مسعود بزشكيان.. رحلة طبيب تحول إلى قائد للإصلاح ورئيس لإيران في مهب الحرب والعقوبات (بروفايل)

Image

في ليلة صيفية حارة من يوليو/تموز 2024، انطلقت أصوات التصفيق في طهران كأنها نبضات قلب متسارعة، معلنة فوز مسعود بزشكيان برئاسة إيران، ليحصل المرشح الإصلاحي على مرسوم تعيينه رئيسا تاسعا لإيران، بعد مباركة من المرشد الأعلى علي خامنئي.

بزشكيان هو أول رئيس محسوب على التيار الإصلاحي، يتولى كرسي الرئاسة منذ نهاية عهد محمد خاتمي في عام 2005، لم يكن هذا الفوز مجرد نتيجة انتخابية، بل كان صرخة أمل في ظل أزمات متراكمة: اقتصاد يئن تحت عقوبات دولية، واحتجاجات شعبية تكتم أنفاسها، وتوترات إقليمية تهدد بإشعال حرب شاملة.

بزشكيان، الطبيب والجراح المتمرس الذي أنقذ آلاف القلوب في غرف الجراحة والعمليات، يجد نفسه الآن أمام مهمة أكبر: إنقاذ قلب أمة تئنّ من جراحها، لكن هل سيكون هذا الرجل المعتدل، الذي يدعو إلى الحوار مع الغرب ويعد بإصلاحات داخلية، قادرا على مواجهة الرياح العاتية من الحرس الثوري والضغوط الخارجية؟ 

جذور أذرية في أرض التحديات

وُلِد مسعود بزشكيان في 29 سبتمبر/أيلول 1954، بمدينة مهاباد بمحافظة أذربيجان الغربية، منطقة جبلية باردة تشتهر بتاريخها العرقي الغني وصراعاتها السياسية، كان والداه من أصول أذرية إيرانية، ويعتبر بزشكيان نفسه ووالديه أتراكا.

وهو ما يعكس هويته الثقافية التي ستلعب دورا في مسيرته السياسية لاحقا، نشأ في أسرة متواضعة، حيث كانت الحياة اليومية مليئة بالتحديات الاقتصادية والاجتماعية في إيران ما بعد الثورة، كان بزشكيان يساعد والده في أعمال زراعية بسيطة خلال طفولته، مما غرس فيه قيم الصبر والعمل الجاد. 

Image

هذه الجذور الأذرية جعلته حساسا تجاه قضايا الأقليات العرقية في إيران، حيث يتحدث اللغة الأذرية بطلاقة ويدعو إلى تعليمها في المدارس، في عام 1973، حصل على دبلومة الثانوي وانتقل إلى زابل لأداء الخدمة العسكرية الإلزامية، هناك، بدأ اهتمامه بالطب ينمو، مستوحى من مشاهدة الجنود الجرحى والحاجة الملحة للرعاية الصحية في المناطق النائية. 

بعد انتهاء الخدمة، عاد إلى محافظته الأصلية ودخل جامعة تبريز للعلوم الطبية، وقال الدكتور بزشكيان في هذا الصدد: “لقد تم قبولي في المجال الطبي من جامعة تبريز في عام 1976 وأكدت مرارا أنني لم أستخدم أي حصة أو منحة دراسية لمواصلة دراستي في أي مستوى”، وتخرج بزشكيان كطبيب عام في 1985 وحاز درجة الدكتوراه المهنية في الطب وتخصص في الجراحة العامة من جامعة تبريز للعلوم الطبية، بالإضافة إلى تخصص فرعي في جراحة القلب من جامعة إيران للعلوم الطبية عام 1993

وخلال دراسته الطبية، كان يعمل مدرسا لعلم الفسيولوجيا، مما أكسبه سمعة كمعلم مخلص يجمع بين العلم والإنسانية، بعد انتصار الثورة في إيران، أسس الدكتور بزشكيان جمعية المدرسة الطبية الإسلامية وأطلق العديد من الدورات القرآنية ونهج البلاغة.

من الجبهة إلى البرلمان

بدأت المحطات الفارقة في حياة بزشكيان مع اندلاع الحرب الإيرانية العراقية (1980-1988)، كعضو في الحرس الثوري، شارك في الجبهات كمقاتل وطبيب في آن واحد، كان مسؤولا عن إرسال فرق طبية إلى الخطوط الأمامية، وأنقذ حياة مئات الجنود وبشهادات زملائه.

Image

يُروى أنه أجرى عمليات جراحية تحت قصف مدفعي، مما أكسبه لقب “الجراح الشجاع”، بعد الحرب، عاد إلى عالم الطب، حيث شغل منصب رئيس جامعة تبريز الطبية من 1994 إلى 1999، حيث أدخل إصلاحات في نظام التعليم الطبي، مثل توسيع البرامج التدريبية للأطباء في المناطق الريفية.

دخل بزشكيان عالم السياسة عام 1997، عندما انضم إلى إدارة الرئيس محمد خاتمي كنائب وزير الصحة ثم تولى وزارة الصحة والتعليم الطبي من 2001 إلى 2005، حيث واجه تحديات كبيرة مثل إصلاح نظام الرعاية الصحية ومواجهة نقص الأدوية بسبب العقوبات خلال هذه الفترة، واجه محاولة عزل من البرلمان بسبب قضايا مثل تعيينات الموظفين وسياسات الأدوية، لكنه نجا بفضل دعم الإصلاحيين.

بعد تركه الوزارة، انتخب عضوا في البرلمان خمس مرات (2008-2024) ممثلا عن تبريز وأوسكو وآذرشهر، شغل منصب نائب أول لرئيس البرلمان من 2016 إلى 2020، وكان أول من أسس “فريق المناطق التركية” في البرلمان عام 2016، داعيا Ygn تعليم اللغة التركية مجانا.

في الانتخابات الرئاسية، سبق أن ترشح للانتخابات الرئاسية مرتين، في الدورتين الحادية عشرة (2013) والثالثة عشرة (2014). في عام 2013، وقبل الإعلان عن أسماء المرشحين المؤهلين، انسحب بزشكيان من السباق الانتخابي لصالح المرشح الإصلاحي الآخر علي أكبر هاشمي رفسنجاني وفي عام 2014، استبعده مجلس صيانة الدستور أيضا،  ورفض ترشحه عام 2021.

أما في 2024، بعد وفاة الرئيس إبراهيم رئيسي في حادث تحطم طائرة، فاز في الجولة الثانية بـ16.3 مليون صوت (53.7%) ضد سعيد جليلي، بشعار “من أجل إيران” في الانتخابات الرئاسية الرابعة عشرة، ليصبح الرئيس التاسع لإيران في 28 يوليو/ تموز 2024، بنسبة مشاركة بلغت 49.8% في الجولة الثانية بإجمالي عدد المقترعين الذي ناهز الثلاثين مليونا، مقابل 40% تقريبا في الدورة الأولى، وهي الأدنى في تاريخ الانتخابات الرئاسية في إيران. 

Image

وكان من منافسيه خمسة من المحسوبين على التيار المحافظ أبرزهم جليلي ورئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، وتم تعيين بزشكيان رئيسا لإيران في مراسم أقيمت في مسجد الخميني بالعاصمة، بحضور النخبة السياسية في البلاد، إضافة إلى عدد من الدبلوماسيين الأجانب.

وكانت الانتخابات مقررة في عام 2025، إلا أنها أجريت بشكل مبكر هذه السنة بعد وفاة الرئيس المحافظ المتشدد  إبراهيم رئيسي  في تحطم مروحية بشمال غرب إيران في أيار/ مايو الماضي.

في أول تصريح له بعد إعلان فوزه في الدورة الثانية للانتخابات الرئاسية، أكد الرئيس الإيراني المنتخب مسعود بزشكيان، أنه “سيمد يد الصداقة للجميع”، وقال بزشكيان في تصريح للتلفزيون الرسمي: “سنمد يد الصداقة للجميع، نحن جميعنا شعب هذا البلد.. علينا الاستعانة بالجميع من أجل تقدم البلد”، كما قال في منشور على منصة إكس: “أمد يدي إليكم ولن أتخلى عنكم وأسألكم أيضا أن تكونوا إلى جانبي”، وأضاف: “أمامنا طريق صعب ولا يمكن تجاوزه إلا بتعاطفكم وثقتكم وتعاونكم”.

خلال رئاسته، شكَّل حكومة تشمل إصلاحيين مثل فرزانة صادق (ثاني امرأة وزيرة منذ الثورة عام 1979) وعباس عراقجي (مفاوض نووي)، زار العراق كأول زيارة خارجية، وتعامل مع ضربات إسرائيلية في 2025، وضمن ذلك محاولة اغتيال فاشلة عليه في 16 يونيو/حزيران 2025، مما أدى إلى اندلاع حرب إيران-إسرائيل في 13 يونيو/حزيران 2025.

لماذا جبهة الإصلاح؟ 

Image

انضم بزشكيان إلى جبهة الإصلاحيين بسبب تجاربه الشخصية والسياسية التي جعلته يرى الحاجة إلى تغيير داخلي كطبيب، رأى معاناة الشعب من قرب، خاصة في المناطق العرقية مثل أذربيجان، حيث يعاني الأتراك من تهميش ثقافي.

انتقد تعامل الحكومة مع الاحتجاجات، مثل احتجاجات 2009 بعد الانتخابات (وصفها بـ”الخطأ العلمي والفكري”)، و2018، و2022 بعد وفاة مهسا أميني، مطالبا بتشكيل لجنة تحقيق ومحاكمات عادلة، يرى في الإصلاحيين منصة للدفاع عن حقوق النساء والأقليات، وإحياء الاتفاق النووي لرفع العقوبات الاقتصادية.. ويرى أن كل المعارك تدور حول كلمتي “العدالة” و”الحقوق”، وأكد بزشكيان أن “كل الاحتجاجات والتوترات تنبع من هذا الظلم، عندما تُنتهك حقوق الناس، يحتجون، لا يمكنك انتهاك حقوق الآخرين وإجبارهم على الصمت، إذا فهمنا هذه القضية وطبقناها في المجتمع، يمكننا حل المشاكل”.

في مقال نشره في صحيفة “طهران تايمز”، الصادرة باللغة الإنجليزية بعنوان “رسالتي إلى العالم الجديد”، انتقد بزشكيان سياسات ترامب ودعا إلى الحوار مع الغرب لتخفيف الضغوط الاقتصادية، انضمامه يعكس رغبة في “إصلاح مُدار” داخل النظام، لا ثورة جذرية، مستوحى من خاتمي الذي دعمه في حملته.

Image

وفقا لموقع Teen News، نقلا عن وكالة أنباء الطلبة الإيرانية (ISNA)، يعتقد كثيرون أن مقال الدكتور بزشكيان هو ثمرة عمل خبير متماسك، وأن وراء كل كلمة في هذا المقال القصير نسبيا عقلا مبدعا تأمل في جميع أطر السياسة الخارجية بمنظور متخصص، وكما يتضح من هذا المقال، سيكون التوازن بين الحقائق الثابتة والمتغيرة القضية المحورية في السياسة الخارجية في الحكومة الرابعة عشرة.

من النقاط اللافتة الأخرى في عمل الدكتور بزشكيان استغلاله لقدراته في كتابة المقالات، فمن خلال هذه المقالات، استطاع أن يعكس للعالم الأطر الرئيسية للسياسة الخارجية الإيرانية دون أي تفسير أحادي الجانب لوجهة نظره.

ومع ذلك، فإن إيصال رسالة من خلال نشر مقالات في الصحف والمجلات من قبل الرؤساء الإيرانيين أمرٌ غير مسبوق، وفي ختام المقال تحدث الرئيس عن السياسة الخارجية الإيرانية تجاه العالم.

Image

وأكد جهود رفع العقوبات وضرورة الالتزام بتعهداتنا في التعاون الدولي؛ مؤكدا أن السياسة الخارجية للحكومة الرابعة عشرة ستكون متوازنة مع العالم الخارجي، وأن طهران تعتزم التفاعل مع جميع القوى، وفي الوقت نفسه، يجب علينا أيضا التعاون الوثيق مع العالم الغربي وبالطبع، فإن التفاعل مع الولايات المتحدة مشروط بتغيير هذه الدولة لنظرتها تجاه إيران وبناء الثقة. 

في سياق آخر يُقال إن تجربته كوزير صحة، حيث واجه مقاومة من التيارات المتشددة، دفعته للانضمام إلى الإصلاحيين لمواجهة “الفساد والتشدد” الذي يرى أنه يعيق التقدم.

انتقادات في زمن الأزمات والحرب

في عام 2025، يواجه بزشكيان انتقادات حادة من داخل وخارج إيران، داخليا، يتهمه المتشددون بـ”الخيانة” لتعيين إصلاحيين في الحكومة، معتبرين ذلك “تخاذلا أمام المبادئ الثورية”.

كما ينتقد الإصلاحيون فشله في الوفاء بوعود الحملة، مثل تحسين الاقتصاد وتخفيف القمع، وفقا لتقارير حقوقية لمنظمتي حقوق الإنسان الإيرانية غير الحكومية (IHRNGO) والتضامن ضد عقوبة الإعدام (ECPM)، تحت رئاسة بزشكيان، شهدت إيران أكثر من 1600 إعدام منذ أغسطس/ آب 2024، بما في ذلك نساء وسجناء سياسيين، مما أثار غضب المعارضين نتيجة قتل وجرح المتظاهرين السلميين.

اقتصاديا، يواجه أزمة ماء حادة، حيث أدلى بتصريحات تحذيرية عن جفاف السدود واستنزاف المياه الجوفية، متهما نفسه والمسؤولين بالتقصير، لكنه يُنتقد لعدم تقديم حلول فورية، وأشار الرئيس بزشكيان إلى تقرير وزارة الطاقة بشأن اختلال التوازن المائي، لا سيما في طهران، مؤكدا ضرورة رفع الوعي بشأن أزمة المياه. 

وقال إن “أزمة المياه أخطر مما يتم الحديث عنه اليوم، وإذا لم نفكر بشكل عاجل من اليوم، فسنواجه في المستقبل وضعا لا يمكن إيجاد علاج له”.

خارجيا، خلال الحرب مع إسرائيل، يُتهم بـ”الضعف” لدعوته للحوار وعدم التصعيد، بينما يشيد بضربات الحرس الثوري. 

محاولة الاغتيال الفاشلة عليه في 2025 زادت من التوترات، ويُنتقد لتعليق التعاون مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، كما يُتهم بـ”التناقض” لانتقاده الاحتجاجات سابقا ثم إدانتها لاحقا، مما يجعله في نظر البعض “شبه إصلاحي”، رغم ذلك، يدافع بزشكيان عن نفسه بتصريحات مثيرة للجدل مثل: “الحرب غير مفيدة لنا، ولا نسعى لامتلاك الأسلحة النووية”، خلال المقابلة مع الصحفي الأمريكي تاكر كارلسون  مستندا إلى فتوى المرشد علي خامنئي.

في النهاية، يبقى بزشكيان رمزا للأمل المشوب بالشك، في إيران تتوق إلى الإصلاح لكنها محاصرة بالتحديات.