غضب في الساحة الإيرانية لعودة “صديقي” مرة أخرى

رجل الدين الإيراني كاظم صديقي

في ظل الدعوات من قبل قوى المعارضة الإيرانية للانفتاح وتبني أفكار جديدة وإجراء إصلاحات فعالة في بنية النظام، وتعالي الأصوات بوجوب الوحدة الوطنية، فوجئ سكان مدينة طهران بصعود أحد رجال الدين المتهمين في قضايا الفساد هو وابنه لمنبر خطبة الجمعة، الأمر الذي أثار استياء كثيرين، في ظل رسالة واضحة، مفادها أن الشعارات والدعوات التي تطلق ربما لا تصل إلى أذن صانع القرار في إيران، الأمر الذي يمكن أن يؤدي إلى عواقب وخيمة.

ففي مشهد مثير للجدل، عاد رجل الدين الإيراني كاظم صديقي، إمام جمعة طهران السابق، إلى منبر صلاة الجمعة 18 يوليو/تموز 2025، بعد فترة من الغياب على خلفية باتهامات طالت ابنه، ومطالبات بإبعاده عن المشهد الديني والإعلامي، وخلال خطبته دعا صديقي الناس إلى تقوى الله، مجددا استخدامه للأسلوب الوعظ التقليدي، في الوقت الذي تجنب فيه تماما الإشارة إلى الاتهامات الموجهة لابنه أو ما أثير حوله من شبهات، كما خلا المنبر من أي توضيح رسمي عن سبب إعادة تعيينه، ما جعل العودة تبدو كأنها أمر واقع فرض دون تفسير.

انتقاد از حضور کاظم صدیقی در تریبون نماز جمعه/ بی‌اعتنائی به خواست مردم، نوعی لجبازی است

جدير بالذكر أن صديقي يواجه اتهامات ترتبط بقضية فساد مالي ضخمة تعرف إعلاميا بفضيحة أرض أزجل، القضية التي تفجرت بعد كشف الصحفي ياشار سلطاني عن تسجيل شركة تجارية تضم صديقي واثنين من أبنائه وصهره، قبيل تحويل ملكية أرض تبلغ مساحتها 4200 متر من أملاك مدرسة علمية يشرف عليها صديقي إلى هذه الشركة، بسعر بخس بالمقارنة بسعرها الأصلي.

هذا وقد زعم صديقي لاحقا، أن التحويل تم نتيجة تزوير توقيعه، نافيا مسؤوليته، فيما أشارت بيانات رسمية إلى وجود أخطاء شكلية، ولاحقا، أُلقي القبض على اثنين من أبنائه بتهم تتعلق بـتجاوزات مالية وتواطؤات مشبوهة، فيما وصفه الإعلام الأصولي بأنه تطور في سياق تشديد الرقابة بعد تحذيرات المرشد الأعلى بشأن تورط مقربين من النظام في الأنشطة الاقتصادية، ورغم نفي الجهات الرسمية ضلوع صديقي نفسه من الاتهامات الموجهة لابنه، فإنه قرر بعد القاء القبض عليه عدم اعتلاء منبر الجمعة في طهران إلى حين البت في القضية، قبل أن يظهر الجمعة الماضية.

ثورة من ردود الفعل

هذا وقد أثارت تلك العودة موجة عارمة من الانتقادات الحادة، ليس فقط من بين الشخصيات الإصلاحية، بل حتى من شخصيات محسوبة على التيار الأصولي والمؤسسة الإعلامية الرسمية، فيما ذهب بعض المراقبين إلى أن ما حدث هو مشهد آخر من سياسة العناد في مواجهة الرأي العام التي ينتهجها النظام في إيران.

فبهذا الشأن أكد أحمد زيد آبادي، الناشط السياسي الإصلاحي، خلال مقال تحليلي تناول فيه القضية من زاوية قانونية وأخلاقية، تمسكه بمبدأ المسؤولية الفردية، مشيرا إلى أن الإنسان لا ينبغي أن يحاسب على ذنب غيره، حتى وإن كان من أقرب الناس إليه، لكنه في الوقت ذاته شدد على أن المواقف السياسية والعقائدية العامة لصديقي خاطئة وضارة”، وتستحق النقد والرفض.

احمد زیدآبادی: چرا سکوت کردید؟

كما أوضح زيد آبادي أنه يرفض توجيه اتهامات قانونية لأي شخص من دون حكم صادر من محكمة مختصة، لكنه عبر عن أسفه إزاء تجاهل المعنيين للضجة التي أثارها الشارع، والاستمرار في السياسات التي تُغذّي الشكوك وتُعمّق فجوة الثقة بين الشعب والسلطة.

كذلك، فقد كتب الإعلامي البارز في التلفزيون الإيراني محسن مقصودي، على منصة “إكس”، مخاطبا صديقي بقوله: “ليتك تمسكت برأيك قبل أكثر من شهر، وامتنعت مؤقتا عن إقامة صلاة الجمعة”، وأضاف أن الوضع السياسي والإعلامي في البلاد أشبه بالظروف الحربية، وأن المرحلة الراهنة تتطلب تهدئة الأجواء وليس تصعيدها عبر تعيين شخصيات مثيرة للجدل، لافتا إلى أن عودة صديقي من دون توضيح أو تبرير تزيد من الغموض والاستياء، في وقت تحتاج فيه البلاد إلى ترميم الثقة.

‫محسن مقصودی (@maghsoodi61) / X‬‎

وفي دعم لرأيه، أشار مقصودي إلى تغريدة قديمة لوزير الإعلام الأسبق سيد عزت الله ضرغامي، نشر فيها صورة تجمعه بصديقي، وقال فيها إنه نصحه صراحة بعدم العودة إلى منبر الجمعة إلى أن تحسم قضية نجله قانونيا.

من جهته، شدد الإعلامي محمد حسین خوشوقت، مدير موقع فرارو التحليلي، على أن الانتقادات التي طالت عودة صديقي لا تأتي من منطلق العداء للدين أو رجال الدين، بل من منطلق الحرص على النظام والحفاظ على رصيده الاجتماعي، وأكد أن على صديقي، بصفته شخصية دينية معروفة أمَّت المصلين لسنوات، أن يقدم المسؤولية الاجتماعية على تمسكه بحقه الشخصي في إمامة الجمعة، وأضاف: “المنبر الديني يجب أن يكون مساحة لنشر التوحيد والتقوى، الأخلاق، البصيرة، السلام، الوحدة الوطنية، حب الوطن، مقاومة الظلم، وغرس الثقة في الحكم، وهي المهمة التي اضطلع بها سابقا أئمة كثيرون”.

بایگانی‌ها محمدحسین خوشوقت | انصاف نیوز

من جانبه، أبدى أمير إبراهيم رسولي، مستشار رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، دهشته من الخبر وكتب على حسابه بمنصة إكس، واصفا صديقي بإمام الجمعة السابق، وقال إنه فوجئ بعودته من دون تمهيد أو توضيح.

2005671_227

أما السياسي الإصلاحي البارز محمد علي أبطحي، فقد اختار أسلوبا مباشرا في التعبير عن استيائه، إذ كتب على حسابه بمواقع التواصل: “لو كنت أملك جزءا من التقوى التي يدعيها السيد كاظم صديقي، لكنت تجاوزت هواي، وامتنعت طوعا عن الإمامة، حتى تحسم قضية أولادي”. وانتقد ما اعتبره إصرارا على تقديم مواد دعائية للإعلام الأجنبي، واصفا الخطوة بأنها مُضرة بالتماسك الاجتماعي.

فیلم| ابطحی خطاب به آقای ‎صدیقی: رابین هود دوران بوده جاعل!

في المقابل، جاء التعليق الأشد لهجة من عضو البرلمان عن مدينة مرودشت، جلال رشيدي كوجي، الذي كتب ساخرا: “أحسنت يا حاج علي أكبري! أحسنت لكل أعضاء مجلس سياسات أئمة الجمعة! اختيار دقيق جدا، واصلوا عنادكم مع الناس… حتما ستنجحون في تدمير الوحدة الوطنية”.

جلال رشیدی کوچی

في السياق نفسه، كتب مسيح مهاجري، مدير صحيفة جمهوري إسلامي الأصولية، مقالا انتقاديا تساءل فيه عن الجهة التي أصدرت قرار عودة صديقي إلى المنبر، معتبرا أن ما جرى هو تحد للقيم الأخلاقية والدينية، ويضرب بثقة الناس في مؤسسة صلاة الجمعة التي كان ينبغي أن تبقى منزهة عن الشبهات.

A person in a white turban and a gray robe

AI-generated content may be incorrect.

وشدد مهاجري على أن عودة صديقي في ظل غياب توضيح رسمي بشأن التهم الموجهة إلى نجله، تشير إلى أن هناك من يصر على تحدي إرادة الناس، محذرا من تداعيات ذلك على مكانة صلاة الجمعة التي تحولت، برأيه، إلى منبر يستخدم لأغراض شخصية وسياسية بدلا من أن تكون مساحة لتعزيز التقوى والعدالة، مضيفا أن ما يجري من تبرير لعودة الخطباء المثيرين للجدل، لا يخدم النظام، بل يضعف شرعيته المعنوية أمام الرأي العام.