التفاوض مع واشنطن يثير خلافًا داخل إيران

Images (70)
Images (70)

نشرت صحيفة «جوان» الإيرانية، الثلاثاء 13 أكتوبر/ تشرين الأول 2026، تقريرًا تناولت فيه مواقف حسين مرعشي وأحمد زيد آبادي من المفاوضات مع الولايات المتحدة، مسلطةً الضوء على الجدل بشأن التراجع وتقديم التنازلات، مقابل التمسك بالمكاسب الميدانية وتعزيز الموقف التفاوضي الإيراني.

ذكرت الصحيفة أنه في اليوم نفسه الذي صرّح فيه الرئيس الإيراني بوضوح قائلًا: «هاجمنا الأمريكيون ثلاث مرات بعد المفاوضات»، وكان قد قال قبل ذلك، خلال لقائه مع باشينيان(رئيس وزراء أرمينيا): «لا معنى للتفاوض مع عدو يمارس الاغتيال ويفرض العقوبات والتهديدات».

وتابعت أن الرئيس الإيراني، صرح خلال لقائه مع الرئيس الروسي: «هاجمتنا أمريكا في كل مرة أثناء المفاوضات»، حيث تحدّى الإصلاحيون هذه الرؤية التي تشكّلت بوعي بعد الحرب والخسائر الفادحة، بطرح وصفته الصحيفة بالاستسلامية!

Image

وأوضحت أن المسألة تكمن في أن أحدًا في البلاد لا يسعى إلى الحرب لمجرد الحرب، وقد جرى توضيح ذلك مرارًا، لكن المشكلة لدى الإصلاحيين، ليست التفاوض والحوار، بل الاستسلام للغرب. 

وأضافت أن حسين مرعشي، من حزب كوادر البناء وصاحب عدد من المجموعات الاقتصادية القابضة الكبرى، استشهد بالشاه عباس، قائلًا: «بدلًا من الدخول في مواجهة متزامنة مع جميع الأعداء، حدّد الشاه عباس الأولويات، وبدأ بوقف إطلاق النار مع العثمانيين للتركيز على الجبهة الشرقية، بل وتراجع حتى تبريز».

Image

كما بينت أن أحمد زيد آبادي، الناشط الإصلاحي الإيراني، الذي كتب بنفسه أنه أمضى الأيام الأولى من حرب الأربعين يومًا مستلقيًا في فراشه، متظاهرًا بالنوم، وكان يدعو إلى انتهاء الحرب، اتهم مسؤولي البلاد بالتباطؤ الشديد في الرد على المقترحات الأمريكية.

Image

 كتب: «حتى لو كان الرد الأمريكي مكتوبًا بالخط المسماري، لكان ينبغي فك رموزه مئة مرة حتى الآن! ما هذا الرد الذي لا يزال “قيد الدراسة” بعد مرور أسابيع، ولم تُحسم بشأنه الأمور بعد؟ لو كان سلحفاة، لوصلت إلى وجهتها حتى الآن!».

وتابعت أنه رغم أن البلاد لم تغلق باب التفاوض حتى الآن، وأن بزشكيان وغيره لا يريدون الحرب، فإن السؤال هو: هل زيد آبادي لا يفهم منطق بزشكيان القائل إنه لا يمكن الوثوق بمن هاجم إيران ثلاث مرات أثناء التفاوض، أم أنه، شأنه شأن مرعشي وعشرات الكتّاب الإصلاحيين الآخرين، يعاني نوعًا من الجهل الفطري؟!

جدل التنازلات لإيران

ذكرت الصحيفة أن الولايات المتحدة هاجمت، في المرة الأخيرة، اجتماعًا لمسؤولين عسكريين وأمنيين كانوا يبحثون الرد على المقترح الأمريكي، ما أدى إلى مقتلهم جميعًا. 

وتابعت أنه مع ذلك، يدعو أمثال هؤلاء، وفق تعبيرها، مجددًا إلى عقد اجتماعات لتسريع الرد على أمريكا. 

واعتبرت أن الولايات المتحدة لا تتحمل المسؤولية مطلقًا في منطقهم، بل تقع المسؤولية على إيران لأنها ترفض الاستسلام، بما يضمن لهم النوم في أسرّتهم دون القلق من الحرب.

وتساءلت الصحيفة: من وصفة مرعشي القائمة على الاستسلام إلى سخرية زيد آبادي من مسار المفاوضات، لماذا تتعرض الحكومة للضغط من داخل التيار السياسي القريب منها، بدلًا من المساهمة في ترسيخ المكاسب التي تحققت في الميدان؟

وأضافت أن حسين مرعشي، بثروته التي وصفتها بأنها ريعية وأسطورية، بات يظهر هذه الأيام على المنابر أكثر من أي ناشط سياسي أو اقتصادي آخر، معربًا عن قلقه إزاء أوضاع المواطنين ومعيشتهم الاقتصادية. 

لكنه، بحسب الصحيفة، لا يتردد في الكذب لإثبات ادعاءاته؛ إذ نقل قبل فترة عن مسؤولين صينيين أن زيارة الممثل الخاص لإيران مشروطة بأربعة مطالب: فتح إيران المضيق، وعدم فرض أي رسوم، وإنهاء خلافاتها مع السعودية، وإنهاء خلافاتها مع الولايات المتحدة. وسرعان ما نفى مكتب الممثل الخاص لإيران للشؤون الصينية هذا الادعاء.

وأوضحت أن التصريحات الأخيرة لمرعشي وأحمد زيد آبادي، تمثل نموذجين للانتقادات المطروحة هذه الأيام من داخل التيار السياسي القريب من حكومة بزشكيان؛ إذ دعا الأول إلى تراجعات واسعة، بل إلى الاستسلام، لتجنب حرب محتملة جديدة، فيما سخر الثاني من مسار دراسة المقترح الأمريكي. 

ورأت أن القاسم المشترك بين الموقفين يتمثل في التساؤل عما إذا كانت الأولوية في ممارسة السياسة حاليًا هي تعزيز قدرة إيران على التفاوض وترسيخ المكاسب الميدانية، أم إبراز نقاط الضعف والضغط على الحكومة للتسرع في المسار الدبلوماسي.

مرعشي وخيار التراجع

ذكرت الصحيفة أن حسين مرعشي وجّه تصريحات إلى الرئيس ورئيس البرلمان وأمين المجلس الأعلى للأمن القومي وقادة الحرس الثوري، شدد فيها على ضرورة عدم المخاطرة بأي شيء لتجنب حرب ثالثة محتملة، والاستعداد لأي تراجع تكتيكي مطلوب. 

وتابعت أن مرعشي اعتبر أن الحفاظ على إيران أهم من التخصيب والمكاسب النووية، مؤكدًا، في ضوء التضخم والضغوط الاقتصادية، ضرورة تقديم الجمهورية الإسلامية تنازلات.

وأكدت أن تصريحات مرعشي تبدو ظاهريًا منطلقة من الحرص على حماية البلاد وتخفيف الضغوط عن المواطنين، لكن المسألة الأساسية تكمن في النتيجة التي يُستخلصها من هذه المقدمات. 

وتساءلت الصحيفة: هل تعني الضغوط الاقتصادية واحتمالات الحرب، بحد ذاتها، ضرورة التراجع والاستسلام؟ وهل يتطلب الحفاظ على إيران التخلي عن مقومات القوة، أم الاستفادة منها لمنع تكرار العدوان والتوصل إلى اتفاق متوازن؟

وأضافت أن القلق بشأن معيشة المواطنين أمر ضروري، لكن تحويل هذا القلق إلى مبرر للتراجع من جانب واحد وتقديم التنازلات للعدو ليس استراتيجية مضمونة لمنع الحرب، بل قد يبعث برسالة إلى الطرف المقابل مفادها أن تصعيد الضغوط سيدفع إيران في نهاية المطاف إلى تقديم مزيد من التنازلات، أي الاستسلام. 

وأوضحت أنه في ظل هذه الظروف، هل مرعشي يملك ضمانات تحول دون تكرار المطالب الأمريكية المفرطة، إذا لم تقترن التراجعات التكتيكية التي يدعو إليها بضمانات موثوقة وتنازلات متبادلة، في وقت لا تزال فيه تجربة الاتفاق النووي الإيراني (خطة العمل الشاملة المشتركة) وما خلفته من مرارة حاضرة أمامه.

حقيقة يجري تجاهلها

ذكرت الصحيفة أن مرعشي يتحدث عن ضرورة التراجع لإنقاذ إيران، في حين أن هذه الصياغة تقدم صورة شديدة القتامة عن وضع البلاد، تبدو فيها الضغوط الاقتصادية حاسمة إلى حد يوحي بأن إيران تواجه خيارًا لا مفر منه بين الاستسلام وفقدان البلاد. 

وتابعت أنه باعتراف الصديق والعدو اليوم، فإن إيران هي المنتصر المطلق في ساحة الحرب المفروضة التي شنتها الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي، وما ينبغي أن يشغل الناشطين السياسيين في الوقت الراهن ليس التراجع والاستسلام، بل ترسيخ هذه القوة الميدانية على طاولة المفاوضات. 

وأضافت أن ما يكتسب أهمية عند تقييم الحربين المفروضتين الأخيرتين اللتين شنتهما الولايات المتحدة والاحتلال الإسرائيلي على إيران، هو دراسة الأهداف المعلنة والعملياتية للعدو، ومدى تحقيقها، والتكاليف التي تكبدها نتيجة مقاومة إيران. 

وأوضحت أن قضية إيران اليوم لا تقتصر على إنهاء المواجهة، بل تتعلق بكيفية ترسيخ المكاسب الميدانية على طاولة المفاوضات ومنع تكرار العدوان، فالتفاوض ليس خيانة، ولا يُعد في حد ذاته علامة على الضعف، مثلما أن كل تراجع لا يُعد بالضرورة تدبيرًا حكيمًا. 

كما أكدت أن المعيار الأساسي هو المصالح الوطنية، والتناسب بين التنازلات، ووجود ضمانات موثوقة، والتداعيات طويلة الأمد للقرارات، وينبغي للدبلوماسية أن تستثمر قوة الميدان لتعزيز القدرة التفاوضية، لا أن تطرح التخلي عن مقومات القوة باعتباره السبيل الوحيد لإنقاذ البلاد، قبل بدء المفاوضات أو انتهائها.

المطالبة بالشفافية أم إضعاف الموقف التفاوضي؟

ذكرت الصحيفة أن أحمد زيد آبادي سخر، من خلال لهجة تهكمية، من طول أمد دراسة الرد الأمريكي، وكتب أنه لو كان الرد مكتوبًا بالخط المسماري، لكان قد فُكّت رموزه مرات عديدة حتى الآن. 

وتابعت أن هذا الانتقاد يوجَّه ظاهريًا إلى بطء المسار الدبلوماسي، الذي تتولى حكومة بزشكيان مسؤولية دفعه قدمًا، ومن البديهي أن الرأي العام من حقه أن يطالب بتوضيحات بشأن مسار المفاوضات وأسباب التأخير وآفاقه. 

وأضافت أن تحويل هذه المطالبة إلى تهكم وسخرية، من دون الاطلاع على تفاصيل المفاوضات وتعقيدات عملية صنع القرار، لا يسهم بالضرورة في توضيح الحقيقة، فالسرعة ليست المعيار الوحيد لنجاح الدبلوماسية؛ إذ تكتسب مضامين الاتفاق والضمانات المتبادلة والحفاظ على المصالح الوطنية أهمية أيضًا. 

وأوضحت أنه إلى جانب وصفة مرعشي القائمة على الاستسلام، يبرز هذا التساؤل بشأن موقف زيد آبادي أيضًا: هل تساعد مثل هذه اللغة، في ظل الضغوط الخارجية، على تعزيز موقف المفاوضين الإيرانيين، أم يمكن أن تؤدي إلى تفاقم أجواء انعدام الثقة وإيحاء بوجود ارتباك في الداخل؟

الوحدة الوطنية في مواجهة الضغوط الخارجية

ذكرت الصحيفة أنه إلى جانب القدرات الدفاعية للقوات المسلحة، شكّل الحضور المستمر للمواطنين في الشوارع على مدى أكثر من 220 ليلة مظهرًا من مظاهر القدرة الاجتماعية والتضامن، بوصفهما عاملًا رادعًا وحاسمًا في مواجهة التهديد الخارجي. 

وتابعت أنه يمكن لهذا الحضور أن يترك أثرًا رادعًا في حسابات العدو، لأن تقدير تكاليف العدوان لا يقتصر على القدرات العسكرية، بل يشمل أيضًا مدى قدرة المجتمع على الصمود.

وأضافت أن الأعداء قد أدركوا الآن أنهم، لاستئناف المواجهات على غرار ما حدث في (ديسمبر/كانون الأول 2025 – يناير/كانون الثاني 2026)، بحاجة إلى إحداث انقسام وخلاف داخل صفوف الشعب، وهو ما يسعى مرعشي والتيار الذي ينتمي إليه إلى تحقيقه من خلال مواقف تقوض الوحدة وتدمر التماسك. 

وأوضحت أنه إذا كان من المقرر تحويل المكاسب الميدانية إلى سلام مستدام، فإن الطريق إلى ذلك لا يمر عبر إضعاف موقف المفاوض الإيراني بوصفات متسرعة تدعو إلى التراجع، بل عبر ترسيخ المكاسب، والمقاومة الصلبة للمطالب التعسفية للعدو، والمطالبة بضمانات موثوقة، والحفاظ على الوحدة الوطنية في مواجهة الضغوط الخارجية.

وأكدت الصحيفة في ختام تقريرها أن مرعشي والأشخاص المتوافقين معه يسعون، قبل أي شيء آخر، إلى التعبير عن فكر داخل إيران يقوم نموذج الحكم فيه على الاستسلام والتسوية من أجل إنقاذ الذات أو الحفاظ على المصالح الفئوية.