- زاد إيران - المحرر
- 111 Views
كتب: الترجمان
تشهد الساحة السياسية والإيرانية في الآونة الأخيرة حالة من الغليان غير المسبوق، تجاوزت في حدتها المنافسات التقليدية بين التيارين الإصلاحي والأصولي، لتنتقل إلى “حرب إخوة” داخل البيت الأصولي نفسه. هذا الصدام الذي انفجر بين وكالة “تسنيم” (المقربة من الحرس الثوري) وموقع “رجانيوز” (المنصة الأبرز لتيار جبهة “بايداري”)، لم يعد مجرد سجال صحفي حول مقال أو تعبير لغوي، بل كشف عن تصدعات بنيوية عميقة في رؤية النخبة الحاكمة لكيفية إدارة الدولة في لحظات الأزمات الكبرى.
إن استخدام مصطلح “اللوبيا السحرية” لوصف التوقعات من المفاوضات لم يكن إلا القشة التي قصمت ظهر البعير، لتبدأ معها عملية تصفية حسابات سياسية مؤجلة منذ انتخابات الرئاسة الأخيرة.
جذور التلاسن: صدمة يوليو/تموز وظلال جليلي وقاليباف
لا يمكن قراءة المشهد الراهن بمعزل عن الثنائية القطبية التي حكمت التيار الأصولي منذ يوليو/تموز 2013، وهي الثنائية التي يتصدر مشهدها كل من محمد باقر قاليباف، رئيس البرلمان الحالي، وسعيد جليلي، العضو في مجمع تشخيص مصلحة النظام. فبينما يمثل قاليباف تيار “الأصولية التكنوقراطية” التي تؤمن بالمرونة في الإدارة والواقعية في الميدان الدبلوماسي، يمثل جليلي وأنصاره في جبهة “بايداري” تيارا عقائديا يرى في التفاوض مع الغرب، وبخاصة الولايات المتحدة، نوعا من “التبعية” أو التراجع عن الثوابت الثورية.
هذه الفجوة اتسعت بشكل دراماتيكي بعد انتخابات 2024، فموقع “رجانيوز”، الذي يديره ميثم نيلي (شقيق صهر الرئيس الراحل إبراهيم رئيسي)، تحول بعد خسارة جليلي في الانتخابات إلى “معارضة شرسة” من داخل النظام. هذا التيار يرى أن أي تحرك دبلوماسي تقوم به حكومة بزشكيان، أو حتى يدعمه قاليباف من موقعه في رئاسة البرلمان، هو محاولة لـ “تمييع” الخطوط الحمراء التي وضعها المرشد الأعلى.
ومن هنا، بدأ “رجانيوز” بمهاجمة كل من يدعو إلى الوحدة الوطنية أو تجاوز الصراعات الانتخابية، معتبرا أن هذه الدعوات هي “فخ” لإسكات صوت “التيار الثوري الحقيقي”.

زلزال “اللوبيا السحرية”: المفاوضات بين الخيال والواقع
نقطة الانفجار الكبرى حدثت عندما نشرت وكالة “تسنيم” مقالا (نقلا عن موقع مشرق نيوز) تناول مسألة المفاوضات السياسية بعد “حرب الـ 40 يوما”. المقال استخدم استعارة “اللوبيا السحرية” – المستوحاة من قصة جاك وشجرة الفاصوليا – لوصف العقلية التي تعتقد أن الجلوس على طاولة المفاوضات سيؤدي فورا إلى حلول إعجازية مثل رفع كافة العقوبات، وتحقيق الازدهار الاقتصادي المفاجئ، وضمان السلام لعقود.
المقال جادل بأن المفاوضات في جوهرها ليست إلا “فصلا آخر من فصول الحرب”، وأنها ساحة لتبادل التنازلات والمكاسب بناءً على القوة الموجودة في الميدان، وليست عصا سحرية تحقق الأماني.
هذا الطرح الواقعي، الذي تبنته “تسنيم”، أثار ثائرة تيار “بايداري”. فقد اعتبر “رجانيوز” أن وصف مطالب النظام – مثل الرفع الكامل للعقوبات ووقف إطلاق النار الشامل – بأنها “أماني تشبه اللوبيا السحرية” هو إهانة مباشرة لتوجيهات القيادة.
واتهم “رجانيوز” وكالة “تسنيم” بأنها تمهد الطريق لاتفاقية “خسارة محضة” جديدة، مشابهة للاتفاق النووي (برجام)، مشيرا إلى أن هذا الخطاب الإعلامي يهدف إلى جعل “الخطوط الحمراء” تبدو وكأنها مجرد “أوهام غير قابلة للتحقيق”.
التصعيد وصل إلى الشارع، حيث قام أفراد مجهولون بتعليق لافتات ضخمة على جدران مبنى وكالة “تسنيم” تتضمن اقتباسات للمرشد الأعلى حول الخطوط الحمراء، في محاولة واضحة لـ “تخوين” الوكالة وإحراجها أمام قاعدتها الشعبية.

تسنيم ترد بالثقيل: “المنهج الكشميري” وتهديد الأمن القومي
رد فعل وكالة “تسنيم” كان بمثابة “هجوم مضاد” تجاوز كل التوقعات. ففي مقال حمل عنوانا ناريا “طريق رجائي أم أسلوب كشميري؟”، وجهت الوكالة اتهامات مباشرة لموقع “رجانيوز” بتبني أساليب “تخريبية” تخدم أجندات العدو.
المقال قارن بين الشهيد محمد علي رجائي، رمز الإخلاص والتفاني، وبين مسعود كشميري، العميل الذي اندس في قلب الدولة وفجر مكتب رئاسة الوزراء. وبذلك، لم تعد “تسنيم” تتحدث عن خلاف في الرأي، بل عن “تيار مشبوه” يمارس “الاغتيال المعنوي” ضد الشخصيات الوطنية.
واتهمت “تسنيم” هذا التيار بأنه دأب على مهاجمة الرموز الدينية والعسكرية؛ من الخطباء والمنشدين (مثل ميثم مطيعي) وصولا إلى قادة الحرس الثوري أنفسهم. وسألت الوكالة باستنكار: “كيف يجرؤ هؤلاء على ادعاء الدفاع عن القادة العسكريين، بينما تاريخهم مليء بالإساءات لجنرالات مثل سلامي وباقري وحاجي زاده؟”.
هذا الرد كشف عن ضيق ذرع المؤسسة العسكرية والأمنية الإيرانية بالتيار المتشدد الذي يرى نفسه “أكثر ملكية من الملك”، ويقوم بتعطيل استراتيجيات الدولة العليا من خلال الصراخ الإعلامي والمزايدات الثورية.

الاقتصاد الإيراني: الضحية الأولى لـ ” الغوغائية”
بعيدا عن أروقة الإعلام، كان لهذا الصراع صدى مؤلم في الأسواق المالية الإيرانية. فقد رصدت التقارير الصحفية، ومنها ما نشرته صحيفة “قدس”، أن هذه التوترات لم تبقَ حبيسة الورق، بل انتقلت إلى البرلمان، حيث تحولت جلسات المساءلة الاقتصادية إلى منصات للخطابات الحماسية والمزايدات السياسية.
هذا النوع من الأداء السياسي، الذي وصفته الصحف بـ الغوغائية، أدى إلى نتائج عكسية فورية؛ فبدلا من طمأنة الأسواق، ساهمت هذه الصراعات في زعزعة الثقة بالعملة المحلية، مما دفع بأسعار الدولار والذهب إلى مستويات قياسية جديدة.
إن الاقتصاد الإيراني، الذي يعاني أصلا من ضغوط العقوبات وسوء الإدارة الهيكلية، بات اليوم “رهينة” في يد الأجنحة المتصارعة. فالمستثمر الإيراني، عندما يرى أن الوكالة الرسمية للحرس الثوري وموقعا مقربا من مرشح رئاسي سابق يتبادلان اتهامات بـ “العمالة” و”الخيانة”، فإنه يتلقى رسالة واضحة بأن الاستقرار السياسي بعيد المنال.
هذا القلق يترجم فورا إلى “هروب لرؤوس الأموال” وتحويل المدخرات إلى عملات أجنبية، مما يزيد من معاناة الطبقات المتوسطة والفقيرة التي تجد نفسها وقوداً لمعارك سياسية لا ناقة لها فيها ولا جمل.
الفلسفة السياسية للمفاوضات: لغة القوة أم لغة الحوار؟
في خضم هذا السجال، برزت أصوات عاقلة تحاول إعادة الاعتبار لمفهوم “الدبلوماسية” كأداة من أدوات القوة الوطنية. صحيفة “اطلاعات” الإيرانية، في افتتاحية رصينة، هاجمت التيار الذي يحاول تصوير التفاوض كفعل “مذموم”. وأكدت الصحيفة أن التفكير في أن الحرب هي الحالة الدائمة والمستمرة هو “تفكير لا يليق بالإنسان المتمدن أو المؤمن”، بل هو نهج يتبناه من وصفوهم بـ “الصهاينة”.
واستشهدت الصحيفة بالتاريخ الإسلامي والأدب السياسي الفارسي، من نهج البلاغة للإمام علي بن ابي طالب إلى “سياست نامه” للوزير في عهد السلاجقة نظام الملك و”الشاهنامة” للشاعر أبي القاسم الفردوسي، لتؤكد أن الحوار هو “وجه آخر للحرب”، وأن غاية أي قتال يجب أن تكون “الصلح والصلاح”.
إن محاولة تيار “بايداري” الإساءة إلى الدبلوماسيين وتشبيههم بما لا هو تبسيط مخل وتدمير لـ “عاقلة الدولة”. فالدولة القوية هي التي تمتلك جيشا يحمي الحدود، ودبلوماسية ذكية تترجم تضحيات الميدان إلى مكاسب سياسية واقتصادية ملموسة على طاولة التفاوض.

نحو إعادة تعريف “الوحدة الوطنية”
إن الصراع حول “لوبيا المفاوضات السحرية” كشف أن الجبهة الداخلية الإيرانية تعيش حالة من التشرذم الذي قد يكون أخطر من التهديدات الخارجية. فإذا كانت “تسنيم” و”رجانيوز” يمثلان جناحين داخل منظومة واحدة، فإن حجم العداء المتبادل يشير إلى أننا أمام رؤيتين متناقضتين تماما لمستقبل إيران: رؤية تريد “دولة مؤسسات” تتعامل مع الواقع الدولي ببراغماتية حذرة، ورؤية تريد “دولة ثورة” دائمة تقتات على الأزمات وترفض أي حلول وسط.
في نهاية المطاف، يبقى التساؤل الكبير: هل ستستطيع الدولة الإيرانية لجم هذه الصراعات الإعلامية والسياسية قبل أن تؤدي إلى انهيار التماسك المجتمعي؟ إن تحويل “الخطوط الحمراء” إلى أدوات للمزايدة الحزبية هو أقصر طريق لتمزق الإجماع الوطني. والحل، كما تشير أغلب الصحف المعتدلة، يكمن في العودة إلى “العقلانية السياسية”، وترك مساحة للمختصين في السياسة الخارجية لأداء مهامهم بعيدا عن ضغوط “الغوغاء” الإعلامي، لضمان ألا تضيع مصالح الوطن في مهب الريح بين “لوبيا سحرية” مفقودة وبين “خسارة محضة” يخشاها الجميع.

