- محمود شعبان
- 441 Views
أعلنت غرفة التجارة الإيرانية في تحليلها لمستقبل اقتصاد البلاد، عن تحديد سعر صرف الدولار بـ1.650 مليون ريال و90% تضخما في حال فشل المفاوضات وتنفيذ آلية الزناد.
أطلقت غرفة التجارة الإيرانية تقريرا يشبه قنبلة موقوتة، تخيل اقتصادا يواجه عاصفة عقوبات مفاجئة، مع سعر صرف يقفز إلى 1.650 مليون ريال وتضخم يلتهم 90% من القيمة الشرائية، ونمو يغرق في السالب، هذا ليس سيناريو فيلم هوليوودي، بل تنبؤات رسمية أثارت غضب الخبراء وأرعبت المستثمرين، لكن هل هذه الرؤى المخيفة واقعية، أم مجرد إثارة للجدل في زمن يشهد تهديدات أوروبية بإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة؟ مع اقتراب موعد “سناب باك” في أكتوبر/تشرين الأول 2025، يأتي هذا التقرير كتحذير أخير، لكنه يُتهم بتضخيم الخوف بدلا من تقديم حلول.
السيناريوهات المرعبة
في تقريرها الذي صدر مؤخرا وفقا لتقارير إعلامية حديثة رسمت غرفة التجارة الإيرانية ثلاثة مسارات مستقبلية للاقتصاد بحلول نهاية العام 2025، في حال تفعيل آلية “سناب باك”-العودة السريعة لعقوبات مجلس الأمن الدولي.

السيناريو المتفائل يتوقع نموا اقتصاديا سلبيا بنسبة -0.6%، مع تضخم يصل إلى 60%، وسعر صرف يستقر عند حدود معقولة، أما السيناريو المحتمل، فيرسم صورة أكثر قتامة مع نمو -1.5% وتضخم 75%، وفي المتشائم، ينهار كل شيء: نمو -3.1%، تضخم 90%، وسعر صرف يقفز إلى مليون و650 ألف ريال للدولار.

لكن دعونا نضيف تفاصيل جديدة من الواقع: بحسب بيانات أغسطس/آب 2025، يبلغ سعر الصرف الحر حاليا حوالي 1,010 مليون ريال (بناء على تقلبات السوق التي بلغت أعلى مستوياتها عند 1,017 مليون ريال)، مقارنة بـ930 ألف في الأشهر السابقة.
أما التضخم، فقد انخفض إلى 38.7% في مايو/أيار 2025 مع زيادة طفيفة بنسبة 1% في أغسطس/آب مما يشير إلى استقرار نسبي رغم الضغوط.
هذه الأرقام الحديثة تجعل السيناريو المتشائم يبدو أكثر درامية، خاصة مع تهديدات أوروبية حديثة بتفعيل “سناب باك” إذا لم تتعاون إيران مع الوكالة الدولية للطاقة الذرية، قدم تقرير غرفة التجارة الإيرانية، في تحليل دقيق، لثلاثة مسارات محتملة لمستقبل الاقتصاد الإيراني في حال فشلت المفاوضات مع الغرب وتفعيل “سناب باك” أو ما يُعرف بـ”آلية الزناد”.

استندت هذه السيناريوهات إلى دراسات معمقة لتجارب العقوبات السابقة والضغوط الدولية المتعددة، مكشفة عن توقعات مثيرة للقلق بشأن المؤشرات الاقتصادية الرئيسية، مثل سعر الصرف، التضخم، النمو الاقتصادي، ومعدلات البطالة، وفقا لتقرير غرفة تجارة طهران، فإن تفعيل “آلية الزناد” قد يُغرق الاقتصاد الإيراني في دوامة من التحديات، تتراوح بين نمو محدود في أفضل الأحوال، وصولا إلى أزمة اقتصادية خانقة في أسوأ الحالات.
ويُعتبر السيناريو الأكثر احتمالا، حسب التقرير، هو الانزلاق نحو ركود اقتصادي مصحوب بتضخم متصاعد، ارتفاع حاد في سعر الصرف، وتدهور ملحوظ في مناخ الأعمال، مع التذبذبات الشديدة في سوق العملات، حيث قفز سعر الدولار إلى 990 ألف ريال في الخامس من سبتمبر/أيلول، يكتسب هذا التقرير أهمية بالغة للمهتمين بالشأن الاقتصادي.

ويحذّر التقرير من أن انهيار المفاوضات قد يُفضي إلى فرض عقوبات جديدة من مجلس الأمن، إلى جانب ضغوط أمريكية ثانوية، مما يضع إيران أمام تحديات اقتصادية غير مسبوقة.
السيناريو المتفائل: في هذا المسار، يتمكن الاقتصاد الإيراني من تحقيق استقرار نسبي رغم العقوبات. يرتفع سعر الصرف إلى 1,150 مليون ريال، ويبلغ التضخم 60%، بينما يحقق النمو الاقتصادي نسبة إيجابية طفيفة عند 1.5%.
وعلى الرغم من ارتفاع البطالة إلى 10.5%، تشهد سوق الأسهم نموا ملحوظا، حيث تصل قيمتها إلى 120 مليار دولار.
• السيناريو الأكثر ترجيحا: ينحدر الاقتصاد هنا إلى هاوية الركود التضخمي. يصعد سعر الدولار إلى 1.350 مليون ريال، ويشتعل التضخم ليصل إلى 75%، بينما يتراجع النمو الاقتصادي إلى سالب 1%، ترتفع البطالة إلى 12%، وتتقلص قيمة سوق الأسهم إلى 90 مليار دولار، مما يعكس تدهورا ملحوظا في الأوضاع الاقتصادية.

• السيناريو المتشائم: في أسوأ التوقعات، يواجه الاقتصاد الإيراني انهيارا حادا. يتخطى سعر الدولار حاجز 1.650 مليون ريال، ويقفز التضخم إلى 90%، بينما ترتفع البطالة إلى 14%.
يعمق الركود الاقتصادي من الأزمة بانخفاض النمو إلى سالب 3%، وتنهار قيمة سوق الأسهم إلى 65 مليار دولار، مُنذرة بمستقبل قاتم يهدد استقرار البلاد.
يُلقي هذا التقرير الضوء على التحديات الجسيمة التي قد تواجه إيران، مُحذرا من تداعيات استمرار التوترات الدولية على استقرارها الاقتصادي.
كيف يُشعل التقرير حريق التوقعات التضخمية؟
أحد أقوى الانتقادات للتقرير هو دوره في إثارة الذعر النفسي، في اقتصاد إيراني يعتمد على التوقعات بنسبة كبيرة، يمكن أن يؤدي الإعلان عن أرقام مثل 1.650 مليون ريال إلى موجة شراء هستيرية للدولار، مما يرفع الأسعار تلقائيا.
تخيل تاجرا في سوق طهران يسمع هذه التوقعات؛ سيتجه فورا لشراء العملة الأجنبية، مما يخلق تضخما ذاتي الدفع، وفقا لتحليلات حديثة، لن يكون تأثير “سناب باك” كارثيا كما يُصور، بل قد يقتصر على ضغوط نفسية أكثر من اقتصادية، وفي يونيو/حزيران 2025، صوت مجلس محافظي الوكالة الدولية ضد إيران، مما زاد من التوتر، لكن الاقتصاد لم ينهار بعد.
مقارنة زمنية خاطئة
يُشبه التقرير الوضع الحالي بأوائل التسعينيات، عندما ضربت العقوبات الاقتصاد لأول مرة، لكن هذا التشبيه يتجاهل التغييرات الهيكلية اليوم، بعد عقود من التكيف، أنشأت إيران آليات بديلة مثل شركات تأمين محلية ومسارات تجارية سرية، وفي 2025، بلغت صادرات النفط 1.7-1.8 مليون برميل يوميا، مستوى قياسي رغم العقوبات الأمريكية بخلاف التسعينيات، حيث انسحب الوسطاء الأوروبيون، أصبحت الصين والهند شركاء رئيسيين، مما يقلل من الصدمة المحتملة.
العقوبات الخفية.. ما الذي لم يُرفع أصلا؟
يغفل التقرير أن كثيرا من عقوبات مجلس الأمن لم تُرفع كليا، مثل حظر التأمين البحري أو السلع ذات الاستخدام المزدوج، إيران تعاملت معها عبر حلول محلية، لذا لن تكون عودتها “صدمة جديدة” وفي أغسطس/آب 2025، هددت دول الترويكا الأوروبية الثلاث “بريطانيا وفرنسا وألمانيا”، بإعادة فرض عقوبات شاملة إذا لم تتفاوض إيران، لكن الخبراء يرون أن التأثير سيكون محدودا على النووي والصواريخ، لا الاقتصاد ككل.
الضغط الحقيقي.. لماذا تُهدد العقوبات الأمريكية أكثر من الأمم المتحدة؟
عكس ما يركز عليه التقرير، كانت العقوبات الأمريكية الأحادية- مثل حظر سويفت ومبيعات النفط- الأكثر تدميرا، عقوبات مجلس الأمن كانت محدودة على بنوك معينة، بينما الأمريكية أثرت على الاقتصاد بأكمله، وأدت العقوبات التراكمية بعد صراع يونيو/حزيران 2025، إلى تدهور البنية التحتية الإيرانية، لكن إيران هددت بالانسحاب من معاهدة عدم الانتشار النووي إذا فعلت “سناب باك”.
كيف تحولت إيران من الضحية إلى المتكيف؟
في التسعينيات، أدى انسحاب الوسطاء إلى كارثة، لكن اليوم أنشأت إيران مسارات تصدير جديدة، مما رفع المبيعات إلى مستويات قياسية، ورغم مكافآت أمريكية لكشف المشترين، استمرت الصادرات مستقرة، مما يقلل من تأثير “سناب باك” النفسي.

في النهاية، يعكس تقرير غرفة التجارة مخاوف قديمة أكثر من واقع 2025، حيث انخفض التضخم واستقرت الصادرات، بدلا من السيناريوهات السوداوية، يجب التركيز على الآثار النفسية، خاصة مع تهديدات أوروبية حديثة الاقتصاد الإيراني اليوم أقوى، مع آليات مواجهة، لذا ربما يكون الخطر الحقيقي في الإعلام لا العقوبات.
ويقول خبراء في غرفة التجارة إن عوامل مثل انخفاض احتياطيات النقد الأجنبي، والقيود المفروضة على مبيعات النفط، وارتفاع توقعات التضخم والمخاطر الجيوسياسية هي الأسباب الرئيسية وراء هذه القفزة المتوقعة في قيمة العملة، علاوة على ذلك، سيساهم تشديد العقوبات في تباطؤ الإنتاج وزيادة البطالة من خلال تعطيل سلسلة التوريد وإيقاف المشاريع. يُمثل هذا التقرير تحذيرا جديا لصانعي السياسات والناشطين الاقتصاديين لفهم عواقب كل سيناريو واتخاذ التدابير اللازمة لمستقبل الاقتصاد الإيراني.
في ظل الضربات العسكرية التي استهدفت قطاع النفط والغاز، مصدر الدخل الرئيسي للبلاد، عمقت الأزمة، تاركة الاقتصاد في حالة من الضعف غير المسبوق.
74 % من الشركات عالقة في دوامة الركود
رغم توقف الأعمال العدائية ومحاولات العودة إلى الحياة الطبيعية، فإن 74% من الشركات الإيرانية لم تستعد مستويات أدائها قبل الحرب، وفقا لمسح أجرته غرفة تجارة طهران، مصانع كانت نابضة بالحياة أصبحت الآن تعمل بنصف طاقتها أو أقل، يعاني 28% من الشركات من انخفاض في الإنتاج بين 20% و50%، و20% من انخفاض بين 50% و70%، بينما شهد 12% تراجعا يتجاوز 70%.. هذه الأرقام ليست مجرد إحصاءات؛ إنها تعكس خطوط إنتاج متوقفة، مشاريع مؤجلة، وفرص ضائعة في سوق تعاني من تقلبات العملة وتدهور الأوضاع الاقتصادية.
توقعات قاتمة

خلال الأشهر الثلاثة المقبلة، يتوقع 43% من الشركات انخفاضا في المبيعات والإنتاج بأكثر من 20%، بينما يأمل 7% فقط في نمو، وأقل من 21% يتوقعون العودة إلى مستويات ما قبل الحرب، نقص المواد الأساسية واضطرابات سلاسل التوريد تضع التجار في موقف صعب، حيث يضطرون إما لرفع الأسعار أو إغلاق أبوابهم. هذه التوقعات تأتي وسط أزمة غذائية دفعت إلى احتجاجات واسعة، مما يعكس عمق الأزمة وتأثيرها على الحياة اليومية.
تسريح العمال
الركود لا يقتصر على الإنتاج؛ بل يهدد سبل عيش الناس، تخطط 55% من الشركات لتقليص قوتها العاملة خلال الأشهر القادمة، بينما تسعى 14% فقط لتوظيف عمال جدد. في ظل أزمات النقل والإضرابات، أصبحت فرص العمل نادرة، خاصة في الصناعات التحويلية، حيث لم تتعافَ 70% من الشركات بعد، في المقابل، تمكنت قطاعات الأدوية والرعاية الصحية (60%) وتكنولوجيا المعلومات (42%) من استعادة جزء من إيراداتها، مستفيدة من الطلب العالمي على الخدمات الرقمية رغم التحديات.
جبال من العوائق
نقص السيولة المالية هو أكبر تحدٍ، حيث أشار إليه 60% من المشاركين في المسح، يليه صعوبة الحصول على العملة الأجنبية (40%)، ثم القلق من تجدد الصراعات (36%)، أسعار الفائدة المرتفعة تجعل القروض بعيدة المنال، خاصة للشركات الصغيرة والمتوسطة التي تعاني من محدودية الموارد.
البنوك، بدورها، تشدد شروط الإقراض، مما يزيد من مخاطر الائتمان ويعرقل مشاريع الإعمار. هذا الوضع يشبه محاولة تسلق جبل دون معدات، حيث كل خطوة تزيد من مخاطر السقوط.
استراتيجيات البقاء

للنجاة من هذه العاصفة، حددت الشركات أربعة محاور رئيسية:
• أولا، الاستدامة المالية عبر إنشاء صناديق طوارئ (38%)، خطط إدارة الأزمات (33%)، وتقليص العمالة (33%).
• ثانيا، التغييرات الهيكلية مثل استهداف أسواق خارجية (30%)، إغلاق بعض الأنشطة (30%)، وتعديل المنتجات (29%).
• ثالثا، تعزيز مرونة سلاسل التوريد عبر تنويع الموردين (23%) والاحتفاظ باحتياطيات من المواد الخام (18%).
• أخيرا، الإجراءات الوقائية مثل التأمين ضد مخاطر الحروب (11%) وتعزيز الأمن السيبراني (6%)، الابتكار في التكنولوجيا الرقمية قد يكون مفتاحا للخروج من هذا المأزق، خاصة مع تزايد الطلب على الخدمات الإلكترونية.
الاقتصاد الإيراني يواجه لحظة حاسمة، والركود العميق، وتراجع الإنتاج، وفقدان فرص العمل يهدد بتحويل الأزمة إلى كارثة شاملة، لكن مع إدارة مالية حكيمة، ودعم حكومي فعال، واستراتيجيات مبتكرة، قد تتمكن إيران من تجاوز هذه العاصفة، الركود ليس النهاية، بل درس قاسٍ في الصمود، يتطلب إصلاحات جذرية لضمان مستقبل أكثر استقرارا.

