تحولات الخطاب الأمريكي حول الحرب مع إيران… بين الأهداف المتبدلة والانقسام الدستوري والمستقبل المفتوح

Image 37 1024x683
Image

منذ اللحظة التي أعلنت فيها الإدارة الأمريكية بدء الضربات ضد إيران، السبت 28 فبراير/ شباط 2026، لم تكن المعركة مقتصرة على الميدان العسكري وحده، بل امتدت سريعا إلى الداخل الأمريكي، حيث انفجرت موجة من الجدل السياسي والدستوري والإعلامي حول طبيعة الحرب وأهدافها وحدودها. فبين تصريحات تؤكد أن العملية دفاعية واستباقية لمنع تهديد وشيك، وأخرى تلمح إلى تغيير النظام وفتح صفحة جديدة في طهران، بدا الخطاب الرسمي متحركا ومتعدد الزوايا، ما أثار تساؤلات حول وضوح الاستراتيجية النهائية.

البيت الأبيض، من جانبه، حاول تقديم صورة لحملة عسكرية محسوبة ومدروسة، لكن تباين الرسائل الصادرة عن الرئيس الأمريكي وكبار المسؤولين أوجد حالة من الارتباك داخل واشنطن. وفي ظل هذا المناخ، عاد النقاش القديم حول صلاحيات الحرب ودور الكونجرس ليحتل الصدارة، بينما انقسم الرأي العام بين من يرى في التحرك ضرورة أمنية، ومن يخشى الانزلاق إلى نزاع طويل ومكلف. هكذا، أصبحت الحرب مع إيران مرآة تعكس صراعا أعمق داخل الولايات المتحدة حول مفهوم القوة، وحدود القيادة التنفيذية، وأولويات السياسة الخارجية.

أهداف ترامب بين الردع العسكري وإعادة صياغة المعادلة الإقليمية

عند تحليل خطاب الرئيس دونالد ترامب منذ بدء العمليات، يتضح أن الهدف المعلن الأول كان القضاء على التهديد الصاروخي الإيراني ومنع طهران من تطوير قدرات نووية قد تشكل خطرا استراتيجيا على الولايات المتحدة وحلفائها. هذا الإطار الأمني قدم، حسب خبراء، باعتباره ضرورة لا تحتمل التأجيل، خاصة في ضوء تقييمات استخباراتية تحدثت عن استعدادات إيرانية للرد على أي هجوم إسرائيلي باستهداف القوات الأمريكية في المنطقة.

ترامب شدد في أكثر من مناسبة على أن امتلاك إيران لصواريخ بعيدة المدى وأسلحة نووية سيكون “تهديدا غير مقبول”، ما وضع العملية في سياق الردع الوقائي. وبحسب الرواية الرسمية، فإن التحرك جاء لمنع إيران من الوصول إلى نقطة الحصانة التي تمتلك فيها من الصواريخ والطائرات المسيرة ما يكفي لردع أي محاولة لوقف برنامجها النووي.

Image

لكن هذا الهدف الدفاعي لم يكن الإطار الوحيد للخطاب الرئاسي. ففي الساعات الأولى، دعا ترامب الإيرانيين إلى استعادة بلدهم، وهو تعبير فهم على نطاق واسع كإشارة إلى إمكانية تغيير النظام. ورغم أنه عاد لاحقا للتركيز على الأهداف العسكرية المباشرة، فإن هذه العبارة ظلت تلاحق الخطاب الرسمي، وأعادت إلى الأذهان تجارب أمريكية سابقة في العراق وأفغانستان، حيث تحولت العمليات المحدودة إلى مشاريع إعادة هندسة سياسية طويلة الأمد.

التناقض بين نفي السعي إلى تغيير النظام وبين الترحيب بإمكانية ظهور قيادة جديدة في إيران خلق انطباعا بأن الإدارة تبقي خياراتها مفتوحة، فوزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أشار إلى أن الولايات المتحدة “لن تمانع” إذا أسقط الشعب الإيراني قيادته، لكنه شدد على أن الهدف المباشر هو تدمير القدرات الصاروخية والبحرية. هذا التوازن الحذر بين الطموح السياسي والهدف العسكري يعكس إدراكا لحساسية الرأي العام الأمريكي تجاه الحروب المفتوحة.

Image

أما بشأن ما إذا كانت الأهداف قد تحققت، فالإدارة أعلنت عن تدمير واسع للبنية التحتية العسكرية الإيرانية، وإغراق سفن حربية، واستهداف مئات المواقع. غير أن تقييم النجاح يبقى معلقا على المدى الزمني، خصوصا في ظل ضربات إيرانية قوية للقواعد الأمريكية في المنطقة والاستهداف المباشر لتل أبيب، فإذا كانت الغاية هي القضاء الكامل على التهديد، فإن السؤال حول قدرة إيران على إعادة بناء قدراتها سيظل مطروحا. وإذا كانت الغاية أوسع، أي إعادة صياغة التوازن الإقليمي، فإن النتائج السياسية لم تتضح بعد.

بذلك، يمكن القول إن أهداف ترامب تحركت بين ثلاث دوائر، دائرة الردع العسكري المباشر، ودائرة منع التسلح النووي، ودائرة إعادة تشكيل البيئة السياسية في إيران. وبين هذه الدوائر، ظل الخطاب يتبدل، ما أضعف وضوح الصورة أمام الداخل الأمريكي، وأبقى الباب مفتوحا أمام التأويلات.

الكونجرس في مواجهة الرئيس…أصوات معارضة تتصاعد وانتقادات مباشرة لترامب

مع اتساع نطاق العمليات العسكرية ضد إيران، برز داخل الكونجرس تيار معارض قوي لم يكتف بالتشكيك في جدوى الحرب، بل وجه انتقادات مباشرة للرئيس ترامب، معتبرا أن القرار اتخذ بشكل أحادي، ودون تفويض دستوري، ودون وضوح كاف في الأهداف أو المدى الزمني. هذا التيار، الذي يضم غالبية الديمقراطيين وعددا من الجمهوريين، ركز على ثلاث نقاط أساسية، شرعية القرار، خطورة الانزلاق إلى حرب مفتوحة، وغياب استراتيجية خروج واضحة.

زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ، السيناتور تشاك شومر، كان من أوائل المنتقدين، إذ دعا المجلس إلى العودة فورا للانعقاد للتصويت على قرار يفعّل قانون صلاحيات الحرب. شومر قال بوضوح إن الإدارة لم تقدم للكونجرس وللشعب الأمريكي تفاصيل حاسمة حول نطاق التهديد ومدى إلحاحه، مشددا على أن أي مواجهة مع إيران، خاصة فيما يتعلق ببرنامجها النووي، تتطلب وضوحا استراتيجيا لا قرارات مفاجئة. انتقاد شومر لم يكن موجها فقط إلى العملية العسكرية، بل إلى أسلوب إدارتها سياسيا.

Image

السيناتور مارك وارنر، كبير الديمقراطيين في لجنة الاستخبارات، من جانبه، ذهب أبعد من ذلك حين شكك في دستورية الضربات، مؤكدا أن الدستور واضح في إسناد قرار إدخال البلاد في حرب إلى الكونجرس، واعتبر أن إطلاق عمليات عسكرية واسعة النطاق في غياب تهديد وشيك للولايات المتحدة يثير مخاوف قانونية ودستورية جدية. بهذا الطرح، وضع وارنر الإدارة في مواجهة مباشرة مع النص الدستوري، لا مع الخلاف السياسي فقط.

Image

أما السيناتور تيم كين، الذي كان يستعد أصلا لطرح قرار يقيد قدرة الرئيس على شن عمليات عسكرية ضد إيران دون موافقة تشريعية، فقد وصف الضربات بأنها خطأ فادح. كين شدد على ضرورة أن يعود مجلس الشيوخ فورا للانعقاد للتصويت، معتبرا أن كل عضو يجب أن يحدد موقفه من هذا الإجراء الخطير وغير الضروري والأحمق على حد وصفه. هذه اللغة الحادة عكست حجم الغضب داخل أوساط ديمقراطية ترى أن البلاد تجر إلى نزاع جديد في الشرق الأوسط دون إجماع وطني.

Image

في مجلس النواب، عبر زعيم الأقلية حكيم جيفريز عن موقف ناقد بلهجة متوازنة، إذ أقر بأن إيران تمثل طرفا سيئ السلوك يجب مواجهته، لكنه في الوقت نفسه أدان الرئيس لعدم طلبه موافقة الكونجرس، وطالب الإدارة بتقديم مبررات واضحة وخطة لتجنب مستنقع عسكري مكلف وطويل الأمد، هذا المصطلح الأخير أعاد إلى الأذهان تجارب العراق وأفغانستان، حيث تحولت العمليات المحدودة إلى التزامات ممتدة لعقود.

Image

السيناتور جاك ريد، كبير الديمقراطيين في لجنة القوات المسلحة، حذر من أن ترامب أدخل الأمة في حرب كبرى مع إيران دون تفويض، مشيرا إلى أن إيران، رغم ما تعرضت له من ضربات، بعيدة عن أن تكون عاجزة، وقادرة على الرد عبر هجمات مضادة أو إلكترونية. هذا التحذير ركز على المخاطر العملية للحرب، لا على شرعيتها فقط.

Image

حتى داخل الحزب الجمهوري، برزت أصوات معارضة لنهج الرئيس. السيناتور راند بول أعلن بوضوح أنه يعارض حربا رئاسية أخرى”، مؤكدا أن الدستور منح الكونجرس سلطة إعلان الحرب لجعل الحرب أقل احتمالا. أما النائب توماس ماسي، فوصف الضربات بأنها أعمال حرب غير مصرح بها من الكونجرس، في تحد مباشر لشرعية القرار التنفيذي. هذه المواقف أظهرت أن الاعتراض لا يقتصر على المعارضة الديمقراطية، بل يشمل تيارا جمهوريا يرفض التوسع في التدخلات الخارجية.

Image

في السياق نفسه، أصدرت عضوة الكونجرس سارة إلفريث بيانا قالت فيه إن الأمريكيين استيقظوا على خبر دخول الولايات المتحدة في نزاع خارجي غير محدد المعالم، معتبرة أن الرئيس نفسه أقر بإمكانية فقدان أرواح أمريكية. وانتقدت غياب المبررات القانونية أو التشاور مع الكونجرس، مؤكدة دعمها لقرار إنهاء الأعمال العدائية.

Image

النائب رو خانا وصف الحرب بأنها تغيير نظام غير قانوني، داعيا كل عضو في الكونجرس إلى تسجيل موقفه رسميا. هذا الطرح عكس قناعة لدى قطاع من المشرعين بأن الإدارة تجاوزت حدودها الدستورية، وأن ترك الأمر دون مساءلة سيؤسس لسابقة خطيرة.

Image

في خضم هذا الجدل، جاءت تصريحات وزير الخارجية ماركو روبيو لتزيد المشهد تعقيدا، فقد أكد أن الولايات المتحدة تحركت استباقيا لأن معلومات استخباراتية أشارت إلى أن إيران ستهاجم القوات الأمريكية ردا على تحرك إسرائيلي، روبيو قال إن هناك تهديدا وشيكا بالفعل، وإن الانتظار كان سيؤدي إلى خسائر أكبر وربما قتلى أكثر. كما شدد على أن هدف العملية هو تدمير القدرات الصاروخية والبحرية الإيرانية، وأن الرئيس ليس ملزما بالحصول على تفويض مسبق، مشيرا إلى أن الإدارة أبلغت قيادات الكونجرس وفق ما يقتضيه القانون.

Image

غير أن هذه التصريحات، وبدلا أن تخفف الانتقادات، غذت تساؤلات إضافية، حيث يطرح الخبراء انه في حال كانت الضربة دفاعية واستباقية، فلماذا بدت الأهداف السياسية متحركة بين منع التسلح النووي والتلميح إلى تغيير النظام؟ ولماذا لم يقدم إطار زمني واضح؟ معارضو الحرب رأوا في كلام روبيو محاولة لتبرير قرار اتخذ سلفا، لا استجابة اضطرارية لتهديد فوري.

ورغم تصاعد هذا التيار المعارض، لا يمكن تجاهل وجود أصوات مؤيدة للرئيس داخل الكونجرس، فرئيس مجلس النواب مايك جونسون، والسيناتور جون ثون، والسيناتور توم كوتون، وغيرهم، اعتبروا أن التحرك ضروري لحماية الأمن القومي وردع إيران. كما أعلن السيناتور الديمقراطي جون فيترمان دعمه للضربات، معتبرا أن الرئيس قام بما هو ضروري على حد وصفه.

Image
Image
Image

لكن الصورة العامة داخل الكونجرس تبقى صورة انقسام حاد، يتصدرها تيار واسع ينتقد الرئيس ويخشى من حرب مفتوحة دون تفويض واضح أو نهاية محددة. وفي ظل هذا المشهد، تبدو المعركة السياسية في واشنطن موازية للمعركة العسكرية، وقد تكون نتائجها لا تقل تأثيرًا على مستقبل الحرب ومسارها.

المستقبل واحتمالات تغير الموقف الداخلي الأمريكي

يرى محللون وخبراء أن المسار المستقبلي للحرب سيرتبط ارتباطا وثيقا بتطورات الداخل الأمريكي، فإذا استطاعت الإدارة إظهار نتائج ملموسة وسريعة، سواء عبر تراجع التهديد الإيراني أو فتح مسار تفاوضي جديد، فقد تحافظ على دعم نسبي. لكن أي تعثر ميداني أو ارتفاع في عدد الضحايا، وهو ما تجري إليه الأمور الآن، قد يغير المزاج العام بسرعة.

العامل الاقتصادي سيظل عنصرا ضاغطا كذلك، فالحروب الخارجية غالبا ما تنعكس على أسعار الطاقة والأسواق، وأي تأثير مباشر على حياة المواطنين سيعزز خطاب المعارضين الذين يحذرون من حرب بلا نهاية، خصوصا في ظل ارتفاع أسعار النفط إلى معدلات عالية بعد بدء الحرب وإعلان الحرس الثوري غلق مضيق هرمز حيث يمر 20 بالمئة من نفط العالم الإثنين 2 مارس/ آذار ،2026 وفي ظل مناخ سياسي حساس، قد تتحول الحرب إلى قضية انتخابية بامتياز، خاصة إذا طال أمدها.

Image

دستوريا، قد يسعى الكونجرس إلى فرض قيود إضافية، سواء عبر قرارات صلاحيات الحرب أو عبر شروط تمويل العمليات، مثل هذه الخطوات ستعيد رسم العلاقة بين السلطتين، وقد تخلق مواجهة سياسية جديدة داخل واشنطن.

على الصعيد الاستراتيجي، يبقى السؤال الأكبر، هل يمكن إنهاء العملية دون توسيعها؟ إذا اكتفت الإدارة بتدمير قدرات محددة، فقد تعلن نجاح المهمة وتتحرك نحو خفض التصعيد. أما إذا اتجهت إلى محاولة تغيير السلوك الإيراني جذريا، فقد تجد نفسها في مواجهة معقدة وطويلة.

في النهاية، تبقى الحرب مع إيران ليست فقط اختبارا للقوة العسكرية الأمريكية، بل أيضا لاختبار التماسك السياسي الداخلي، فالخطاب الذي بدأ تحت عنوان الردع الوقائي تحول إلى نقاش أوسع حول حدود السلطة، وأخلاقيات التدخل، ومعنى الأمن القومي. وما إذا كان الموقف الداخلي سيتغير جذريا أم سيبقى منقسما، سيعتمد على قدرة الإدارة على توحيد رسالتها، وعلى مسار الأحداث في الميدان، وعلى مدى اقتناع الأمريكيين بأن هذه الحرب، مهما كانت كلفتها، تخدم بالفعل مصالحهم وأمنهم على المدى الطويل.

كلمات مفتاحية: