- محمود شعبان
- 607 Views
أجرت صحيفة شرق الإصلاحية، السبت 12 يوليو/تموز 2025، حوارا مع علي ماجدي، الدبلوماسي المخضرم وسفير إيران السابق لدى ألمانيا واليابان، حول تداعيات حرب الـ12 يوما التي شنتها إسرائيل على إيران، وتأثيرها على المشهد السياسي والداخلي والدبلوماسي في إيران، إضافة إلى التحديات التي تواجه إيران في مرحلة ما بعد الحرب.
وفي ما يلي نص الحوار:
لماذا تشهد إيران بعد الحرب المفروضة التي استمرت 12 يوما، حملات سياسية وإعلامية ضد الحكومة والرئيس الإيراني مسعود بزشکیان ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، تصل أحيانا إلى التشكيك في كفاءتهم ومطالبة بإقالة بزشکیان، رغم الظروف الراهنة التي تتطلب موقفا موحدا؟
إن الواقع الحالي يفرض على كل التيارات السياسية والأحزاب ووسائل الإعلام العمل على تعزيز الانسجام الوطني والحفاظ على وحدة إيران وإظهار صوت موحد. وهذا يتطلب الحكمة والتدبير واستخدام العقل الجمعي والذكاء السياسي والدبلوماسي، بعيدا عن العاطفة والشعارات والمواقف الحزبية الضيقة التي تضر بالمصلحة الوطنية العليا.
هل تعني أنك تنكر وجود الحالة العاطفية التي سادت بعد هذه الحرب المفروضة التي دامت 12 يوما؟
على الإطلاق، لا أنكر أن العدوان الإسرائيلي المدعوم من الولايات المتحدة أثار غضبا واسعا في إيران، لكن إلى جانب احترام هذه المشاعر، يجب أن نركز أكثر على العقل الجمعي والذكاء السياسي والدبلوماسي، ونتمتع بالصبر ونجري تقييمات دقيقة قبل اتخاذ أي قرار سياسي أو إعلامي أو دبلوماسي.
إن فترة الحرب كانت مختلفة والعاطفة لا مفر منها، أما الآن فلا بد من الحكمة والبحث عن حلول طويلة وقصيرة الأمد. فالانسجام الوطني والوحدة الداخلية مع صوت موحد يجب أن يكونا مصحوبين بالعقل والحكمة، لأن بعض الشعارات العاطفية بعد الحرب قد تضر بمصلحة إيران وتخدم الأعداء.
ولا مجال الآن لإنشاء انقسامات أو صراعات داخلية تسبب تشتتا. والوقت غير مناسب لمهاجمة الحكومة أو مسؤولينها. ورغم وجود صوت موحد من السلطة، هناك من يعقد الأوضاع بدوافع عاطفية مما يزيد الأعباء على إيران. ويجب على الجميع، حتى المختلفين سياسيا، دعم الحكومة والنظام. والنقد مطلوب، لكن الوقت ليس للمزايدات أو تأجيج الانقسامات الحزبية أو الطائفية.
هل هذا هو المسار الذي تسلكه السياسة في إيران حاليا؟
على مدار أربعين عاما جربنا أساليب لم تحقق النتائج المرجوة، ومن الطبيعي إعادة النظر أو تغيير المسار كما تفعل الدول الأخرى. ورغم دعوة بزشکیان للعودة إلى الشعب وتأكيد عراقجي على أهمية الدبلوماسية، تستمر الهجمات والشعارات السابقة وحتى الإهانات، مما يضر بالوحدة الوطنية التي تحتاجها إيران الآن بشدة.
فهذه الشعارات لا تخدم الوطن أو مصالحه، خصوصا وأن الحرب التي استمرت 12 يوما أودت بحياة علماء وشخصيات عسكرية ومدنيين أبرياء. لذا يجب الحفاظ على الوحدة التي تشكلت وعدم تمزيقها أو جرح مشاعر الناس.
لكن ماذا تقصد بالتبعات والتكاليف لبعض الشعارات؟ وما الفهم المحدد لديك؟
أنا أقصد بالتكاليف، هذه الحرب التي وصفها الإسرائيليين بأنها وقائية، أما نحن فنعتبرها عملا غادرا وعدوانيا.
هل يعني ذلك أن ما حدث هو نتيجة لهذه الشعارات التي أُطلقت خلال السنوات الماضية؟
ربما كان بالإمكان تجنب وصول إيران إلى هذه النقطة. وكما رأيت كيف أثرت هذه الخطابات والشعارات في مجلس الأمن، ومجلس الحكام، ومنظمة الأمم المتحدة، وغيرها من المؤسسات، حيث أصبحت سببا ومبررا لعدوان الإسرائيليين. لذلك، أعتقد أنه من الضروري فهم لغة العالم والتحدث بها.
يعتقد البعض أن هذه اللغة ليست لغة عادلة، فما رأيك؟
أنا أوافق أن لغة القوة والسلطة هي لغة العالم اليوم، ورغم عدم عدالتها وأخلاقيتها. رأينا كيف وقف المجتمع الدولي ضد النظام الإسرائيلي، وردت قواتنا بقوة في الحرب التي دامت 12 يوما. ويجب أن نتحدث بلغة العالم لمنع تكرار العدوان ونزع سلاح المعتدين. وبما أننا دخلنا الصراع، فالطريق الأمثل هو الوحدة والانسجام وصوت موحد من إيران، مع استخدام العقل والحكمة الجماعية.
فالخطابات الشعاراتية تزيد الأعباء وتعطي فرصة للمعتدين لشن حروب جديدة. لذا على القادة التحدث بحكمة حتى لو لم يُستجب لهم، بدلا من تغذية العدو بأقوال غير محسوبة. ويجب أن نسأل كيف يتجاوز البعض الحكومة ويتبنوا شعارات غير مسؤولة، فالحب الحقيقي لإيران لا يكون بهذا الأسلوب.
هل يمكن السيطرة على هذا التطرف في هذه الأجواء العاطفية وإدارة الخط الفاصل بين العقل والشعارات؟
يشعر الجميع بالغضب والعاطفة جراء هذا العدوان والحرب التي فرضها الإسرائيليين، وأنا أيضا غاضب. لكن هنا المسألة تتعلق بإيران؛ بأمنها وسلامتها الوطنية ومستقبل شعبها. لذلك، علينا أن نضبط عواطفنا، وألا نطرح أي قضية أو شعار أو ادعاء بدافع الحزن أو الغضب بعد الحرب، بل يجب أن نبحث بعقل وحكمة عن الحلول. وفي الحقيقة، هذا هو الوقت المناسب لإعادة النظر في المسار الذي تم قطعه ووضع خطة جديدة للمستقبل بعد هذا العدوان.
لماذا يُتجاهل دور الحكومة والرئيس ووزير الخارجية في صنع القرار وتثار حولهم شعارات وتقسيمات قطبية، رغم أن قضايا الحرب والتفاوض ليست من اختصاص أفراد مثل بزشکیان أو عراقجي، خاصة في ظل حالة عدم اليقين الحالية؟
إن المشكلة تكمن في الخوف من عدوان جديد، والذي يستغل من قبل بعض الأشخاص الذين يتجاوزون الحكومة ويطرحون قضايا تُجبر المسؤولين على النفي أو التبرير، مما يضيف أعباء على إيران. 
وبدلا من ذلك، يجب على الخبراء في مختلف المجالات التعاون ونشر الفكر الجماعي وتعزيز الوحدة الوطنية. فهذه الشعارات المتطرفة لم تحقق نجاحا، ولا تمنع الأزمات، وحرية التعبير مهمة، لكن في الظروف الحساسة يجب أن يكون هناك صوت موحد من إيران. وأدهشني بعض الذين يدعون الخبرة ويطلقون ادعاءات غير قابلة للتنفيذ، والتي تُستغل من الأعداء لتبرير اعتداءات مستقبلية.
ما المطلوب لتغيير جذري في نهج الدبلوماسية في ظل الأجواء العاطفية والراديكالية؟ وهل يمكن تحقيق هذا التغيير رغم التحديات وتجارب الحروب السابقة؟
يمكننا، بمساعدة الشعب والمفكرين والمهتمين والاقتصاديين والسياسيين والمفكرين، أن نسير في هذا التغيير بناء على الحكمة الجماعية، وفي الواقع، بغض النظر عن الظروف الراهنة والجو العاطفي والراديكالي الداخلي، لا خيار لنا سوى متابعة تغيير المسار الذي بدأناه.
لماذا؟
كما قلت، هذا المسار لم ينجح خلال هذه السنوات والعقود، ولذلك من الطبيعي والمنطقي تماما أنه عندما لا تُثمر سياسة أو دبلوماسية أو رؤية ما، يجب إما تعديلها أو التخلي عنها تماما والسعي وراء سياسة ونهج جديدين. فهذا أمر طبيعي ويُتبع في جميع البلدان.
هل يشير تغيير المسار أو نمط التفكير إلى فشل المسار السابق؟ وهل الخوف من هذا التفسير جعل تغيير المسار التابو سياسيا في إيران؟
إن هذا التغيير لا يعني الفشل، بل حان الوقت لوضع مسار أكثر عقلانية وأقل تكلفة لضمان الأمن والمصلحة الوطنية. وخلال أقل من 50 عاما، خاضت إيران حربين فرضتا عليها، وما زال هناك خوف من اعتداءات جديدة تعيق تقدم إيران. فالشعب يريد السلام، ويجب أن نأخذ بعين الاعتبار ما يريده اليوم. مثل اليابان التي بعد القصف الذري حولت تركيزها من القوة العسكرية إلى الاقتصادية، مما عزز مكانتها.
وإيران تحتاج إلى تعزيز قدراتها العسكرية والدفاعية، لكن بالتوازي يجب التركيز على العقل والحكمة والذكاء الجماعي لتعزيز الوحدة الداخلية. وعلينا اعتماد حلول ومسارات جديدة تعتمد على قدرات الشعب، وتقوية الدبلوماسية والاقتصاد لإعادة تحديد مكانة إيران دوليا وتعزيز وزنها التفاوضي.
على عكس الحرب التي استمرت ثماني سنوات وأدت لتغييرات في عهد حكومة الرئيس الإيراني السابق هاشمي رفسنجاني، فإن حالة عدم اليقين واحتمال استمرار الحرب مع الإسرائيليين الآن تحرم إيران من فرصة مماثلة، خاصة مع محاولات الأعداء إثارة الانقسامات والاحتجاجات وحتى الحرب الأهلية.
ورغم ذلك، شهدت إيران وحدة داخلية قوية. لذا، يجب تجنب الشعارات العاطفية والقرارات المتسرعة، والتركيز على تعزيز الوحدة الوطنية واستخدام العقل والحكمة الجماعية لتغيير النهج والمسار. 
وهذا هو السبيل الوحيد لمواجهة اعتداءات الإسرائيليين المستقبلية، والابتعاد عن اللعب في ملعب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو. مع أهمية تعزيز القوة العسكرية والدفاعية، ولا بد من تنويع عوامل القوة الإيرانية لتشمل الاقتصادية والسياسية والدبلوماسية والطاقة والثقافة والجغرافيا السياسية، لأن التركيز على عامل واحد فقط يضعف الردع ويحدد موقع إيران دوليا.
لكن كيف يجب أن يتم هذا التغيير في النهج؟
جواب هذا السؤال يكمن عند الخبراء الذين يعرفون إيران وقدراتها الداخلية في مختلف المجالات، كما يعرفون المنطقة والعالم، ويجيدون التحدث بلغتهم.
كيف يمكن استعادة الثقة وشفاء الدبلوماسية الجريحة بعد فرض الحرب على إيران في خضم المفاوضات؟
يؤكد عراقجي أن الدبلوماسية لا تتوقف مهما كانت الظروف، سواء أثناء الحرب أو المفاوضات، فهي السبيل الوحيد للحل. ورغم الاعتداء الذي جُرحت به الدبلوماسية وتضررت به الثقة، يجب الاستمرار في هذا المسار، فلا حل في الحرب بل في الدبلوماسية الحقيقية.
ويجب توثيق الاعتداء الإسرائيلي رسميا بحذر لتجنب فخ جديد في المفاوضات المقبلة، وبالتوازي، يجب تطوير القوة العسكرية وقدرة الردع بحكمة لمواجهة أي تهديدات مستقبلية. فالقوة العسكرية والدبلوماسية تكملان بعضهما ولا تتعارضان، إذ القوة وحدها ليست حلا، بل التوازن بينهما هو الطريق الصحيح.
وإذا لم تنجح الدبلوماسية، فماذا سيكون الرد؟
في ذلك الوقت، سنواجه أي عدوان إسرائيلي أو من أعداء إيران بالدفاع الشرس عن إيران وسلامة أراضيها وشعبها.
كيف يمكن الاستفادة من تجربة دبلوماسية حرب الثماني سنوات لتحديد المسار المناسب بعد الحرب التي استمرت اثني عشر يوما؟
حتى في حرب الثماني سنوات، كان من الأفضل تحقيق السلام سريعا لتجنب خسائر كبيرة. وبعد الحرب التي استمرت 12 يوما، يجب تعزيز الوحدة الداخلية والاعتماد على الحكمة الجماعية لسحب فرص الاعتداءات الجديدة من الإسرائيليين.
فعلى الصعيد الدولي، لا تقرر إيران وحدها، بل هناك قوى دولية وإقليمية تؤثر في الوضع، لذا من الأفضل الحفاظ على علاقات دبلوماسية مع الجميع لمنع فقدان الحقوق. والاستمرار في التطرف والشعارات غير المدروسة قد يعيدنا إلى تجربة حرب طويلة مكلفة. كما يجب تحديث القوة العسكرية مع تعزيز الاقتصاد والدبلوماسية لتقوية موقع إيران عالميا، مع التفاوض مع مختلف الدول لحل المشاكل، رغم وضوح موقفنا من النظام الإسرائيلي.

