- زاد إيران - المحرر
- 530 Views
في خضم التحولات المتسارعة التي تعيشها الساحة السياسية الإيرانية، تعود قضية التفاوض لتتصدر واجهة الجدل الداخلي مجددا، بوصفها أحد أكثر الملفات حساسية وإثارة للانقسام بين التيارات المختلفة، وبينما يرى البعض في الدبلوماسية مخرجا من الأزمات المتراكمة، يعتبرها آخرون مدخلا لتكرار تجارب مكلفة أثقلت كاهل البلاد، وفي ظل هذا التباين العميق في الرؤى، تظهر الأسئلة الكبرى حول جدوى الحوار، وحدود الثقة، وشروط القوة، لتشكل إطارا واسعا لفهم المواقف المتباينة داخل المشهد السياسي الإيراني، خصوصا لدى التيار الذي يبني رؤيته على ثوابت صارمة وشكوك متجذرة تجاه الخارج.
ففي مقالها الافتتاحي لليوم الثلاثاء 18 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، انتقدت الصحيفة الأصولية الأشهر، كيهان، توجهات وزارة الخارجية والأصوات الإصلاحية لمحاولة إعادة المفاوضات إلى مسارها مع الولايات المتحدة، متهمة إياهم بتعليق كل الأمر على شماعة المفاوضات، دون تقديم خطط ورؤى واقعية لحل الأزمات الداخلية.
هذا وكان وزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي، قد صرح الأحد 16 نوفمبر/ تشرين الثاني 2025، على هامش فعاليات المؤتمر الدولي للقانون الدولي تحت الهجوم، قائلا “لدينا مبادرات في مجال المفاوضات، ولكن بشرط أن تكون هذه الخطوات في إطار مصالح الشعب الإيراني وحفظ حقوقه، وفي الظروف التي يصر فيها الطرف المقابل على دفع مفاوضات تنتهك فيها حقوق الشعب الإيراني وتطرح فيها مطالب مبالغ فيها، فلن يقبل أي إيراني بأن يرافق مثل هذه المقترحات”.

وفيما يتعلق بالسؤال حول ما إذا كانت إيران تمتلك خطة جديدة للتفاوض مع الولايات المتحدة، قال” لم أقل إن لدينا خطة جديدة، كلامي واضح تماما، إن الجمهورية الإيرانية كانت دائما من أنصار الدبلوماسية والتفاوض، ولكن التفاوض الذي يكون منصفا، مبنيا على استراتيجية واضحة، وعلى أساس المصالح المتبادلة، وأن يجرى بشكل عادل وشريف، أما النهج الحالي للحكومة الأمريكية فلا يظهر بأي شكل استعدادا لمفاوضات متكافئة ومنصفة تهدف إلى تحقيق مصالح مشتركة”.
وبالرجوع إلى سبتمبر/ أيلول 2025، وقبيل إلقاء الرئيس الإيراني، مسعود بزشكيان، كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، كان المرشد الأعلى الإيراني، على خامنئي، قد أعلن خلال أحد خطبه أن التفاوض مع الولايات المتحدة لا طائل منه خلال الفترة الحالية، وأن الولايات المتحدة لا تريد تفاوضا، بل تريد تسليما من طهران، الأمر الذي لن يرضى به الشعب الإيراني.

ملف المفاوضات مغلق.. ما خطتكم لحل مشاكل الناس؟
طرحت كيهان، خلال مقالها التحليلي، رؤيتها، والتي تعبر عن التيار الأصولي بالكامل، عن ملف المفاوضات الحالي، فقالت” في الوقت الذي يسعى فيه الغرب عبر إحياء أساليب الضغط والتهديد البالية إلى إجبار الجمهورية الإيرانية على التراجع، أثبتت التحولات الميدانية مرة أخرى أن عهد الدبلوماسية الخادعة قد انتهى، وأن لغة القوة وحدها هي التي تجبر الغرب على التراجع. وفي الحقيقة، في وضع يحتاج فيه البلد، وعلى رأسه الحكومة، إلى اتخاذ حالة تعبئة حربية كاملة في مواجهة الاستراتيجية الهجومية للعدو وتعزيز الوحدة الوطنية، لا يزال مدعو الإصلاح يكررون مواقفهم النمطية والفاشلة، وهي نفس الوصفات البالية التي لم تجلب في الاتفاق النووي وسنوات الثقة بالغرب سوى الخسارة للشعب، فهذا التيار، وبدلا من الحديث عن المشكلات المعيشية ودون أي اعتبار لسجلات الحكومات التي دعمها سابقا وتجارب الماضي المؤلمة، يواصل مرة أخرى قرع طبول التفاوض، وفي وقت قام الغرب فيه حتى بقصف طاولة الحوار نفسها”.

وتتابع” على سبيل المثال، أبرزت صحيفة سازندجي الإصلاحية في عنوانها الرئيسي أمس الاقتراح المضحك لبهزاد نبوي، وكتبت مفاوضات استراتيجية مع أمريكا، وقد صرح بهزاد نبوي في هذا السياق أن الاستراتيجية منفصلة عن الأيديولوجيا، فمن منظور أيديولوجي نعتبر أمريكا مستكبرة، لكن من منظور استراتيجي يمكن التفاوض مع قوة مستكبرة والتوصل إلى تفاهم معها، والطريق الذي يطرحه بعض الأشخاص بشأن القتال، ليس الطريق المناسب، وليست سازندجي وحدها، ولكن تنضم إليه معظم الصحف والمواقع الإصلاحية”.
فيما تحلل ذلك بقولها” الواقع أن التيار الغربي النزعة، والتيار المتشدد داخل الإصلاحيين، بنظرة سطحية ومتفائلة، قد نسي أن تجارب الماضي، ومن ضمنها مفاوضات الاتفاق النووي، لم تجد نفعا، وكانت مجرد أداة للضغط وانتزاع الامتيازات من جانب واحد لصالح الغرب، وعند نقد نهج مدعي الإصلاح، يجب القول إن التفاوض والتفاعل بحد ذاتهما ليسا سلبيين أبدا، لكن القضية تكمن في مع أي طرف؟ وحول أي موضوع نريد التفاوض؟ فقد أعلن التيار الإصلاحي بصراحة أن أمريكا هي الطرف المقصود بالمفاوضات. في حين أن واشنطن، خلال الأشهر الأخيرة نفسها، قامت بقصف طاولة التفاوض.
ويتابع التقرير” إن أفضل ما وصل إليه الإصلاحيون هو الاتفاق النووي، الذي صور يوما على أنه تحفة دبلوماسية وفتح الفتوح، وقد أصبح اليوم رمزا للخسارة، فقد كان يفترض أن يرفع العقوبات ويفتح الأبواب الاقتصادية، لكنه لم يقدم شيئا، وبقيت آلية سناب باك هي السلاح الوحيد فيه، وقد استخدمت ضد مصالح إيران، الأوروبيون ماطلوا، والأمريكيون خرجوا منه بلا التزام، ما أثبت أن الثقة بوعود الغرب سراب، وفوق ذلك، في مفاوضات أبريل/ نيسان من هذا العام وفي خمس جولات غير مباشرة في مسقط وروما، لم تحقق إيران أي اتفاق، بل وقصفت طاولة المفاوضات وبدأت الحرب التي استمرت 12 يوما”.
وعن النسخة المقبولة من المفاوضات يذكر التقرير” أن التفاوض الذي تسمح به إيران، هو ما قدمه المرشد الأعلى في تصريحاته، والذي وضع شروطا ثلاثة لأي بحث مع أمريكا وهي وقف الدعم لإسرائيل، سحب القواعد الأمريكية من المنطقة، ووقف التدخل في شؤون دولها، وبالنظر إلى الواقع، فإن تلك الشروط بعيدة كل البعد عن التحقق الآن”.
ويختتم التقرير بقوله” يستخدم الإصلاحيون كلمة التفاوض كاسم رمزي، بينما الهدف الحقيقي هو تقديم تنازلات أحادية دون مقابل، لقد فشلت حملة الضغط الأقصى لترامب، وواصلت إيران بيع النفط وحماية برنامجها النووي رغم الهجمات، إن إيران اليوم في حرب مركبة، وعلى الدولة يجب أن تتخذ وضعية الحرب، إن الانشغال بشعارات مثل المفاوضات المسلحة لا يقدم شيئا للناس، يجب على التيارات السياسية أن تبتعد عن الهامش السياسي وأن تركز على دعم الشعب وتعزيز القوة الوطنية، بدلا من لعب دور المكمل للعدو داخليا”.
لماذا يقف الأصوليين ضد التفاوض على الدوام؟
بشكل عام، يمكن القول أن موقف الأصوليين في إيران من فكرة التفاوض عموما، ومن التفاوض مع الولايات المتحدة خصوصا، يتسم بقدر كبير من التعقيد والتنوع الداخلي، فهو، حسب خبراء، ليس موقفا واحدا صلبا، بقدر ما هو طيف من المقاربات تتراوح بين القبول المشروط، والرفض المبدئي، والحياد الحذر، فيما يظل العامل المشترك لكل هذه المواقف هو شعور عميق بعدم الثقة بالولايات المتحدة، واعتبارها خصما استراتيجيا لا يمكن الركون إلى وعوده أو التعويل على حسن نياته، مهما تغيرت الإدارات أو تبدلت لغة الخطاب في واشنطن.
في الخطاب الأصولي السائد، فإن ملف التفاوض في حد ذاته ليس محرما ولا مرفوضا، بل كثيرا ما يكررون أن المفاوضة مجرد أداة، وأن الأنبياء أنفسهم قد حاوروا خصومهم، غير أن السؤال الحاسم عندهم هو، مع من نتفاوض؟ وعلى ماذا؟ وفي أي ظرف؟ هنا بالذات يظهر التحفظ العميق تجاه أمريكا، فالتجربة مع واشنطن، كما يصفونها، هي سلسلة ممتدة من نقض العهود، من حرب الثماني سنوات، مرورا بالعقوبات القصوى، وصولا إلى الانسحاب الأحادي من الاتفاق النووي وتفعيل آلية الضغط عبر سناب باك والتهديد المستمر باستخدام القوة، لذلك يميل جزء كبير من الأصوليين إلى اعتبار أمريكا خصما لا يفهم إلا لغة القوة، وأن أي حديث عن رفع العقوبات أو ضمانات اقتصادية في إطار تفاوضي لن يكون سوى نوع من خداع الذات أو بيع الوهم للداخل.
ورغم هذه النظرة المتشائمة، يبرز داخل الصف الأصولي تيار براغماتي لا ينكر إمكان التفاوض من حيث المبدأ، بل يربطه بحزمة شروط صارمة تتعلق بالعزة والاستقلال وحفظ المصالح الوطنية، هذا التيار يقول بوضوح أنه يمكن الجلوس إلى طاولة التفاوض مع واشنطن، لكن بعد تثبيت ميزان القوى لصالح إيران في الميدان، وبعد الحصول على ضمانات حقيقية، وتعويضات واضحة عن الأضرار التي سببتها العقوبات والحروب بالوكالة والهجمات المباشرة. ويطرح بعضهم شروطا محددة، مثل تخلي أمريكا عن مطلب التخصيب الصفري، وتقديم ضمانات بعدم استهداف المنشآت النووية من جديد، وتعويض الخسائر التي لحقت بإيران في الحرب الأخيرة، قبل الحديث عن أي جولة مفاوضات جديدة، من هذا المنظور، الميدان والدبلوماسية مكملان لا متعارضان: كلما كانت إيران أقوى في الميدان، ازدادت أوراقها على طاولة التفاوض.
في المقابل، يقف التيار المتشدد داخل الأصوليين في موقع أكثر حدة، إلى درجة التشكيك ليس فقط في جدوى التفاوض مع أمريكا، بل أحيانا في أصل الدخول في أي مسار تفاوضي جديد، حتى لو كان ذلك بقرار مباشر من النظام وأعلى مؤسساته الأمنية، هذا الجناح يستثمر كل حدث سلبي، كالهجمات أثناء المفاوضات أو تسريب تقارير الوكالة الدولية أو رسالة الترويكا الأوروبية حول تفعيل آلية الزناد، لتأكيد رؤيته القائلة بأن الحوار مع واشنطن باب لا يجلب إلا المزيد من الضغط والاختراق، وأن أمريكا تستخدم المفاوضات إما غطاء أمنيا وعسكريا، أو وسيلة لتكبيل البرنامج النووي والصاروخي الإيراني دون أن ترفع عمليا يدها عن العقوبات. لذلك يتحدث بعض رموز هذا التيار بلهجة حادة عن تغيير العقيدة النووية، أو الذهاب حتى خيار القنبلة، أو الرد بالمثل على أوروبا وأمريكا، بما في ذلك طرد السفراء والتصعيد القانوني والسياسي لأقصى الحدود، رافضين أي إشارة إلى إمكانية بناء تسوية متوازنة مع الغرب.
وعلى خط مواز، يظهر داخل الأصوليين صوت ثالث متحفظ لا يريد الاصطدام المباشر بقرار النظام في فتح باب المفاوضات غير المباشرة، لكنه في الوقت نفسه لا يمنح ثقة مطلقة لهذا المسار، وأصحاب هذا الصوت يشددون على أن إيران لم تدخل يوما المفاوضات من موقع ضعف، وأن البلاد تمتلك من القدرات العسكرية والصاروخية والدعم الشعبي ما يجعلها قادرة على الصمود من دون أي اتفاق، ولذلك يطالبون بألا تربط إدارة الاقتصاد والملفات الداخلية بنتائج التفاوض، وألا يعاد إنتاج تجربة تسييس الحياة اليومية وربط لقمة عيش الناس بمصير الاتفاقات، كما حدث في مرحلة ما قبل الاتفاق النووي في العام 2015، ففي رؤيتهم، يمكن التفاوض، لكن الدولة مطالبة في الوقت نفسه بأن تبقي خطتها الاقتصادية والتنموية قائمة على فرضية فشل التفاوض، لا على وهم أنه المنقذ الوحيد.
في المحصلة، يمكن القول إن موقف الأصوليين من التفاوض مع الولايات المتحدة يقوم على ثلاث ركائز أساسية وهم عدمية الثقة بأمريكا استنادا إلى سجل طويل من التجارب المريرة، أولوية القوة والردع بوصفهما الشرط المسبق لأي حوار ذي معنى، ورفض تعويم مصير الداخل على طاولة الخارج، بحيث تبقى المفاوضات، إذا جرت، أداة من أدوات السياسة، لا محورا وحيدا تعلّق عليه آمال الناس.
وبين مؤيد مشروط، ومعارض صلب، ومتحفظ متردد، يبقى القاسم المشترك بينهم جميعا هو الإيمان بأن الصراع مع الولايات المتحدة ليس خلافا عابرا يمكن أن تنهيه جولة واحدة من المحادثات، بل هو مواجهة طويلة على هوية الدور الإقليمي ومستقبل ميزان القوى في المنطقة، وأن أي مفاوضات مفترضة ليست نهاية هذه المواجهة، بل فصلا من فصولها المتحركة.

