- محمود شعبان
- 451 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
نشرت صحفية “هم ميهن” الإيراني الإصلاحية، الاثنين 7 يوليو/تموز 2025، حوارا مع خبيرة في شؤون الشرق الأوسط والطاقة حول وضع صناعة النفط والغاز في إيران، وتأثير التوترات الإقليمية على أمن الخليج والعلاقات مع إسرائيل. تناول الحوار أيضا مدى فعالية العقوبات الأميركية وموقف الصين.
وفي ما يلي نص الحوار:
صرّح الرئيس ترامب عبر ‘تروث سوشيال’ بأن إيران بات بإمكانها تصدير نفطها إلى الصين دون عوائق، مما أثار استغرابي حول موقفه من سياسة “الضغط الأقصى”.. ما تفسيركم لهذا التصريح؟ وهل ترونه متسقا مع سياساته السابقة تجاه إيران؟
نعم، في رأيي أيضا كانت الرسالة غامضة للغاية. ليس واضحا ما إذا كان يدرك فعلا أن إيران تقوم حاليا بتصدير النفط إلى الصين، وأن هذه الصادرات مستمرة بالفعل دون معوقات كبيرة. لست متأكدا مما إذا كان يقصد أن بعض العقوبات الحالية قد تُرفع، أم أن هناك تغيّرا في السياسة الأميركية. بصراحة، من الصعب تحديد قصده. ربما كان هذا بمثابة رسالة مبطّنة إلى الصين، وإشارة إلى تعاطف ما مع مصادر الطاقة الخاصة بها، لكن لا يمكن الجزم بذلك.
ومع ذلك، يجب التنبيه إلى أن الصين تستورد نفطها من مصادر متعددة. سلة وارداتها النفطية متنوعة للغاية، ولذلك فإن وقف الصادرات الإيرانية قد يتم تعويضه بسهولة من مصادر أخرى.
كيف تُقيّمين ردود فعل دول الخليج، خصوصا الإمارات والسعودية، تجاه التطورات الأخيرة خلال الأيام الاثني عشر الماضية، من حيث انعكاسها على ملف الطاقة؟
في رأيي، ما حدث خلال هذه الأيام يُعد السيناريو الكابوسي الذي لطالما كانت تلك الدول تخشاه. فعندما شاهدنا اعتراض الصواريخ فوق الدوحة، انتشرت مقاطع الفيديو التي تُظهر المواطنين وهم يفرّون إلى الملاجئ في مراكز التسوق القطرية. وفي البحرين، تم إصدار تحذيرات استباقية للمواطنين؛ إذ لم يذهب الأطفال إلى المدارس هذا الأسبوع، وطُلب من موظفي الدولة العمل من منازلهم. أما في الكويت، فقد تم تجهيز الملاجئ الطارئة.
كذلك شهدنا إلغاء رحلات طيران الخطوط الجوية البريطانية، وطيران سنغافورة، ثم توقفا كاملا لحركة الطيران لمدة نصف يوم على الأقل، وربما يوم كامل. هذه التطورات لم تكن ضمن حسابات دول المنطقة، لا سيما السعودية والإمارات، اللتان تركز سياساتهما على التحوّل الاقتصادي، وتنويع مصادر الدخل، وتطوير قطاعات تتجاوز النفط والغاز رغم أن النفط والغاز لا يزالان يشكلان مصدرا بالغ الأهمية للدخل الحكومي.
لكن لا يمكن للمرء أن يضع صورا لصواريخ تحلّق في السماء على بطاقات بريدية ثم يتوقع من العالم أن يقول: نعم، هذا مكان رائع لاستضافة كأس العالم أو الألعاب الآسيوية، أو مكان مناسب لبناء فندق خمس نجوم جديد، أو لنقل العائلات والعمل في مكتب استثماري عائلي، أو لإدارة صندوق ضخم للبنية التحتية أو للاستثمار الخاص. في اقتصادات مثل قطر والإمارات، حيث لا يشكل المواطنون سوى 10% من السكان ويعتمد البلد تقريبا بالكامل على العمالة الأجنبية والمهارات المستوردة، فإن مثل هذه الصور ليست ميزة بأي حال من الأحوال.
ومع ذلك، يجدر القول إنه بالرغم من أن هذه الحادثة لم تُسفر عن إصابات، وحتى إذا لم تكن السعودية والإمارات هدفا مباشرا، إلا أن مجرد سقوط الصواريخ في قاعدة العديد يعطي انطباعا عاما بوجود “خليج موحّد” أمام الخطر. الدول الخليجية سارعت إلى دعم بعضها البعض.
ورغم وجود توترات سابقة داخل مجلس التعاون الخليجي- مثل حصار قطر بين عامي 2017 و2021- فقد رأينا بيانات سريعة تعلن التضامن وتدين استهداف المجال الجوي القطري من قبل إيران. وهذا أمر لا ترغب هذه الدول في رؤيته؛ ليس فقط لأنه يمثل انتهاكا لسيادتها، بل لأنه يشكّل تهديدا لبيئتها التجارية وأهدافها في ترسيخ صورة الاستقرار والازدهار الاقتصادي.
وهذا يرتبط تحديدا بشعار المملكة العربية السعودية الدائم: التنويع الاقتصادي، والمضي في تنفيذ رؤية 2030. إنهم لا يريدون نشوب حرب بين إيران وإسرائيل، لأن ذلك يناقض تماما الصورة الجديدة التي يسعون لرسمها.
ورغم أنه لا توجد محبة بين السعودية وإيران، فإنه منذ مارس/آذار 2023، تم التوصل إلى اتفاق بوساطة صينية أعاد العلاقات الدبلوماسية بين البلدين. هذا الاتفاق أعاد فتح قنوات الاتصال بين مؤسسات الدولة ووزارات الخارجية والدفاع، وكان قرارا مدروسا وحذرا، اتُخذ بدافع من الشعور بعدم الأمان، والتركيز على الاقتصاد المحلي، ومحاولة لتقليص التوترات الإقليمية. كما جاء نتيجة خوف حقيقي من تكرار هجمات 2019 على منشآت أرامكو في بقيق وخريص؛ وهي الهجمات التي نُسبت إلى إيران.
في ذلك الوقت، كان الشعور السائد في السعودية أن الولايات المتحدة لم تُبدِ ردة فعل كافية. فالرئيس الأميركي، دونالد ترامب، قال إن الهجوم «لا علاقة له بنا» لأنه لم يُصَب أي أميركي. وكان ذلك نقطة تحوّل في السياسة الدبلوماسية السعودية، دفعتهم للانفتاح على إيران.
حدث أمر مشابه في الإمارات عام 2022، عندما أطلق الحوثيون في اليمن صواريخ وطائرات مسيّرة باتجاه أبوظبي. شعر الإماراتيون حينها أن الولايات المتحدة – رغم مشاركتها في اعتراض تلك الهجمات من قاعدة الظفرة الجوية – لم تُظهر المستوى المتوقع من التفهّم والجدّية، سواء في التصريحات أو في التواصل المباشر بين القادة.
ما يقلقني الآن هو أن الرئيس الأميركي الحالي يرسل رسائل ساذجة بمضامين من نوع «السلام للجميع»، من دون أن يُبدي أي اهتمام جدي بمشاعر وهواجس دول مثل قطر، الإمارات، السعودية، الكويت، البحرين، وحتى عُمان، حيال مرور الصواريخ فوق أجوائها. من غير الواضح ما نوع الضمانات التي قُدمت. هل أُرسلت طائرات حربية؟ من المؤكد أن هناك تحرّكات عسكرية، لكن إيصال هذه التحركات على مستوى القادة، ومن قائد إلى قائد، عبر إبداء التعاطف وتقديم الدعم، يلعب دورا أساسيا في ترسيخ العلاقات.

ما هو وضع صناعة النفط والغاز في إيران؟ هل يمكنك أن تشرحي قليلا عن واقع هذه الصناعة داخل البلاد؟ إلى أي مدى تُصدر إيران إلى الصين؟ وهل تُعدّ هذه الصناعة فعالة ومربحة بشكل عام؟
يجب أن أقول إنه من الصعب التعمّق كثيراً في هذا الموضوع، لأن وضع هذه الصناعة غامض للغاية. فهل كانت إيران لتتمكن من زيادة إنتاجها لو توفرت استثمارات أكبر؟ على الأرجح نعم. لكن من أين ستأتي هذه الاستثمارات؟ الصين بالتأكيد كانت مستعدة لشراء النفط الإيراني، لكنها لم تُبدِ رغبة حقيقية في الاستثمار الجاد أو تطوير البنية التحتية النفطية في إيران.
تملك إيران طاقة هائلة في قطاع الغاز. فهي تمتلك أكبر حقل غاز في العالم، والذي تتقاسمه مع قطر، لكنها لم تتمكن حتى الآن من تحويل هذا المورد إلى منتج يُصدَّر للخارج، لأنها لا تملك التكنولوجيا أو المحطات أو المنشآت اللازمة لذلك.
ولو حصل تغيير جذري في موقع إيران ضمن المجتمع الدولي وتم رفع العقوبات، فهل يمكن أن يتغير الوضع؟ نعم، من المحتمل أن تستقطب استثمارات حينها. لكن هذا ليس بالأمر الذي يثير اهتمام دول الخليج، كما ذكرت في بداية الحديث؛ فنحن لا نعاني من نقص في النفط.
حتى الغاز الطبيعي المُسال (LNG) متوفر حالياً بكميات كافية، وقد ظهرت مصادر جديدة في السوق، بما في ذلك في الولايات المتحدة. لذا يبدو أن إيران دخلت الساحة متأخرة جدا، خاصة فيما يتعلق بالاستثمارات الضخمة والبنية التحتية التي تتطلب وقتا طويلا وتكاليف كبيرة لإنشائها. من المحتمل أن تكون مناطق أخرى في وضع أفضل وجاهزية أعلى لتلبية أي طلب عالمي متزايد.
بالنسبة للشركات الأميركية التي تسعى إلى تأسيس وجود في منطقة الخليج، كيف يجب أن تفسّر البيئة الأمنية في المستقبل؟
أعتقد أن هذا سؤال في غاية الأهمية، وربما سيكون من القضايا التي تحتاج وقتا طويلا للفهم والمعالجة. ويدور ذلك كله حول موقع إسرائيل، وعلاقتها، وتكاملها ضمن المنطقة. بعد “اتفاقات أبراهام”، نشأت آمال حقيقية في الاستثمارات والتبادلات بين دول الخليج وإسرائيل، لكننا لم نصل بعد إلى تلك المرحلة. تشعر إسرائيل بأنها تواجه تهديدات وجودية، وهي في حالة حرب دائمة وعلى مدار الساعة، ولا أعتقد أنها ستخرج من هذا الوضع في وقت قريب.
وهذا يعني أن احتمالية تجدد الهجمات المتبادلة بين إيران وإسرائيل لا تزال قائمة، حتى لو تم التوصل إلى وقف إطلاق نار. وهناك قلق من أن تتخذ بعض الأجنحة المتشددة في الحرس الثوري الإيراني مواقف أكثر عدائية أو إرهابية. إسرائيل لن تنتظر. لقد أظهرت بوضوح أنها تتبنى سياسة الضربات الاستباقية تجاه جيرانها، وإذا رأت خطرا محتملا، فإنها ستسعى إلى القضاء عليه قبل أن يتبلور.

هل ستتواصل إسرائيل مع دول الخليج في الوقت المناسب وتُقدّم إنذارا مسبقا، وما أثر ذلك على خطط الاستقرار الإقليمي؟
إنه سؤال كبير سيظل ثقيلا في سماء المنطقة لفترة طويلة، وسيُعطل حتما أي مساع لتطبيع العلاقات بين المملكة العربية السعودية وإسرائيل، بل وقد يعرقل حتى عمليات التطبيع القائمة حاليا.
كل هذه النقاط مهمة للغاية، لأن الإدارة الأميركية تريد أن تظهر أن ما حدث هو عملية محدودة ومنفردة. يريدون إثبات أن بإمكانهم تنفيذ ضربة عسكرية دون أن يؤدي ذلك إلى حرب لا نهاية لها أو نشر قوات برية واسعة أو فرض مشروع ديمقراطي شامل في الشرق الأوسط. لكن من المحتمل أن تعود إسرائيل للتحرك عسكريا في المستقبل. لذا، كما أشرتَ، من الضروري مراعاة وجهات نظر الشركات حيال استقرار المنطقة.
من منظور دول مجلس التعاون الخليجي، فهذه الدول تعيش هنا؛ بخلاف الأميركيين الذين يأتون ويغادرون. وإيران أيضا لن تذهب إلى أي مكان. لذا، يتعين على هذه الدول أن تضع نموذجا عمليا للتعامل مع هذه الظروف، وهو أمر يبدو صعبا للغاية حاليا.
لقد ذكرتِ إيران والعقوبات… فدعيني أسأل: إذا قرر الرئيس العودة إلى حملة “الضغط الأقصى”، فهل هناك ملاحظات أو أفكار تتبادر إلى ذهنك؟
أكثر ما أسمعه هو أن هذه الحملة لن تكون فعالة كما كانت في ولاية ترامب الأولى، لأن جزءاً كبيراً من النفط الإيراني يُصدّر حالياً إلى الصين، ومَن يدري…
الصين هي العامل الحاسم هنا.
وربما لن نكون مستعدين لفرض عقوبات على كل الشركات الصينية. لا أعلم إن كان الرئيس ترامب وضع هذا في قائمة أولوياته.
أو ما إذا كنا سنقوم بملاحقة الناقلات التي تتجه إلى ماليزيا وتُبدّل هويتها لتظهر أن النفط ماليزي وليس إيرانياً. هل ستتعقبهم قواتنا البحرية؟ بالتأكيد لا.

