خبير  اجتماعي إيراني: الجريمة ليست فطرية بل انعكاس لبيئة غير عادلة

أجرت صحيفة آرمان ملي، السبت 19 يوليو/تموز 2025، حوارا مع أمان الله قرائي مقدم، أستاذ علم الاجتماع، لمناقشة أسباب تصاعد الأضرار الاجتماعية بإيران في ظل الظروف المضطربة التي يمر بها المجتمع.  وفي ما يلي نص الحوار

في ظل الظروف الحالية، ما الحالة النفسية والاجتماعية التي يعيشها الناس؟

إنّ ميدان الحياة هو الواقع اللحظي والآني الذي يعيشه الإنسان، حيث يتحرك فيه كأنه نقطة ضمن مجاله الحيوي، تتجاذبه فيه قوى متعارضة: بعضها يدفعه إلى الأمام، وأخرى تكبح حركته وتقيّده.

يحيط بكل منا، في كل زمان ومكان، مجال من القوى التي تمارس ضغطا علينا وتسعى لزعزعة توازننا، في مقابل قوى أخرى تحاول الحفاظ على هذا التوازن ومنع اختلاله.

لذا، نواجه دائما نوعين من القوى: قوى دافعة، وقوى مانعة أو كابحة، وكلما طغت قوة على الأخرى اختل توازننا ووقعنا في مشاكل وأضرار اجتماعية.

 فإذا كانت القوى المحفزة أو الدافعة أقوى، فثمة احتمال كبير أن ينخرط الفرد في أعمال مخالفة، منها: الجنوح، والجريمة، والإدمان، وما إلى ذلك. 

وعلى العكس، إذا كانت القوى الكابحة أقوى، فإنها قد تمنع الفرد من ارتكاب هذه الأعمال المخالفة. وبكل الأحوال، لكي لا ينخرط الفرد في سلوك منحرف، ينبغي أن تبقى هذه القوى دائما في حالة توازن في كل زمان ومكان.

نقطة أخرى، وهي أن الفضاء الحيوي لحياة كل فرد يتغير في كل لحظة وكل مكان، ولا يكون مطابقا لما قبله، لذلك، يسعى كل إنسان باستمرار إلى الحفاظ على توازنه والتكيف مع ظروف الزمان والمكان، وإلا فسيُعتبر مجنونا.

 ويليام شكسبير يرى في هذا الصدد أن العالم مسرح، وكل الرجال والنساء ليسوا إلا ممثلين ومؤدّين على خشبة هذا المسرح، وكل منهم يؤدي أدوارا متعددة تخصه طوال حياته.

 في الواقع، جميع أفراد المجتمع يشبهون الممثلين على خشبة المسرح، فكما يؤدّي الممثلون أدوارا محددة ومشخصة، فإن الأفراد أيضا يؤدّون أدوارا داخل المجتمع وفي مواقفهم وفضائهم الحيوي، وفقا لنص السيناريو الذي تحدده لهم المنظومة الاجتماعية.

هل يوجد توازن بين هذين النوعين من القوى في مجتمعنا؟

في المرحلة الأولى، ينبغي الإجابة عن هذا السؤال: في المجتمع الإيراني، أي من هذين النوعين من القوى يغلب عادة؟ هل هي القوى الدافعة أم القوى الكابحة؟ الواقع أن هذه القوى في إيران لا تتناسب كثيرا مع بعضها البعض، ولهذا السبب نشهد باستمرار ارتفاعا في معدلات مختلف أنواع الأضرار الاجتماعية في المجتمع.

ولكي نتمكن من تقليل مستوى هذه الأضرار الاجتماعية، فلا بد من السعي إلى تقليص القوى المحفّزة والمسبّبة للجريمة والانحراف، وفي المقابل توفير الرفاه والحماية الاجتماعية، وخصوصا للشرائح المحرومة.

 وفي هذا السياق، يجب توفير الإمكانات التعليمية والصناعية والاقتصادية والصحية، ومن جهة أخرى، يجب نقل الأقطاب الصناعية من المدن الكبرى إلى المناطق المحرومة، والتي تعتبر ملائمة من حيث الهيكل المكاني وفقا لمخططَي “ستيران” و”آمایش سرزمین”، وذلك للحد من موجات الهجرة من القرى إلى المدن، ومنها إلى الخارج، وبالتالي تقليل ظاهرة السكن العشوائي والحد من انتشار مختلف أنواع الأضرار الاجتماعية.

أما في غير هذه الحالة، فلن يتم تقليص الأضرار الاجتماعية، وسيكون الأمر كمن يدقّ الماء في الهاون، أعتقد أنه لا يوجد توازن كافٍ ولا لازم بين القوى المحفّزة والقوى الكابحة في المجتمع الإيراني، وإن مجموع القوى الدافعة لا يساوي مجموع القوى الرادعة.

ما الذي أخلّ بهذا التوازن؟

في هذا السياق، يجب دراسة الميدان الاجتماعي لفهم طبيعة هذا التحدي، فاليوم بات مقبولا أن البيئة الاجتماعية التي يعيش فيها كل إنسان، وعلاقاته مع الآخرين، تلعب دورا مهما في تحديد سلوكه وتصرفاته، وأن الفضاء الحيوي للفرد هو ما يدفعه نحو الجريمة.

في الواقع، كما يؤثر سلوك الآخرين في كل مجتمع على سلوك الفرد، فإن سلوك الفرد بدوره يؤثر في سلوك الآخرين، أي أن العلاقة بين الطرفين هي علاقة متبادلة. 

ذلك لأن كل شخص، في كل وقت، يكون بالنسبة للآخرين فردا من “الآخرين العامّين”، ومعنى ذلك أن الإنسان، لكونه دائم السلوك والتفاعل، فإن بيئته الاجتماعية وفضاء حياته في كل زمان ومكان يكون مليئا بتأثير وتأثّر الأفراد بعضهم ببعض، وهذه التفاعلات تأخذ أشكالا وأوضاعا مختلفة بحسب الزمان والمكان، وتتغيّر بتغيّر الظروف والأحوال والمواقع التي يوضع فيها الفرد.

وفي هذا المجال، يطرح عالم الاجتماع الأميركي تشارلز هورتون كولي مصطلح “الذات المرآوية”، ويقول إن وعي الفرد بذاته يتكوّن من خلال انعكاس سلوك الآخرين. 

فالمجتمع، على غرار المرآة، يعكس لنا صورتنا المادية، وبعبارة أخرى، فإن “الذات المرآوية” تعني إدراك الانعكاسات الصادرة عن سلوك الآخرين.

 ويرى كولي أن تصوّر الفرد عن نفسه ليس سوى انعكاس وتصور الآخرين له، ويعتقد أن الإنسان كما ينظر في المرآة إلى وجهه وهيئته ولباسه وحركاته، فإنه يقارن سلوكه وتصرفاته بأحكام المجتمع، ويسأل نفسه: ما هو حكم الآخرين عليّ؟

لذلك، يجب البحث عن أسباب ظهور أنواع الأضرار الاجتماعية داخل المجتمع نفسه، وطالما نظن أن الجريمة أمر فطري وذاتي، ولا علاقة للنظام الاجتماعي بها، فإن الجريمة والضرر لن يتراجعا في المجتمع، ولن تعالج السجون ولا الإعدامات هذه المشكلة.

كيف يمكن توعية المجتمع بأن الجريمة ليست سلوكا فطريا، بل نتاج لظروف اجتماعية واقتصادية؟

في هذا السياق، أضرب مثالا: العدالة تجرّ شابا اغتصب فتاة وانتهك عرضها إلى السجن والأغلال والقيود، لكنها لا تبحث أبدا في الظروف المحيطة بهذا الفعل. 

أو، على سبيل المثال، إذا بُسطت مائدة عامرة أمام جائع، فهل يمكن للتهديد بالعقوبة أن يمنعه من مدّ يده إلى الطعام؟ إذا أردنا حقا الحيلولة دون وقوع أنواع الجرائم والأضرار الاجتماعية، فعلينا أن نُهيّئ الفضاء المعيشي أو الميدان الاجتماعي للأفراد والمجتمع، وأن نتخلّى عن اعتبار الإجرام أمرا فطريا أو ذاتيا، وأن لا نوجّه كل طاقاتنا ومليارات التومانات من النفقات نحو بناء السجون.

علم اجتماع الجريمة يقول إن سبب الفشل في مكافحة الجريمة يكمن في عدم التعرّف على الجريمة بسبب عدم السعي الجاد لفهمها ومعرفة مسبباتها.

 ومع الأسف، فإن كل جهد مكافحي الجريمة انصبّ على علاج خاطئ وأداة غير مناسبة تُدعى “العقوبة”.

 وهذه الحال لا تزال مستمرة، وبعض الأشخاص لا يزالون غير مستعدين لتقبّل حقيقة أن المجتمع، من خلال فضائه الحياتي أو القوى الدافعة والكابحة التي أنتجها، يضطلع بدور في وقوع الأضرار الاجتماعية، وأن المجرم في الحقيقة هو إنسان مريض، والمجتمع هو من جعله كذلك.

وبعبارة أخرى، نحن نركّز على القضاء على “النتيجة”، بدلا من البحث عن “السبب”، في الوضع الراهن، تقوم العدالة بنفس الفعل الذي ارتكبه الجاني.

 العدالة التي تطالب باحترام حرية الآخرين لا يمكنها في الوقت ذاته أن تنتهكها، والعدالة التي تقول “لا تقتل” لا يمكنها أن تقتل. 

وكما قال الشاعر الفرنسي لامارتين واصفا حال مجتمعه: لماذا ينبغي أن نُقدّس الموت وكأنه فكرة سامية، والمشنقة وكأنها وسيلة مناسبة، والجلّاد وكأنه باعث على التوبة؟ لم يستطع أحد، في أي مكان في العالم، منذ بدء الخلق وحتى الآن، أن يطلق اسم “العدالة” على انتفاضة مجتمع بأكمله ضد فرد واحد.

وفي بعض الأحيان، لا يكون الفعل الذي يُمارس ضد المجرم ذا صلة بالعدالة على الإطلاق، بل ما لم تتغيّر الظروف المحيطة، وتظلّ القوى المحفّزة أقوى من القوى الكابحة، فلا يمكن الأمل في تقليص الأضرار الاجتماعية.