- زاد إيران - المحرر
- سياسة خارجية, متميز
- 520 Views

في واحدة من أخطر اللحظات التي شهدتها المنطقة منذ عقود، وجدت إيران نفسها أمام تطورات دراماتيكية قلبت موازين المشهد السياسي والعسكري رأسا على عقب. وبين تضارب المعلومات في الساعات الأولى وتصاعد التوتر الإقليمي، تكشفت معالم أزمة غير مسبوقة تمس قمة هرم السلطة في الجمهورية الإسلامية، وتضع النظام أمام اختبار مصيري داخليا وخارجيا. وبينما تتسارع الأحداث ميدانيا وتتوالى المواقف الرسمية، تتجه الأنظار إلى تداعيات ما جرى، سواء على صعيد توازنات القوة في المنطقة أو على مستوى مستقبل القيادة في طهران، في ظل مرحلة توصف بأنها الأكثر حساسية منذ تأسيس النظام.
تفاصيل مقتل المرشد الأعلى ومجموعة القيادة معه
فبعد ساعات طويلة من تداول أنباء غير مؤكدة عن مقتله، أعلنت وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية، فجر الأحد الأول من مارس/ آذار 2026، وبشكل قاطع وفاة المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية علي خامنئي، إثر قصف أميركي إسرائيلي استهدف مقر قيادته في مبنى بيت القيادة وسط طهران، فيما جاء الإعلان الرسمي بعد حالة من الترقب والارتباك الإعلامي، حيث سبقته تقارير متضاربة عن انفجارات ضخمة هزت المنطقة الإدارية الحساسة التي تضم مكتب المرشد ومرافق أمنية ملحقة به.

ووفق البيان الصادر عن مجلس الأمن القومي الأعلى، فإن الهجوم وقع في الساعات الأولى من صباح السبت 28 فبراير/ شباط 2026، لكن الإعلان الرسمي تأخر إلى فجر الأحد حتى استكمال عمليات التحقق والإنقاذ والتأكد من هوية الضحايا، وأكد البيان أن خامنئي كان داخل مكتبه يؤدي مهامه الاعتيادية، برفقة عدد من كبار القادة العسكريين والمستشارين، عندما استهدفت الضربة المبنى الإداري الرئيسي بصواريخ دقيقة التوجيه.
وأفادت وكالة فارس بأن القصف أدى إلى تدمير واسع في الطابق الذي يضم مكتب المرشد، وأسفر عن مقتله إلى جانب عدد من أفراد مجموعة القيادة، وتشير المعلومات الأولية إلى أن من بين القتلى شخصيات بارزة في الحرس الثوري وأعضاء في المكتب السياسي للقيادة ومستشارين استراتيجيين، ما دفع بعض المحللين إلى وصف العملية بأنها ضربة لعمود القيادة في النظام.

هذا وقد أعلنت الحكومة فترة أربعين يوما من الحداد العام وسبعة أيام عطلة رسمية، فيما انتشرت قوات الأمن في العاصمة، وأُغلقت بعض الطرق المؤدية إلى المراكز السيادية. وخرجت حشود في طهران ومشهد وقم ومدن أخرى، مرددة شعارات تندد بالولايات المتحدة وإسرائيل، ومطالبة برد حاسم.

ويرى مراقبون أن الإعلان المتأخر نسبيا عن الوفاة يعكس حساسية الحدث وخطورته، وأن القيادة الإيرانية سعت إلى إدارة اللحظة بأقصى درجات الانضباط لتجنب أي فراغ مفاجئ في رأس السلطة. ومع ذلك، فإن مقتل شخصية حكمت إيران لأكثر من ثلاثة عقود يمثل زلزالا سياسيا حقيقيا، تتجاوز تداعياته حدود إيران إلى كامل الإقليم.
الضربات الأميركية الإسرائيلية ورد إيران العسكري
جاء استهداف مقر القيادة في سياق تصعيد عسكري واسع شهدته المنطقة خلال الساعات نفسها، فقد أعلنت وزارة الدفاع الأميركية أن قواتها، بالتنسيق مع إسرائيل، نفذت ضربات دقيقة ضد أهداف عالية القيمة داخل إيران، مشيرة إلى أن العملية هدفت إلى تقويض قدرات القيادة، والسيطرة، ومنع تهديدات وشيكة.
إسرائيل، من جهتها، أكدت أن سلاحها الجوي نفذ غارات متزامنة على منشآت عسكرية ومراكز اتصالات في طهران ومحيطها، ووصفت العملية بأنها خطوة دفاعية ضرورية في مواجهة تهديدات استراتيجية.

في المقابل، اعتبرت طهران أن ما جرى هو بمثابة عدوان مباشر على سيادة الدولة، وإعلان حرب مكتمل الأركان. وبعد ساعات من بداية الهجوم عليها، بدأت طهران بتنفيذ ردها العسكري عبر إطلاق موجة من الصواريخ الباليستية والطائرات المسيّرة باتجاه أهداف داخل إسرائيل، إضافة إلى قواعد أميركية في عدد من الدول العربية.
وأعلنت القيادة العسكرية الإيرانية أن الرد استهدف مواقع عسكرية واستخبارية محددة في الأراضي المحتلة، فضلا عن قواعد أميركية استخدمت في دعم العدوان، وأفادت تقارير بسقوط صواريخ في محيط تل أبيب وحيفا، فيما أعلنت إسرائيل اعتراض عدد كبير منها، مع تسجيل أضرار في بعض المنشآت.
أما القواعد الأميركية في الخليج والعراق وسوريا، فقد تعرضت لهجمات صاروخية ومسيرة، بحسب بيانات عسكرية أميركية، التي أكدت تفعيل أنظمة الدفاع الجوي لاعتراض الهجمات، ولم تعلن تفاصيل دقيقة عن الخسائر، لكن مسؤولين أميركيين أقروا بأن الوضع خطير ومتطور.


هذا التصعيد المتبادل رفع مستوى التوتر إلى أقصى درجاته، مع تحذيرات من انزلاق المنطقة إلى حرب إقليمية شاملة، وبدأت عواصم غربية وعربية اتصالات مكثفة لاحتواء الأزمة، بينما اعتبر محللون أن قواعد الاشتباك القديمة انهارت، وأن المنطقة دخلت مرحلة مواجهة مباشرة غير مسبوقة بين إيران من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى.
ردود الأفعال… من الداخل الإيراني إلى المرجعيات الدينية
شكل نبأ مقتل خامنئي صدمة كبرى داخل إيران وخارجها، وأطلق موجة واسعة من ردود الفعل السياسية والرسمية، اتسمت جميعها بنبرة حزن عميق مقرون بتعهدات صريحة بالرد والانتقام، إلى جانب دعوات متكررة للحفاظ على الوحدة الوطنية في لحظة وصفت بأنها الأخطر في تاريخ الجمهورية الإسلامية المعاصر. ومنذ الساعات الأولى لتأكيد وسائل الإعلام الرسمية الإيرانية خبر مقتله وإعلان الحداد العام، توالت البيانات والرسائل من كبار المسؤولين والمؤسسات الدستورية والدينية والعسكرية، عاكسة حالة تعبئة سياسية وأمنية شاملة.
في مقدمة المواقف الرسمية، جاء خطاب رئيس الجمهورية، مسعود بزشكيان، الذي وصف الحدث بأنه أعظم ابتلاء يواجهه العالم الإسلامي اليوم، معتبرا أن اغتيال صاحب أعلى منصب سياسي في الجمهورية الإسلامية يشكل إعلان حرب صريحًا، وأكد بزشكيان أن الجمهورية الإسلامية ترى الثأر والانتقام من الآمرين والمنفذين واجبا وحقا مشروعا، متعهدا بتسخير كل الإمكانات لتحقيق ذلك. وفي الوقت نفسه، شدد على مواصلة طريق الثورة، مؤكدا أن المسار الذي رسمه خامنئي سيستمر بعزم لا يلين و بالاستناد إلى إرادة الشعب.

من جانبه، ظهر رئيس البرلمان، محمد باقر قاليباف، في رسالة مصوّرة حملت لهجة حادة، قال فيها إن إيران لن تهزم أبدا، وإن المسؤولين عن مقتل المرشد سيدفعون ثمنا باهظا، واعتبر أن يوم مقتله كان أشد مرارة من يوم اغتيال قاسم سليماني، القائد السابق في فيلق القدس، واصفا إياه بشهيد الثورة. كما أعلن أن الخط الأحمر لإيران قد تم تجاوزه، مضيفا أن المرحلة لم تعد مجرد مواجهة عسكرية، بل وقت الانتقام، مع تعهد برد يجعل الطرف المقابل يندم. وفي موازاة ذلك، دعا قاليباف الإيرانيين إلى تجاوز الخلافات الداخلية والتمسك بالوحدة في مواجهة التهديدات الخارجية.

في السياق نفسه، أصدر نواب البرلمان بيانا جماعيا أكدوا فيه أن مقتل خامنئي ليس نهاية الطريق، بل بداية فصل جديد من المقاومة. وأشاد البيان بدوره بوصفه في طليعة محور المقاومة ونصيرا للمظلومين، معتبرا أن الثبات في مواجهة ما سموه الاستكبار كان الركيزة الأساسية للاقتدار الوطني. وتعهد النواب بتوجيه رد صاعق لمرتكبي ما وصفوه بالجريمة الجنونية، مؤكدين أن دم خامنئي سيحوَل إلى رأسمال للتقدم والاقتدار.

أما وزارة الدفاع الإيرانية، فقد أصدرت بيانا وصف بأنه من أكثر المواقف صراحة من الناحية العسكرية، إذ أعلنت أن جميع القواعد والمصالح الأمريكية في المنطقة تعد أهدافا مشروعة للقوات المسلحة، واعتبرت أن ما جرى تجاوز لكل الخطوط الحمراء، خصوصا أنه وقع، بحسب البيان، في خضم جولة مفاوضات. وشددت الوزارة على أن الرد سيكون قاسيا، مؤكدة عدم وجود أي تساهل فيما وصفته بانتقام قائد الأمة.

على المستوى الديني، برز موقف المرجع الشيعي الأعلى علي الحسيني السيستاني، الذي قدم تعازيه إلى الشعب الإيراني وعموم المسلمين، واصفا الحدث بأنه مصاب أليم. وأكد أن مكانة خامنئي ودوره في قيادة الجمهورية الإسلامية واضحان للجميع، محذرا من أن استهدافه في ظل عدوان عسكري واسع يهدف إلى ضرب إيران. ودعا السيستاني إلى الحفاظ على الوحدة الوطنية وعدم تمكين المعتدين من تحقيق أهدافهم، في رسالة حملت نبرة تهدئة نسبية مقرونة بتشديد على التماسك الداخلي.

في طهران، أصدر الرئيس الأسبق حسن روحاني رسالة تعزية وصف فيها خامنئي بالقائد الذي أفنى عمره في خدمة الإسلام والثورة، معتبرا أن استشهاده سيزيد من تماسك الشعب الإيراني. ودعا روحاني إلى تطبيق نهج العزة والحكمة والمصلحة، مؤكدًا أهمية الوحدة والهدوء الاجتماعي في هذه المرحلة الحساسة. كما أشار إلى دور مجلس القيادة المؤقت في إدارة البلاد خلال المرحلة الانتقالية، في إشارة إلى ترتيبات دستورية لضمان استمرارية مؤسسات الحكم.

كذلك عبر حسن الخميني، حفيد مؤسس الثورة، عن حزنه واصفا خامنئي بأنه بقي كبيرا وسيظل بطلا في ذاكرة الشعب، ودعا إلى السير في طريقه بطريق الإمام والأنبياء، مشددا على ضرورة الثبات في الدفاع عن النظام. وأكد أن الشعب الإيراني، كما تجاوز أزمات سابقة، سيعبر هذه المحنة بوحدة أكبر ودعم لقرارات المسؤولين.

وفي الإطار السياسي الأوسع، نشر علي لاريجاني تدوينة مقتضبة على منصة إكس قال فيها إن الولايات المتحدة وإسرائيل أحرقتا قلب الأمة الإيرانية، متوعدا بردّ مماثل. ورغم قصر العبارة، فإنها عكست مزاجا عاما يسود الخطاب الرسمي، قوامه الجمع بين الحداد والتصعيد.

تتقاطع هذه المواقف جميعا في ثلاثة محاور أساسية، أولا، توصيف مقتل خامنئي باعتباره حدثا مفصليا يتجاوز كونه اغتيالا سياسيا ليقدم بوصفه اعتداء على الأمة الإسلامية، ثانيا، التأكيد على أن الرد قادم، مع تباين في درجة التصعيد بين خطاب سياسي يدعو للوحدة وخطاب عسكري يحدد أهدافا مباشرة. وثالثا، الدعوة إلى التماسك الداخلي ومنع الانقسام، بوصفه شرطا لمواجهة المرحلة المقبلة.
ماذا يحدث في حال خلو منصب المرشد؟
ينص الدستور الإيراني في مادته ١١١ على آلية تفصيلية وواضحة للتعامل مع حالة وفاة المرشد أو عجزه عن أداء مهامه، وهي مادة صيغت أساسا لتجنب أي فراغ في قمة هرم السلطة في لحظات الأزمات. فبمجرد شغور المنصب، سواء بالوفاة أو الاستقالة أو العزل، يصبح مجلس خبراء القيادة، وهو هيئة منتخبة من الشعب ومخولة حصريا باختيار المرشد، ملزما بالاجتماع في أسرع وقت ممكن لاتخاذ قرار حاسم بشأن اختيار قائد جديد. ويملك المجلس، وفق النص الدستوري، خيارين، إما انتخاب شخص واحد يتولى منصب القيادة، أو، إذا رأى ذلك مناسبا، تشكيل مجلس قيادة جماعي، رغم أن التجربة السابقة كرست نموذج القائد الفرد.
ولا يقتصر دور مجلس الخبراء على الاختيار فحسب، بل يشمل أيضا التحقق من توافر الشروط الدستورية المنصوص عليها في المادتين ٥ و١٠٩، والمتعلقة بالكفاءة العلمية والعدالة والقدرة على إدارة شؤون البلاد. ومن ثم فإن اجتماعه في هذه المرحلة لا يقتصر على إجراء شكلي، بل يتضمن نقاشات معمقة حول أهلية المرشحين، ومدى قدرتهم على إدارة مرحلة حساسة داخليا وإقليميا.

وخلال الفترة الانتقالية التي تفصل بين شغور المنصب وتعيين القائد الجديد، تنتقل صلاحيات المرشد إلى مجلس مؤقت يتكوّن من رئيس الجمهورية، ورئيس السلطة القضائية، وأحد فقهاء مجلس صيانة الدستور يختار من قبل مجمع تشخيص مصلحة النظام، وهو الأمر الذي نفذ بالفعل بانضمام علیرضا اعرافي لبزشكيان ومحسني ايجئي رئيس السلطة القضائية، ويتولى هذا المجلس مجتمعا ممارسة صلاحيات القيادة بصورة مؤقتة، بما في ذلك الإشراف العام على السياسات الكبرى، والتنسيق في القضايا الدفاعية والأمنية، واتخاذ القرارات الضرورية لضمان استمرارية الدولة. وفي بعض الصلاحيات الحساسة، يشترط الدستور موافقة نسبة مرتفعة من أعضاء مجمع تشخيص مصلحة النظام، ما يضيف طبقة إضافية من الرقابة المؤسسية.
يهدف هذا الترتيب إلى منع حدوث فراغ دستوري أو ارتباك سياسي في قمة السلطة، خصوصًا في نظام تتركز فيه صلاحيات استراتيجية في موقع المرشد، لا سيما في مجالي السياسة الخارجية والدفاع. كما يسعى إلى طمأنة الداخل والخارج بأن انتقال السلطة محكوم بإطار قانوني محدد سلفا، وليس رهين ترتيبات ظرفية أو توازنات غير واضحة.
سيرة خامنئي… من مشهد إلى قمة السلطة
من منزل متواضع في أحد أحياء مشهد الفقيرة إلى موقع القيادة في الجمهورية الإسلامية، تمتد سيرة علي الحسيني خامنئي على أكثر من ثمانية عقود شكلت خلالها التحولات الكبرى في إيران ملامح مسيرته الشخصية والعامة. فقد ولد في أبريل/ نيسان عام ١٩٣٩ في مشهد، في أسرة دينية معروفة بالزهد وبساطة العيش، وكان الابن الثاني لوالده السيد جواد الحسيني خامنئي، أحد علماء المدينة. نشأ في بيت صغير لا تتجاوز مساحته نحو ٦٠أو ٧٠ مترا، في ظروف معيشية صعبة تركت أثرها في وعيه المبكر، حيث ارتبطت طفولته بقيم القناعة والتحمل.

بدأ تعليمه في سن الرابعة بتعلم القرآن في الكتاب، ثم تابع دراسته الابتدائية في المدرسة الدينية في مشهد. بالتوازي مع التعليم النظامي، اتجه مبكرا إلى الدراسة الحوزوية، فأنهى المقدمات والسطوح في مدارس مشهد، قبل أن يحضر دروس الخارج لدى رجل الدين الشيعي محمد هادي الميلاني في منتصف خمسينيات القرن العشرين.
وفي عام ١٩٥٧ زار مدينة النجف لفترة قصيرة وحضر دروس عدد من كبار علمائها، لكنه عاد إلى مشهد. وبعد عام تقريبا، أي في ١٩٥٨، انتقل إلى قم لمواصلة التحصيل، حيث تتلمذ على أسماء بارزة في الحوزة، من بينها البروجردي، والخميني والطباطبائي، ومثلت مرحلة قم محطة علمية مؤثرة، غير أنه عاد إلى مشهد عام ١٩٦٤ بسبب ظروف والده الصحية، ليستأنف التدريس والبحث العلمي.
في مشهد، لم يقتصر نشاطه على التدريس الحوزوي، بل أسس جلسات تفسير قرآني جذبت شرائح واسعة من الشباب والطلاب الجامعيين. وقد اتخذت تلك الدروس طابعا فكريا، حيث سعى إلى ربط المفاهيم القرآنية بقضايا الواقع، في سياق مرحلة كانت تشهد تصاعد التوتر السياسي في البلاد. ومع انطلاق حركة الخميني في أوائل الستينيات، انخرط خامنئي في النشاط السياسي، فتعرض للاعتقال عدة مرات خلال تلك السنوات. وفي سبعينيات القرن العشرين نفي إلى مدينة إيرانشهر في جنوب البلاد. ورغم القيود، واصل نشاطه الديني والاجتماعي حتى عودته إلى مشهد في أواخر عام ١٩٧٨ مع اشتداد الحراك الشعبي واقتراب سقوط نظام الشاه.

بعد انتصار الثورة الإسلامية في فبراير/ شباط ١٩٧٩، دخل خامنئي مرحلة جديدة من العمل السياسي والمؤسسي. كان من أعضاء مجلس الثورة، وأسندت إليه مهام في ملفات متعددة، ثم أصبح إماما لصلاة الجمعة في طهران عام ١٩٧٩. انتخب نائبا في البرلمان عن طهران، وتولى رئاسة لجنة الشؤون الدفاعية في ظل اندلاع الحرب العراقية الإيرانية في سبتمبر/ أيلول١٩٨٠، حيث شارك في أدوار تنسيقية مرتبطة بملف الدفاع. وفي أكتوبر/ تشرين الأول ١٩٨١ انتخب رئيسا للجمهورية، وظل في المنصب حتى عام ١٩٨٩، في فترة طغت عليها تحديات الحرب وإعادة ترتيب مؤسسات الدولة بعد سنوات الاضطراب.

في ٤ يونيو ١٩٨٩، وبعد وفاة الإمام الخميني، انتخبه مجلس خبراء القيادة قائدا للجمهورية الإسلامية، ثم جدد انتخابه عقب التعديلات الدستورية في العام نفسه. مثل ذلك التحول محطة مفصلية في مسيرته، إذ انتقل من موقع الرئاسة التنفيذية إلى موقع القيادة العليا للنظام، وظل في منصبه حتى استهدف في الغارات الإسرائيلية الأمريكية الأخيرة.


هكذا تتقاطع في سيرته محطات النشأة المتواضعة، والتحصيل الحوزوي، والانخراط في العمل السياسي المعارض، ثم المشاركة في تأسيس مؤسسات ما بعد الثورة، وصولا إلى موقع القيادة، مسار يعكس تداخل الديني بالسياسي والثقافي في شخصية لعبت دورا محوريا في تاريخ إيران المعاصر.

