- زاد إيران - المحرر
- 598 Views
ترجمة: دنيا ياسر نور الدين
نشرت صحيفة “آكاه” الإيرانية الأصولية، الأربعاء 10 سبتمبر/أيلول 2025، تقريرا استعرضت فيه تحركات ومواقف الإصلاحيين في إيران خلال الفترة الأخيرة، مركّزا على لقاءاتهم الإعلامية والسياسية وشعاراتهم المتكررة مثل التفاوض مع الولايات المتحدة ورفع الإقامة الجبرية عن قادتهم، وأشار إلى أنّ هذه المواقف ليست سوى ذريعة للهروب من المسؤولية الحقيقية في مواجهة أزمات البلاد الأساسية، وعلى رأسها الأزمتان الاقتصادية والمعيشية.
شكاوى الإصلاحيين من التهميش الإعلامي
ذكرت الصحيفة أنّ آذر منصوري (رئيسة جبهة الإصلاحات وأمينة حزب اتحاد ملت) بعثت برسالة وُصفت بالتاريخية، إلى رئيس مجلس الإشراف على هيئة الإذاعة والتلفزيون الرسمية “صداوسيما”، وانتقدت فيها بثّ برامج ردّت على البيان الأخير لجبهتها، معتبرة ذلك اتهاما وتشويها وظلما، وطالبت بمتابعة عاجلة.
وتابعت أنّ هذه المزاعم تأتي في وقت كانت فيه هيئة الإذاعة والتلفزيون قد اكتفت بنقل ردود الفعل السياسية والإعلامية المختلفة على البيان ذاته، كما أنّ وسائل إعلام التيار الثوري اعتبرت ما ورد في ذلك البيان انعكاسا لـ”خطاب الإستسلام والمساومة”، وفي ظل هذه التجاذبات، يرى التيار المتشدد داخل الإصلاحات أنّه واقع تحت ظلم وأن صوته غير مسموع ولا يستطيع الدفاع عن نفسه.

أردفت الصحيفة أن هذه المزاعم تأتي في وقت لا يزال فيه المقرّبون من الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي نشطين بقوة في الساحة السياسية، وتحركاتهم تحظى بتغطية واسعة في الإعلام الإصلاحي.
وأبرز مثال على ذلك اللقاء الذي عُقد في 2 سبتمبر/أيلول 2025، بين عدد من أعضاء منظمة مجاهدين الثورة الإسلامية- وهي منظمة سياسية يسارية كانت قد حُلّت في ثمانينيات القرن الماضي- مع مهدي كروبي، المرشح الإصلاحي الخاسر في انتخابات الرئاسة عام 2009 الموجود رهن الإقامة الجبرية منذ ذلك الحين.
وأضافت أن هذه المنظمة تم إحياؤها في عهد حكومة الرئيس الإيراني الأسبق حسن روحاني تحت اسم جديد هو حزب التنمية الوطنية، ولا تزال تلعب دورا محوريا في الجناح اليساري للتيار الإصلاحي
وأكدت الصحيفة أنّ شخصيات إيرانية بارزة حضرت ذلك اللقاء، من بينها: بهزاد نبوي، ومحسن آرمین، وعربسرخي، ومحمد كيانوشراد، وصادق نوروزي، وعلي تقيزاده، وحجت إسماعيلي، ومهدي تحققي، وحميد خزائي وأصغر نوروزي.
وبيّنت أنّ كلا من صادق نوروزي ومحسن آرمین يُعدّان من المؤثرين داخل “حزب التنمية الوطنية” ضمن جبهة الإصلاحات، فيما يُعرف آرمین خصوصا كأحد المنظّرين الأساسيين لهذا التيار.
وتابعت أنه خلال اللقاء، كرر كروبي عباراته التقليدية حول الشعب والثورة، وزعم فيما يخص العلاقات الخارجية قائلا: “في ما يتعلق بنوع علاقة إيران مع العالم، وضمن ذلك مع الولايات المتحدة، ينبغي أن تكون هناك إجابة… التفاوض المباشر مع الولايات المتحدة أمر ضروري”.
أوضحت الصحيفة أنّ هذا اللقاء حظي بتغطية واسعة في الإعلام الإصلاحي، حيث كانت وكالة “إنصاف نيوز”- المقربة من حكومة “الوفاق الوطني”- أول من نشر الخبر وفي اليوم التالي، تناولت صحيفة “هممیهن” (التي يرأس تحريرها السياسي المخضرم غلامحسين كرباسجي) الموضوع بتقرير بعنوان “أقطاب اليسار القدامى”، استعرضت فيه العلاقات السياسية بين كروبي ومنظمة مجاهدين الثورة.

وتابعت الصحيفة، نقلا عن التقرير، أن جريدة هممیهن لفتت إلى وجود تقاطعات بين التوجه السياسي لـ(مجمع رجال الدين المناضلين بزعامة مهدي كروبي) وبين “منظمة مجاهدين الثورة الإسلامية”.
وأوضحت أن “مجمع رجال الدين المناضلين” كان في البداية يشكّل الجناح اليساري لـ”مجتمع رجال الدين المناضلين”، قبل أن ينفصل عنه عام 1988 بسبب خلافات مع التيار اليميني التقليدي، ليؤسس كيانا مستقلا.
أما “منظمة مجاهدين الثورة الإسلامية”، فقد نشأت من رحم الجناح اليساري لـ”منظمة مجاهدين الثورة الإسلامية الإيرانية” في مطلع الثمانينيات، عندما اختلف بعض الأعضاء مع حسين راستي كاشاني، ممثّل الإمام الخميني في ذلك الوقت، متهمين المنظمة بالانحياز المفرط نحو اليمين، وعلى خلفية ذلك تم حلّ التنظيم عام 1986، غير أنّ الجناح اليساري أعاد إحياءه بعد خمس سنوات، في أكتوبر/تشرين الأول 1991، تحت الاسم نفسه.
وأضافت الصحيفة أنّه بهذه الصورة، شكّل كلّ من “مجمع رجال الدين المناضلين” بزعامة مهدي كروبي، و”منظمة مجاهدين الثورة الإسلامية” بمشاركة شخصيات مثل بهزاد نبوي، ومصطفى تاجزاده، وهاشم آقاجري ومحمد سلامتي، الركيزة الأساسية للجناح اليساري في إيران.
وأكدت صحيفة هممیهن الإصلاحية أنّ “منظمة مجاهدين الثورة الإسلامية” لعبت أدوارا محورية في محطات انتخابية متعددة، وفي ختام تقريرها، لفتت الصحيفة إلى أنّ أحداث عام 2009- وما تبعها من تداعيات- أدت إلى حالة من الجمود والركود السياسي وصلت حدّ تعليق شبه كامل للحياة السياسية، وهو ما وصِف آنذاك بـ”البرد السياسي”.
ومع ذلك، أشارت إلى أنّ تلك المرحلة الممتدة على مدى ستة عشر عاما أسست في الوقت نفسه لشبكة من العلاقات المتينة والمستمرة بين القوى السياسية اليسارية، وتُوّج هذا المسار مؤخرا بلقاء ما سمّته الصحيفة “أقطاب اليسار القدامى” حول قضية حضور مهدي كروبي، والمطالبة برفع الإقامة الجبرية المفروضة عليه.

لقاء كروبي و”أقطاب اليسار القدامى”
ذكرت الصحيفة أنّه رغم اللقاء الذي جمع “أقطاب اليسار القدامى” حول شخصية مهدي كروبي، فإن هناك نقطتين أساسيتين تستحقان التأمل: أولا، أن صحيفة هممیهن الإصلاحية من جهة دافعت عن علاقات كروبي مع “منظمة مجاهدين الثورة الإسلامية”.
ومن جهة أخرى، خصصت صحيفة اعتماد الإصلاحية في صفحتها الرئيسة لحوار خاص مع بهزاد نبوي (أحد القيادات البارزة في منظمة مجاهدين الثورة سابقا ورئيس سابق لجبهة الإصلاحات).
وأضافت أن هذا التلاقي الإعلامي يكشف عن انسجام نسبي بين الصحف الإصلاحية في دفع خط دعائي موحد قائم على تكرار خطاب تيارهم، حتى وإن كان خطابا مستهلكا وغير قابل للدفاع.
وتابعت أنّ نبوي في الحوار المذكور عاد ليكرر مواقفه السابقة بخصوص بيان جبهة الإصلاحات، قائلا: “كنت متوافقا مع جزء من البيان الذي أثار كثيرا من الانتقادات، بل إنني كنت أحمل آراء أكثر تشددا من مضمونه”.
وأردفت أن منتقدي البيان انقسموا إلى فئتين: فئة أبدت قبولها لمضمونه لكنها انتقدت توقيته، متسائلة على سبيل المثال عن سبب طرح مسألة تعليق التخصيب قبل رفع العقوبات وليس العكس، معتبرة أن ذلك ربما كان مطلبا مشروعا لم يُلتفت إليه في حينه، غير أنّ المقربين من معدّي البيان رأوا أنّ من الأنسب طرح الموضوع بتلك الصيغة.
وتابعت أنّه عندما سُئل نبوي عن مسألة التفاوض مع الولايات المتحدة، أكمل الصورة التي رسمها كروبي قائلا برأيي، التفاوض مع الولايات المتحدة قبل الحرب ذات الـ12 يوما كان منطقيا، والسعي للحوار معها في المستقبل أيضا أمر عقلاني، أما التفاوض مع أوروبا فيجب أن يستمر، لكن علينا أن ننتبه كي لا يُفرض علينا تفعيل آلية الزناد .
وأشارت الصحيفة إلى أنّ قراءة دقيقة لمواقف وتحركات الجناح الإصلاحي المتشدد خلال الأيام الأخيرة تكشف عن حقيقة أساسية، وهي أنّ الناشطين المنضوين بالأساس في حزب التنمية الوطنية – الذي يُعد الامتداد الطبيعي لـ”منظمة مجاهدين الثورة” وحزب اتحاد ملت الذي تشكّل بديلا عن “حزب المشاركة” المحظور، ما زالوا متمسكين بخطابهم ومصرّين على تبنّي مواقفهم السياسية ذاتها.
وأوضحت الصحيفة أنّه رغم ادعاءات الإصلاحيين بتهميش أصواتهم، فإن المنابر الإعلامية الإصلاحية ما زالت متاحة أمامهم بشكل كامل، وتنقل مواقفهم بوضوح ومن دون عوائق، ومع ذلك يظلّ السؤال الجوهري قائما: لماذا يرفض هؤلاء استخلاص الدروس من التجارب السابقة والتموضع في ما يُوصف بـ”الجانب الصحيح من التاريخ”؟
وبيّنت أنّ الخطاب الذي يروّجه هذا التيار لا يزال يتمحور حول ملفات مثل التفاوض مع الولايات المتحدة، ورفع الإقامة الجبرية عن مير حسين موسوي”رئيس الوزراء الأسبق وأحد أبرز قادة الاحتجاجات الإصلاحية عام 2009″، والإفراج عن المعتقلين السياسيين، إلى جانب شعارات أخرى، غير أنّ التساؤل المطروح هو ما إذا كان المجتمع يشاركهم هذه الأولويات، في وقت يواجه فيه المواطن ضغوطا متفاقمة ناجمة عن التضخم المرتفع، والبطالة البنيوية، وانتشار الفقر.
أوضحت أنّ بهزاد نبوي قدّم في الحوار المشار إليه إجابة لافتة، مؤكدا أنّ القضايا المطروحة من قبل بعض الإصلاحيين ليست من أولويات المواطنين، إذ تبقى الأزمة الاقتصادية والمعيشية هي المشكلة الأساسية التي يتوقف عليها مستقبل الدولة والنظام السياسي، وهي وحدها الكفيلة بدفع البلاد إلى الأمام.
وأضافت أنّ هذا الموقف يشكّل عمليا إقرارا بفشل استراتيجية الإصلاحيين، فطالما أنّ جوهر الأزمة يتمثل في الاقتصاد والمعيشة، يثار التساؤل حول جدوى طرح ملفات ثانوية تحت شعار “تغيير البارادايم” أي الانتقال إلى نموذج أو إطار فكري جديد يختلف عن الأساليب التقليدية.
كما تساءلت عن سبب اكتفاء هؤلاء السياسيين، على الرغم من علاقاتهم الجيدة بالمسؤولين، بالمراسلات والشعارات القديمة بدلا من تقديم حلول واقعية لمشكلات الشعب.
تجدد الدعوات للتفاوض مع واشنطن
واختتمت الصحيفة موضحة أنّ جوهر المشكلة يرتبط بالبنية الداخلية للمعسكر الإصلاحي، وتحديدا جناحه المتشدد، إذ إن تبنّي المواقف القصوى لا يُعدّ حلا بقدر ما يُستخدم كوسيلة للهروب من المسؤولية.
فطرح إصلاحات اقتصادية جدية، مثل إعادة هيكلة منظومة الدعم أو مكافحة الفساد البنيوي أو رفع الإنتاجية، يتطلب خبرة وشجاعة سياسية واستعدادا للمساءلة أمام الشعب، بينما رفع شعارات عامة مثل “التفاوض مع الولايات المتحدة” أو “رفع الحصار عن القادة المعارضين” لا يحتاج سوى منابر إعلامية قادرة على إعادة تدوير الخطاب القديم.
وأضافت أنّ هذا النهج المستهلك لا يسهم في معالجة أزمات البلاد، بل يكرّس الانقسام ويعيد إنتاج سيناريوهات تجاوزها الزمن، في حين تبقى القضايا الحقيقية مرتبطة بالاقتصاد ومعيشة المواطنين.
وأشارت إلى أنّ المجتمع الإيراني، خاصةً الشباب والطبقات الوسطى والفقيرة، لم يعد يتجاوب مع الشعارات المكررة، بل يبحث عن أفعال ملموسة وحلول واقعية، وهنا تكمن المعضلة التي يواجهها الجناح المتشدد، بل ربما التيار الإصلاحي بأكمله: إمّا أن ينخرط في هموم الشعب أو يبقى على هامش التاريخ أسير تكرار ذاته.

