- زاد إيران - المحرر
- 409 Views
أجرت صحيفة هم ميهن الإصلاحية، السبت 31 مايو/أيار 2025، حوارا مع الناشط السياسي الإصلاحي غلام رضا ظريفيان، حول التحديات التي تواجه التيار الإصلاحي في إيران، حيث أشار إلى أن غياب الفكر العميق في إيران قد يؤدي إلى حالة من اليأس الفلسفي لدى الفاعلين السياسيين النشطين. وفي ما يلي نص الحوار:
ما طبيعة العلاقة بين الإصلاحيين المستقلين والتنظيمات الإصلاحية في ظل تراجع شعبية التيار، وما مدى تأثير مقولة “الإصلاحات أوسع من جبهة الإصلاحات” في المجتمع الإيراني؟
الإصلاحية في إيران تمتلك جذورا تاريخية عميقة، فقد تحدث عنها المفكرون حتى قبل مرحلة الدستور المشروط. وخلال عهد الدستور المشروط، تبنّت بعض التيارات توجها إصلاحيا تهدف إلى تعديل الماضي بما يتوافق مع متطلبات العصر الجديد. واستمر هذا المسار في التطور وتعزيز أُسسِه النظرية، إلى أن تجلّى بشكل واضح في نهضة الحركة الوطنية التي شهدت موجة من الإصلاحات في إيران.
أما الثورة الإسلامية، فقد مثلت من جهة ثورة جذرية قلبت النظام السابق رأسا على عقب، ومن جهة أخرى حملت رؤية إصلاحية تهدف إلى معالجة القضايا النظرية والاجتماعية والسياسية.
لذلك، حين يقول الرئيس الإيراني الأسبق محمد خاتمي، إن الإصلاحات أمر يتجاوز التيار الإصلاحي، فهو ينطلق من أن الإصلاح له جذور تاريخية تمتد لأكثر من 150 عاما، وكان في كل مرحلة من تاريخه يتمثل في فاعلين ومؤثرين خاصين به بحسب احتياجات المجتمع في تلك الحقبة.
وبالتالي، لا ينبغي حصر مفهوم الإصلاح في الإصلاحيين فقط، بل هو تيار أوسع وحركة تاريخية مستمرة حتى اليوم، ويبدو أنه لا يزال يُعدّ العلاج الأهم لأوجاع المجتمع الإيراني المزمنة.
أي إن الإصلاحات تعني الاستفادة من جميع التجارب الماضية بنظرة منفتحة تماما، وتصغي للتجارب العالمية، وفي الوقت نفسه تتجدد وفق احتياجات المجتمع. وبناء على هذا الفهم، يمكن اعتبار الإصلاحات أمرا يتجاوز التيار الإصلاحي بوصفه مجموعة منظمة تحمل اسم جبهة الإصلاحيين ولها بيان ومبادئ محددة.

فالإصلاحات أوسع من هذا الإطار، ويمكن أن تشمل أيضا العديد من الأشخاص الذين لا يحملون صفة إصلاحيين رسميا، لكنهم يحملون فكرا إصلاحيا، ويمكن لهؤلاء أن يساهموا في توجيه المجتمع نحو مسار إصلاحي تقدّمي، بعيدا عن الفوضى أو الثورة أو الانفجار الشعبي.
فما الذي يجب القيام به لتحقيق التقارب بين “الإصلاحيّة” و”الإصلاح”؟
المشكلة التي نواجهها في إيران هي نوع من الانشغال بالحاضر تجاه القضايا والأحداث التي تحدث في إيران؛ سواء في الماضي أو الآن. فالإصلاحيون وكذلك أولئك الذين لا يحملون صفة الإصلاح رسميا لكنهم في الوقت نفسه مصلحون، كلهم يركزون على القضايا الراهنة، وقليل منهم وجد فرصة للتعمق في دراسة هذه الإرث التاريخي الممتد 150 عاما وتحويله إلى فهم تاريخي.
لأن هذا الفهم التاريخي يساعدنا على تحسين حاضرنا، خاصة وأن الإصلاحات على مدار تاريخها الممتد 150 عاما لم تكن دائما ناجحة، فقد حققت نجاحات في بعض المجالات وفشلت في كثير من المجالات الأخرى.
لذلك، ينبغي تعليم هذا الرصيد وفهمه بشكل جماعي لنتمكن من استثمار فرص الإصلاح وتبيين نقاط الضعف في الإصلاح والإصلاحيين، لكي لا نكرر هذه الدورة مرة أخرى. ومن الضروري أن نؤمن بأن الإصلاح هو الطريق الوحيد في إيران، وله أسس ومنطق يدافع عنه.
إلا أن كيفية تنفيذ هذا الإصلاح، بحيث يستفيد من إخفاقات الماضي ويعزز نجاحاته، يتطلب الابتعاد عن الانشغال بالقضايا الحاضرة والانجرار وراء الروتين السياسي اليومي، والخروج إلى فهم أعمق لمبادئ الإصلاح ومتطلباته وظروفه. وطالما بقي تركيزنا على القضايا اليومية فقط، وقليلا ما نمعن النظر في رصيدنا التاريخي، فلا بد أن نواجه تقلبات كبيرة في مسار الإصلاح.
هذا الانشغال بالحاضر الذي تشير إليه، ما أسبابه ومنذ أي مرحلة بدأت حركة الإصلاح تعاني منه؟
إن هذا الانشغال بالحاضر ليس مقتصرا على الإصلاحيين فقط، بل يمكن ملاحظته أيضا لدى الأصوليين؛ حتى في خطط التنمية في إيران، ويبرز هذا التوجه للتركيز على الحاضر فقط. ورغم وجود مفكرين كبار في إيران، إلا أن التفكير الجاد ليس أمرا شائعا. ففي مجالات التعليم، وخاصة التعليم العالي، والتعليم المدرسي، لا يُمنح التفكير العميق الأهمية الكافية ولا يُدرَّس بشكل جاد.
نحن في الغالب نميل إلى الدخول مباشرة في الممارسات العملية بدلا من الخوض في النقاشات النظرية، وبالطبع الانخراط في الأمور العملية أمر ضروري، لكن إذا لم يكن ذلك متوافقا مع رؤية صحيحة، فإن هذه الأعمال لن تنجح في النهاية، وقد يؤدي ذلك إلى إحباط سياسي وفلسفي للفاعلين السياسيين النشيطين، رغم وجود مجتمع مفكر عبر الفترات المختلفة.
لذلك هناك حاجة إلى تغييرات جذرية لحل المشكلة، وبالطبع في بعض المجالات التغييرات الجذرية ضرورية، لكن الجزء الأكبر من الإصلاحات يجب أن يركز على إصلاحات ذات طابع هيكلي وفي أحيان أخرى على مستوى الفكر وبطريقة ناعمة.
كيف تراجع تأثير خطاب الإصلاح مقارنة بعهد حكومة الإصلاحات، وما أسباب ضعف الحريات المدنية والمشاركة الجماعية التي أدت إلى نفور الناس من التيار الإصلاحي؟
أنا كفرد إصلاحي، ودون أن أرغب في الدفاع عن فترة إصلاحات خاتمي، أترك هذا الدفاع لمؤشرات مختلفة خلال فترة الرئاسة في إيران. وعندما تتشكل الحرية بمعناها الحقيقي من خلال التثقيف والوعي، يخرج المجتمع من دائرة العناد ويسعى لخلق جو أكثر اعتدالا في مطالبه واحتياجاته.
ولكن إذا أردت أن أوجه نقدا جادا للإصلاحات، وهو نقد تاريخي يشمل أيضا الإصلاحيين، فهو أن الإصلاحات في إيران منذ بدايتها وحتى عهد خاتمي وحتى قبل عدة سنوات، كانت تركز بشكل رئيسي على المجال السياسي، مع وجود تصور أن إصلاح السياسة والحكم وحده كاف لحل كل المشاكل.
بينما أظهرت التجارب العالمية أن الإصلاح السياسي وحده ليس كافيا، وعندما نواجه مجتمعا متنوعا، فإن الإصلاح السياسي لا ينجح إلا إذا توجه نحو إصلاحات مجتمعية. والإصلاح السياسي يمكن أن يؤدي دوره الفعّال في الحوكمة الجيدة فقط إذا صاحبته إصلاحات اقتصادية أيضا.
بمعنى أن يشعر المجتمع بأن التغييرات السياسية تترافق مع تحسينات في المعيشة، والرفاه، والعدالة الاجتماعية، وتقليل التمييز، والفوارق الطبقية، والتمييز بين الجنسين، وفي كل هذه الجوانب الاجتماعية والثقافية يتم تحقيق الإصلاحات، لأنه إذا لم تحدث إصلاحات في هذه المجالات، فلن يتمكن الإصلاح السياسي من تحمل العبء الثقيل للإصلاح المجتمعي. لذا يجب أن نتجه نحو الإصلاحات المجتمعية.
إن الثقافة العامة والاقتصاد وطرق استخدام الموارد الطبيعية وغيرها بحاجة إلى إصلاح شامل، ولهذا يجب التوجه نحو تحديث القوانين والإدارة الحكومية والنظام الإداري. فالنظام الإداري الحالي يعاني من مشكلات جدية، وإذا لم يتم إصلاحه، فسوف يستهلك جزءا كبيرا من موارد إيران ولن نتمكن من تحقيق التنمية المطلوبة. وبشكل عام، لا يمكننا التقدم نحو التنمية المستدامة إلا من خلال تنفيذ إصلاحات مجتمعية فعلية.
هل توافق على القول بأن سيطرة مطلقة على المناصب من قبل التيارات الإصلاحية هي التي أدت إلى فشل آليات الإصلاح وحتى الإصلاحية في السنوات الأخيرة في إيران؟
لا أرى الموضوع أحادي السبب. قد يكون هذا العامل مهما، وإذا تمّ تحليله جيدا في مكانه فقد يكون صحيحا في بعض الجوانب. لكن مسيرة الإصلاحات في إيران، بما فيها النجاحات والإخفاقات، هي عملية متعددة الأبعاد. والتركيز فقط على عامل واحد قد يقودنا إلى خطأ في الفهم. لذلك يجب تحديد جميع العوامل المختلفة ثم تقييم أهميتها، وبناء على ذلك تقديم تحليل دقيق للأضرار، ومراجعة ما ينبغي عمله مستقبلا.

