جدل واسع حول علي دائي… من تهنئة بالنيروز إلى عاصفة انتقادات سياسية وإعلامية

في خضم أجواء مشحونة بالتوتر والانقسام، تتجدد في إيران النقاشات الحادة حول دور الشخصيات العامة وحدود مسؤوليتها تجاه القضايا الوطنية، خاصة في أوقات الأزمات. وبين من يرى أن على المشاهير اتخاذ مواقف واضحة وصريحة، ومن يفضلون خطابا إنسانيا عاما بعيدا عن الاستقطاب، تبرز حالة من التباين العميق في تقييم المواقف والتصريحات. وفي هذا السياق، تحول اسم أحد أبرز نجوم الرياضة في البلاد إلى محور جدل واسع، يعكس بدوره طبيعة الانقسام السياسي والإعلامي داخل المجتمع الإيراني في المرحلة الراهنة.

بداية القصة… منشور النيروز الذي أشعل الجدل

بدأت موجة الجدل الأخيرة حول أسطورة كرة القدم الإيرانية علي دائي مع منشور بسيط ظاهريا نشره على حسابه الرسمي في إنستجرام بمناسبة عيد النيروز لهذا العام، ففي الوقت الذي كانت فيه إيران تعيش حالة توتر وحزن، كتب دائي رسالة حملت طابعا إنسانيا عاما، قال فيها” التحية إلى أبناء وطني الأعزاء، هذا العام يختلف عيد النوروز عن الأعوام السابقة، إذ نحمل في قلوبنا حزن فقدان أحبتنا، إن العيد هذا العام هو فصل جديد للأمل، وللمزيد من الابتسامات، ولأيام أكثر إشراقا، مع أطيب التمنيات بإيران مزدهرة، حرة، بعيدة عن الحروب وسفك الدماء، تنعم بالخير والسلام، عيدكم سعيد، ابن إيران”.

Image

هذا المنشور، الذي بدا في ظاهره دعوة للسلام والتعاطف، لم يستقبل بالإجماع داخل إيران، بل تحول سريعا إلى محور نقاش واسع على وسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، فلم يكن السبب الرئيسي لهذا الجدل هو مضمون الرسالة بحد ذاته، بل ما اعتبره منتقدوه غيابا متعمّدا لأي إشارة مباشرة إلى الأحداث التي تشهدها البلاد، وعلى رأسها الهجمات التي استهدفت مناطق داخل إيران وأدت إلى سقوط ضحايا، من بينهم طلاب.

وبينما رأى بعض المتابعين أن دائي حاول الحفاظ على خطاب إنساني جامع بعيد عن الاستقطاب السياسي، اعتبر آخرون أن الصمت أو التعميم في مثل هذه الظروف يمثل موقفا بحد ذاته، بل وربما تقاعسا عن إدانة ما يعتبرونه اعتداء واضحا، على حد وصفهم، وهنا بدأت تتشكل روايتان متناقضتان، الأولى ترى في دائي شخصية تحاول الابتعاد عن التصعيد، والثانية تصفه بأنه تخلى عن مواقفه السابقة التي كانت أكثر صراحة في قضايا داخلية.

ومع تصاعد التفاعل، عاد كثيرون إلى سجل دائي السابق، مشيرين إلى أنه لم يكن دائما بهذه الدرجة من التحفظ، وهو ما فتح الباب أمام مقارنات حادة بين مواقفه الحالية ومواقفه في أحداث سابقة، الأمر الذي مهد لانتقال الجدل من مجرد نقاش شعبي إلى هجوم سياسي وإعلامي منظم.

هجوم منظم… تغريدات حميد رسائي وتقرير وكالة فارس

دخل الجدل مرحلة أكثر حدة بعد تدخل شخصيات سياسية وإعلامية بارزة، وعلى رأسها النائب البرلماني عن محافظة طهران، والتي تأتي على رأس المدن الإيرانية المعرضة للقصف يوميا منذ بدء الحرب، حميد رسائي، بالإضافة إلى وكالة أنباء فارس المقربة من التيار الأصولي، وقد شكّلت تغريدات رسائي وتصريحات الوكالة محورا رئيسيا في تصعيد الحملة ضد دائي.

ففي تغريدته الأولى، هاجم رسائي دائي بشكل مباشر، معتبرا أن صمته تجاه الاعتداء على أرض بلاده ومقتل آلاف من أبناء وطنه يجعله خارج إطار الرمزية الوطنية، بل ذهب أبعد من ذلك حين قال إنه ليس أسطورة الشعب الإيراني، بل أسطورة أعداء إيران. وأضاف رسائي أن ما وصفه بتهاون السلطة القضائية في التعامل معه عام ٢٠٢٢ ساهم في زيادة جرأته وتوهمه.

Image

أما في التغريدة الثانية، فقد انتقل رسائي إلى انتقاد الرمزية الرسمية المرتبطة باسم دائي، مشيرا إلى أن إطلاق اسمه على ملعب في أردبيل وشارع رئيسي في طهران زاد أيضا من توهمه، وذكر بأنه سبق أن طالب مجلس مدينة طهران بتغيير اسم الشارع عندما وقف دائي إلى جانب حركة المرأة، الحياة، الحرية التي اندلعت في العام 2022 عقب مقتل الفتاة الكردية مهسا أميني، إلا أن المجلس لم يستجب حينها، معتبرا أن الوقت قد حان لاتخاذ هذا القرار.

Image

وفي التغريدة الثالثة، صعد رسائي من لهجته، داعيا بشكل صريح إلى تغيير اسم الشارع الذي يحمل اسم دائي إلى اسم حسين محمدي، أحد الجنود  الإيرانيين والذي فقد أطرافه الأربعة خلال عمله على أحدى منصات الصواريخ، الذي وصفه بأنه يمثل النموذج الحقيقي للأسطورة الإيرانية، في إشارة إلى أشخاص قدموا تضحيات جسدية في ساحات القتال، كما أطلق تحذيرا مبطنا بأن “الشعب سيتولى الأمر” إذا لم يتحرك المجلس.

Image

أما التغريدة الرابعة، فقد وسع فيها دائرة الاتهام لتشمل عددا من المشاهير، متهما إياهم بالصمت المتعمد حفاظا على جنسياتهم الأجنبية ونمط حياتهم المترف في الخارج، في إشارة واضحة إلى دائي ضمنيا، واصفا هذا الصمت بأنه يأتي رغم استشهاد مئات من أبناء الوطن، بينهم أطفال.

Image

بالتوازي مع هذه التغريدات، نشرت وكالة فارس تقريرا مطولا انتقدت فيه دائي، مشيرة إلى أنه نشر تهنئة بالنيروز دون الإشارة إلى الهجمات التي قالت إنها أدت إلى مقتل أكثر من ١٦٠ طالبا في مدينة ميناب، وأكد التقرير أن هذا الموقف أثار تعجب المتابعين، خاصة أن دائي كان في السابق نشطا في التعليق على القضايا الاجتماعية والسياسية.

وأشار التقرير إلى أن بعض المستخدمين كانوا يبررون صمت دائي في الفترة الأخيرة باحتمال عدم وصوله إلى الإنترنت، إلا أن منشوره الأخير أثبت عكس ذلك، كما أعاد التقرير التذكير بموقفه في عام ٢٠٢٢ عندما كتب الصمت خيانة تعليقا على حادثة وفاة طالبة، رغم أن عائلتها نفت الرواية المتداولة حينها، بحسب التقرير.

Image

ولم تكتف فارس بذلك، بل ذهبت إلى تفسير صمت دائي الحالي باعتبارات تخص مصالحه الشخصية، معتبرة أنه يتجنب انتقاد دول يتردد عليها في إطار أعماله التجارية، حتى لا يتعرض لمشكلات، وهو اتهام يحمل طابعا سياسيا واضحا ويعكس حجم الاحتقان في الخطاب الإعلامي تجاهه.

علي دائي بين الأسطورة والجدل… تاريخ طويل من المواجهات مع الداخل الإيراني

لفهم حجم الجدل الحالي حول علي دائي، لا بد من العودة إلى مسيرته الطويلة التي لم تقتصر على الملاعب، بل امتدت إلى المجال العام، حيث تحول من مجرد لاعب كرة قدم إلى شخصية عامة ذات تأثير سياسي واجتماعي.

يعد دائي واحدا من أبرز لاعبي كرة القدم في تاريخ إيران وآسيا، حيث حقق إنجازات لافتة على مستوى الأندية والمنتخب، وكان لفترة طويلة الهداف التاريخي للمنتخبات الوطنية. هذه المكانة منحته شعبية واسعة ونفوذا معنويا كبيرا، جعلاه أكثر من مجرد رياضي، بل رمزا وطنيا في نظر كثيرين.

Image
Image

لكن هذه الرمزية لم تبقَ بمنأى عن السياسة. فمنذ اعتزاله، دخل دائي في عدة مواجهات غير مباشرة مع السلطات، خاصة عندما بدأ يعبر عن مواقف اجتماعية وسياسية عبر وسائل التواصل الاجتماعي. وكانت أبرز هذه المواجهات خلال أحداث عام ٢٠٢٢، عندما شهدت إيران احتجاجات واسعة على خلفية قضايا اجتماعية.

في تلك الفترة، نشر دائي عدة تعليقات اعتُبرت داعمة للاحتجاجات، أبرزها عبارته الشهيرة الصمت خيانة، والتي أصبحت لاحقا محور انتقاد واسع من قبل التيار الأصولي، خاصة بعد التشكيك في بعض الروايات التي استند إليها. ورغم الضغوط، لم يتراجع دائي عن مواقفه، ما عزز صورته كشخصية مستقلة، لكنه في الوقت نفسه زاد من حدة الانتقادات ضده.

Image

كما تعرض دائي في أكثر من مناسبة لإجراءات غير مباشرة، مثل إلغاء بعض نشاطاته أو التضييق على أعماله، وهو ما فسره أنصاره على أنه نتيجة لمواقفه السياسية. في المقابل، يرى منتقدوه أنه استغل شعبيته للتدخل في قضايا لا تخصه، وأن مواقفه كانت انتقائية أو متأثرة بعوامل خارجية.

ومن النقاط التي أُثيرت مرارا ضده أيضا علاقاته الخارجية ونشاطه التجاري في دول أخرى، حيث يتهم أحيانا بأنه يوازن بين مواقفه بما لا يضر بمصالحه، وهو الاتهام الذي عاد بقوة في الجدل الأخير. كما أن ابتعاده التدريجي عن المشهد الكروي، مقابل حضوره الإعلامي والسياسي، جعله عرضة لمزيد من التدقيق والمساءلة.

في المقابل، لا يزال دائي يحظى بدعم شريحة واسعة من الإيرانيين، الذين يرون فيه نموذجا للرياضي الذي لم ينفصل عن قضايا مجتمعه، حتى وإن اختلفوا مع بعض مواقفه. ويعتبر هؤلاء أن الهجمات ضده ذات طابع سياسي، وتهدف إلى تقويض تأثيره الرمزي.

وفي المحصلة، يعكس الجدل حول علي دائي حالة أوسع من الاستقطاب داخل المجتمع الإيراني، حيث لم تعد الشخصيات العامة تقيم فقط بناء على إنجازاتها، بل أيضا على مواقفها السياسية، وهو ما يجعل أي تصريح أو حتى صمت، مادة للنقاش وربما للصراع.

كلمات مفتاحية: