الداعمة للتسوية.

Image

الجبهة الاقتصادية والعمالية.. انتعاش البورصة وتراجع ملاذات التحوط

واكبت الصحف بمختلف توجهاتها الأثر المباشر لإنهاء الأجواء العسكرية وتراجع احتمالات المواجهة الشاملة على حياة المواطنين؛ حيث أفردت صحيفة “إیران” الحكومية عنوانا ماليا بارزا في مقدمة صفحتها الأولى:

“چرخش پول به نفع بورس” (تحول حركة الأموال لصالح البورصة).

وأشارت الصحيفة إلى أن تراجع حدة التوترات دفع الرساميل المحلية إلى الخروج من ملاذات التحوط التقليدية والتدفق نحو سوق الأوراق المالية (بورصة طهران)، متزامنًا مع تراجع ملحوظ في أسعار الذهب، والمسكوكات، والدولار في السوق الحرة، ومؤكدة على لسان مدراء الإعلام الرسمي: “صدا و سیما باید منادی وحدت باشد” (يجب أن تكون الإذاعة والتلفزيون منبرًا للوحدة).

Image

وهو ما أكدته صحيفة “اطلاعات” في ملفها الاقتصادي تحت عنوان:

“بهبود شاخص‌های بازار با احتمال توافق هسته‌ای: ارز و طلا عقب‌نشینی کرد، بورس رونق گرفت”  (تحسن مؤشرات السوق مع احتمال التوافق النووي: العملات الأجنبية والذهب يتراجعان، والبورصة تزدهر).

بينما اتخذت صحيفة “خراسان” مسارا تنفيذيا يناقش الملفات الحياتية والخدمية الداخلية بعيدا عن لغة التفاؤل المحض، مبرزة جرس إنذار قطاعي في مانشيت باللون الأسود العريض: “مسیر انحرافی در واردات خودرو” (المسار الانحرافي في استيراد السيارات)، لافتة في الوقت ذاته في هوامشها إلى “عقد التفاهم المحتمل” الذي أعاد الأصول الحيوية المجمدة لطهران وعكس رغبة الأطراف في خفض التصعيد.

Image

خلاصة المشهد الصحفي 

توضح هذه الجولة الشاملة والعميقة في الصحافة الإيرانية أن طهران صاغت معادلة إعلامية وسياسية مزدوجة ومتكاملة لإدارة مرحلة “ما بعد الحرب” وصياغة التسوية المرتقبة:

الجناح السيادي والأصولي (كيهان، وطن امروز، همشهری، عصر ایرانیان، جوان، جام جم، قدس): يتولى تصدير لغة القوة والقبضة الحديدية مستندا إلى منجزات الميدان وحصار مضيق هرمز، واضعا الشروط السيادية الصارمة للمرشد الأعلى كـ “خطوط حمراء” لا يمكن تجاوزها (خصوصا السيادة على هرمز والتعويضات)، بهدف رفع سقف التفاوض الإيراني وإجبار واشنطن على القبول بتسوية مشرفة.

الجناح الحكومي والمعتدل والإصلاحي والاقتصادي (إيران، شرق، سازندگی، جمهوری اسلامی، اطلاعات، آرمان امروز): يتحرك بمرونة وبراغماتية عالية لتسييل هذه القوة الميدانية ودعم الفريق التفاوضي، مستهدفا ضبط الإيقاع الإعلامي الداخلي ومنع التشويش على قرارات “مجلس الأمن القومي العالي” ومؤسسة الرئاسة، مستندا إلى مؤشرات اقتصادية حيوية تتمثل في انتعاش بورصة طهران، وتراجع أسعار العملات والذهب، والتطلع لتحسين الواقع المعيشي والعمالي كحاضنة شعبية تدعم الإنفراجة الدبلوماسية الوشيكة.

في النهاية، لا يعكس الانقسام الظاهري في الصحافة الإيرانية صراعا على الهوية السياسية بقدر ما يكشف عن توزيع أدوار ذكي ومدروس لإدارة أمتار التفاوض الأخيرة؛ فبينما يتولى التيار الأصولي والسيادي حراسة “الخطوط الحمراء” ورفع سقف الشروط لضمان تعويضات الحرب وتثبيت معادلة الردع في مضيق هرمز، يتحرك الجناح الإصلاحي والحكومي بمرونة لتسويق التفاهمات الوشيكة وضبط الإيقاع الداخلي خلف قرارات القيادة العليا. 

ومن وسط هذا التناغم بين صرامة الميدان وبراغماتية السياسة، تترقب الأسواق المحلية بوعي طفرة اقتصادية بدأت ملامحها في انتعاش البورصة وتراجع العملات، مما يثبت أن طهران تقترب من صياغة تسوية مشرفة تجمع بين هيبة السيادة وعوائد الإنفراجة الدبلوماسية.

كلمات مفتاحية: