- زاد إيران - المحرر
- متميز
- 753 Views
شكلت زيارة النائب الأول للرئيس الإيراني، محمدرضا عارف، إلى العاصمة الروسية موسكو للمشاركة في الاجتماع الرابع والعشرين لرؤساء وزراء منظمة شنغهاي للتعاون (SCO)، محطة دولية بارزة في مسيرة التعاون الإقليمي والإستراتيجي لإيران. هذه الزيارة، التي استمرت يومين، لم تكن مجرد مشاركة روتينية في قمة دولية، بل كانت انعكاسا للرؤية الإيرانية الجديدة الرامية إلى تعميق الاندماج الاقتصادي والسياسي مع كتلة أوراسيا، والاستفادة من العضوية في المنظمات الإقليمية الكبرى لتحقيق أمن الطاقة، وتطوير البنى التحتية، ومواجهة التحديات المشتركة في ظل نظام دولي متحول. هذا التقرير يسلط الضوء على أبعاد هذه الزيارة، واللقاءات التي جرت على هامشها، والخطابات التي ألقيت، والمقترحات التي طرحتها إيران، والنتائج التي تمخضت عنها.
وصول عارف إلى موسكو و خلفية الزيارة
وصل محمدرضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، إلى مطار فنوكوفو الدولي في موسكو يوم الاثنين17 نوفمبر/تشرين الثاني 2025، وكان في استقباله ميخائيل غالوزين، نائب وزير الخارجية الروسي، وسفير إيران في موسكو، كاظم جلالي، وذلك بدعوة رسمية من رئيس وزراء روسيا، ميخائيل ميشوستين، مما يعكس عمق العلاقات الإيرانية-الروسية وأهمية التنسيق الثنائي على الساحة الدولية.
انطلقت زيارة عارف من إدراك إيراني لأهمية منظمة شنغهاي كواحدة من أكبر المنظمات الإقليمية في العالم، حيث يبلغ عدد سكان دولها الأعضاء أكثر من 3.4 مليار نسمة، وتشكل ما لا يقل عن 24% من مساحة العالم، و42% من سكانه، منذ أن أصبحت إيران عضوا رسميا في المنظمة قبل عامين، سعت طهران إلى تفعيل عضويتها والاستفادة من الإمكانات الهائلة للمنظمة في مجالات الاقتصاد، الطاقة، الأمن، والثقافة.

تفاصيل البرنامج الرسمي واللقاءات الثنائية
شمل برنامج الزيارة حضور الاجتماع الرابع والعشرين لرؤساء وزراء المنظمة، حيث ألقى عارف كلمة رئيسية في الجلسة العامة وشارك في جلسة مغلقة. على هامش القمة، عقد سلسلة من اللقاءات الثنائية المكثفة. كان أبرز هذه اللقاءات مع رئيس وزراء روسيا، ميخائيل ميشوستين، حيث تم بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية في إطار الاتفاقية الشاملة للشراكة الإستراتيجية. وأكد عارف أن هذه الوثيقة أصبحت ملزمة للتنفيذ.
من جانبه، أكد ميشوستين دعم موسكو لتقوية العلاقات مع طهران، مع التركيز على تنفيذ الاتفاقات وتوسيع التعاون التجاري والاقتصادي واستكمال ممر الشمال-الجنوب. كما اجتمع عارف مع رؤساء وزراء دول أخرى لمناقشة تعزيز التعاون في مجالات التجارة والطاقة والنقل والاستثمار. ورافقه في الزيارة وفد سياسي واقتصادي، من بينهم وزير الصناعة والمناجم والتجارة، محمد أتابك، مما يؤكد البعد الاقتصادي للزيارة.

كلمة عارف في اجتماع رؤساء وزراء “شنغهاي للتعاون“
تناول عارف محاور سياسية واقتصادية هامة، مشيرا إلى أن النظام الدولي يمر بمرحلة انتقالية جديدة.
الموقف السياسي الإيراني
أدان عارف مجددا “الهجمات العدوانية الإسرائيلية” على إيران، التي نُفّذت بدعم ومشاركة من الولايات المتحدة. وأكد أن الهجوم على المنشآت النووية السلمية الإيرانية والقتل الوحشي للمدنيين يُعد انتهاكا صارخا للمعايير الدولية ومصداقا للجريمة ضد الإنسانية وجريمة حرب.
كما أدان بشدة ما يتعرض له سكان غزة من حصار وتجويع مفروض من قبل الكيان الصهيوني، واصفا إياه بأنه نموذج واضح للجريمة ضد الإنسانية واستمرار للإبادة الجماعية. كما أكد على أن إيران ترى أن الأمن والتنمية والعدالة العالمية لا تتحقق إلا عبر التعاون المتساوي بين الشعوب وإنهاء سياسة العقوبات والضغوط.
مقترحات التعاون الاقتصادي والتكنولوجي
شدد عارف على ضرورة تحول منظمة شنغهاي للتعاون إلى أحد المحركات الرئيسية للاندماج الاقتصادي في المنطقة. ودعا إلى تعميق التعاون التجاري والاقتصادي والعلمي والثقافي بين الدول الأعضاء. وفي الجلسة المغلقة للاجتماع، اقترح عارف أن تنتقل المنظمة إلى مرحلة تنفيذ المشاريع الاقتصادية والتكنولوجية على أرض الواقع.
كما أكدت إيران استعدادها للعب دور فعال في تنفيذ قرارات قمة تيانجين، والمساهمة في تقوية الآليات المالية القائمة على العملات الوطنية، وتطوير البنى التحتية للنقل المستدام، والتعاون في مجالات الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي.
النظام المالي والنقل
في سياق مواجهة إساءة استخدام الأنظمة المالية والمصرفية الدولية من قبل الغرب، أعلنت إيران دعمها لإنشاء “بنك تنمية منظمة شنغهاي للتعاون” لتمويل مشاريع البنية التحتية والتنمية. كما اقترحت تصميم عملة رقمية مشتركة تستند إلى تكنولوجيا البلوك تشين والذكاء الاصطناعي.
فيما يخص النقل، أكدت إيران استعدادها للتعاون في إنشاء ممرات نقل مستقلة وآمنة، وتولي أولوية لممر الشمال – الجنوب ومسارات الشرق – الغرب، مشددة على أهمية العمل الجماعي لحماية مصادر الطاقة.

اللقاءات مع الجالية الإيرانية
إلى جانب البرنامج الرسمي، قام عارف بعدد من النشاطات الموازية التي تعكس الاهتمام بالبعد الإنساني والاجتماعي. فقد التقى بممثلي الطلاب الإيرانيين في الجامعات الروسية، حيث استمع إلى مطالبهم ومشاغلهم، ووافق على إنشاء مجموعة عمل لدراسة وحل مشاكلهم.
كما عقد اجتماعا مع رجال الأعمال والناشطين الاقتصاديين الإيرانيين المقيمين في روسيا، مؤكدا على أن كل إيراني في الخارج هو سفير لإيران، ومشددا على استراتيجية إشراك القطاع الخاص في جميع مجالات التنمية.

نتائج الزيارة والتأكيد على العلاقات الثنائية
عاد النائب الأول لرئيس الجمهورية الإيرانية محمدرضا عارف إلى طهران مُعلنا عن نتائج الزيارة التي قام بها. وأكد أن منظمة شنغهاي للتعاون صادقت على الوثائق التي تم إعدادها خلال الاجتماع، والتي من شأنها تمهيد الطريق لمرحلة جديدة من التعاون بين الدول الأعضاء.
وشدد عارف على أهمية المقترحات الاقتصادية المطروحة، لا سيما إنشاء بنك تنمية للمنظمة و استخدام العملات المحلية مثل الريال أو العملات الرقمية في المعاملات بين الأعضاء. كما أعرب عن أهمية تعزيز التعاون السياحي بين دول المنظمة، في إطار سعي إيران لتعزيز حضورها في المحافل الإقليمية والدولية.
ردود الفعل والتحليلات المحلية والدولية
حظيت الزيارة بتغطية إعلامية واسعة في إيران، حيث سلطت وسائل الإضاءة على الأهمية الإستراتيجية للعلاقات مع روسيا ومنظمة شنغهاي. من ناحية أخرى، قدم الخبراء تحليلات متباينة؛ فبينما رأى بعضهم، مثل الخبير حسن بهشتي بور، في الزيارة فرصة ذهبية لمتابعة عضوية إيران في الاتحاد الاقتصادي الأوراسي، انتقد آخرون، مثل الخبير روح الله مدبر، عدم جاهزية البنية التحتية الإيرانية للاستفادة الكاملة من قدرات المنظمات مثل شنغهاي وبريكس، داعيا إلى إيمان عملي بهذه المنظمات وتقديم خطط عملية لجذب الاستثمارات.
جدير بالذكر أن زيارة النائب الأول للرئيس الإيراني محمدرضا عارف إلى موسكو تمثل نموذجا للدبلوماسية الاقتصادية الإيرانية النشطة، التي تسعى إلى تحويل التحديات إلى فرص من خلال الاندماج في التحالفات الإقليمية الكبرى. في ظل نظام دولي يشهد تحولات جذرية، تبرز منظمة شنغهاي كمنصة مثالية لإيران لتعزيز سيادتها الوطنية، وتأمين مصالحها الاقتصادية، والإسهام في صناعة مستقبل أكثر استقرارا وازدهارا لمنطقتها. النجاح في تحقيق هذه الأهداف مرهون بقدرة طهران على تحويل الخطابات والمقترحات إلى مشاريع ملموسة تثمر عن تنمية حقيقية لشعبها ودول الجوار.

