- محمود شعبان
- 544 Views
ترجمة: دنيا ياسر نورالدين
أجرت صحيفة “هممیهن” الإيرانية الإصلاحية، الثلاثاء 2 سبتمبر/أيلول 2025، حوارا مع النائب أحمد بخشايش أردستاني، وعضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان الإيراني، تناول قرار ديوان العدالة الإدارية إقالة أربعة آلاف موظف بدعوى التعيينات غير القانونية، وردود فعل النواب على ذلك، إضافة إلى موقفه من دور البرلمان في الرقابة، وانتقاده سياسة “التصفية” في الحكومات، ورأيه في أداء وزير الداخلية الحالي.
وفي ما يلي نص الحوار:
لماذا اعترض بعض النواب على إقالة هؤلاء الأربعة آلاف موظف، رغم أن ديوان العدالة الإدارية أصدر حكما صريحا بإنهاء عملهم في أجهزة الدولة؟
رأيي أن المسألة تستدعي قبل كل شيء تحديد الهوية الحقيقية لهؤلاء الموظفين ومصدرهم، فإذا كان معظمهم قد جاء من داخل لجان الإغاثة “مؤسسة اجتماعية إيرانية أُنشئت بعد الثورة لرعاية الفقراء والمحتاجين تابعة للمرشد الإيراني”، فيجب القول بوضوح إن حضور العاملين في هذه اللجان داخل مؤسسات الدولة يحمل طابعا خاصا، يقوم على رؤية عمودية ونظرة دونية في التعامل مع المجتمع، حيث يُفهم مفهوم المساعدة على أنه عملية من الأعلى إلى الأسفل.
وتشير المعطيات المتداولة إلى أن الغالبية الساحقة من هؤلاء الأربعة آلاف موظف لم يكونوا من عامة الناس، بل من المنتسبين إلى لجنة الإغاثة نفسها، وهو ما يُفسَّر بالعلاقة الوثيقة التي ربطت آنذاك بين الرئيس الإيراني الراحل إبراهيم رئيسي ومصطفي بختياري نائب رئيس لجنة الإغاثة التابعة للمرشد الإيراني.
ومن الطبيعي أن يؤدي هذا الارتباط إلى أن نسبة كبيرة من التعيينات في الحكومة جاءت مباشرة من صفوف هذه اللجنة.
غير أن الإشكال الجوهري يكمن في أن موظفي لجنة الإغاثة لا يمكن نقلهم أو تعيينهم بصفة مأمورين حكوميين، لأن اللجنة تُصنَّف باعتبارها مؤسسة عامة غير حكومية وبالتالي فإن إدخالهم إلى الجهاز التنفيذي للدولة لا بد أن يتم عبر توظيف مباشر.
وقد وصلني من مصادر مختلفة أن معظم الذين التحقوا بحكومة رئيسي كانوا بالفعل من موظفي لجنة الإغاثة، وليسوا من الفئات الهشّة التي تُعنى بها هذه المؤسسة، أي الفقراء والمحتاجين.
ولو أن التعيينات شملت أبناء هذه الفئات المستضعفة لكان الأمر محل ترحيب، إذ أنهم الأجدر بالحصول على فرص عمل حقيقية، لا سيما أنهم، بحكم معاناتهم الطويلة مع الفقر والحرمان، غالبا ما يمتلكون قدرا كبيرا من الذكاء العملي والقدرة على الإبداع وابتكار الحلول القابلة للتطبيق.
لكن ما حدث عمليا هو أن موظفي لجنة الإغاثة قفزوا إلى مواقع الإدارة في الجهاز الحكومي، وهو وضع يثير تساؤلات جدية، وإذا كان هؤلاء قد دخلوا بالفعل في هياكل الدولة، فإن الأنسب ـ في تقديري ـ أن يعودوا إلى مواقعهم الأصلية داخل لجنة الإغاثة، فذلك أكثر فائدة للحكومة من جهة، وأكثر انسجاما مع طبيعة عملهم من جهة أخرى.
وفي كل الأحوال، فإن مسؤولية رجال الدولة لا تقتصر على إدارة شؤون الحكم، بل تتطلب أيضا التحلّي بسعة الصدر والانفتاح على النقد، وتجنب القرارات المتسرعة، والتصرف بقدر عال من الصبر والحكمة، فهذه الصفات هي التي تصنع رجال الدولة الحقيقيين، وتضع الأسس اللازمة لتحقيق التنمية المستدامة.
ألا يؤدي تدخل البرلمان الإيراني في قضايا التعيينات ومنع إقالة بعض المسؤولين- وهي أمور من اختصاص الحكومة- إلى الإخلال بمبدأ الفصل بين السلطات؟
لا، البرلمان هو جهة رقابية وتشريعية وموضِعة للسياسات والفصل بين السلطات يعني أن تبقى السلطات التنفيذية الثلاث منفصلة، على أن يحتفظ البرلمان بوظيفته والحكومة بنهجها، مع التزامها بالسياسات التي يضعها البرلمان.
البرلمان يمارس الرقابة ليتأكد من أن الحكومة لا تنحرف عن المسار وإذا انحرفت الحكومة، فإن السلطة القضائية تتدخل وتبحث الخلاف بين البرلمان والحكومة فعندما تكون المصالح العامة مهددة، فلا بد من جهة لإنصاف الحق، وتقوم لجنة المادة 90، وهي إحدى لجان البرلمان، بهذا الدور، ومن ثم فإن ما يقوم به البرلمان لا يُعتبر تدخلا في التنفيذ أما إذا قام نائب بترشيح شخص لتعيينه في منصب، فإن ذلك يُعد تدخلا.

برأيكم، ما السبل التي تمكّن الحكومة من تحقيق التوازن بين تجنّب سياسة الإقصاء والحاجة إلى تعيين كوادر منسجمة مع أهدافها؟
من الطبيعي أن يضمّ كل جهاز إداري أو مؤسسة حكومية موظفين خضعوا للتقييم، والحكومة تعلن أنها تسعى في الأساس إلى اعتماد معيار الكفاءة في التعيينات، فحتى على مستوى المديرين العامين، لا يشترط أن يكون المسؤول من المقرّبين أو الموالين، بل المطلوب أن يلتزم الكادر الإداري بتنفيذ البرامج والأنظمة الموضوعة بكفاءة وحياد.
ومع ذلك، فإن تغيير بعض الوجوه يبقى أمرا ضروريا بين الحين والآخر، فعندما تتسلّم حكومة جديدة السلطة، يفترض أن تضخّ روحا جديدة في الجهاز الإداري غير أن كثيرا من الموظفين القدامى يتمسّكون بمواقعهم، مستفيدين من خبرتهم الطويلة في الالتفاف على القوانين أو من قدرتهم على البقاء في مواقعهم رغم التبدلات السياسية.
وفي بعض الحالات، قد ينزلق هؤلاء إلى ممارسات غير قانونية مثل الرشوة، الأمر الذي يبرّر الحاجة إلى إدخال دماء جديدة بين فترة وأخرى، بحيث يأتي مدير عام جديد يحمل برنامجا مختلفا وغالبا ما يسعى الموظفون الجدد إلى إثبات أنفسهم كمبتكرين وأصحاب مبادرات، وقد ينجحون أو لا، لكن الفكرة الأساسية هي دفع عجلة التقدّم وعدم ترك المؤسسات في حالة جمود.
ومع ذلك، يظلّ من الضروري إخضاع عمل هؤلاء المديرين الجدد إلى رقابة صارمة، تفاديا لتكرار الأخطاء السابقة أو ظهور تجاوزات جديدة فهناك من يشير مثلا إلى أن بعض المديرين الجدد في المؤسسات التابعة لوزارة الزراعة الإيرانية لم يغيّروا في الواقع سوى مظهرهم أو نوع ملابسهم، بينما بقيت الممارسات القديمة مثل الرشاوى قائمة كما هي.
وعلى هذا الأساس، فإن من واجب الحكومة عند اختيار كوادرها، خصوصا في المحافظات، أن تستعين بأشخاص يملكون ولاء حقيقيا للدولة وحرصا على المصلحة الوطنية، لا بمجرد مقرّبين يبحثون عن مكاسب شخصية.
لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن يتحوّل هذا التوجّه إلى ما يُعرف بسياسة “التصفية”، أي استبعاد واسع للنخب والخبرات بحجة إدخال عناصر موالية.
فمثل هذا النهج يفتح الباب أمام أشخاص يقدّمون أنفسهم عبر التملّق والادعاء بأنهم لعبوا دورا محوريا في وصول الحكومة إلى السلطة، من دون أن يكون هناك ضمان حقيقي على كفاءتهم أو قدرتهم على الإدارة وتجربة الحكومة السابقة “حكومة حسن روحاني”، التي وُصمت بممارسة عمليات تصفية واسعة، تُعد مثالا بارزا على مخاطر هذا المسار.

بما أن معظم هؤلاء الأربعة آلاف موظف كانوا يعملون ضمن هيكلية وزارة الداخلية، كيف تقيّمون أداء إسكندر مومني، وزير الداخلية في حكومة الرئيس بزشكيان؟
يوصف مؤمني بأنه شخصية طيبة وهادئة، غير أن كثيرين يرون أنه لا يمتلك الحضور البارز الذي يُنتظر عادة من وزير للداخلية، فعلى الرغم من دراسته للعلوم السياسية، إلا أن خلفيته العسكرية تظل أكثر حضورا في مسيرته من خبرته السياسية المباشرة.
وهذا ما يثير تساؤلات في ضوء التوصيات المتكررة التي أطلقها المرشد الإيراني، والتي شددت على أن العسكريين ينبغي ألا ينخرطوا في السياسة، بل والأفضل ألا يتدخلوا حتى في المجال الاقتصادي، لأن مثل هذا التداخل يبعدهم عن مهامهم الأساسية ويُحدث فجوات في النسيج الاجتماعي.
يُعد مؤمني شخصية ناجحة رغم غيابه النسبي عن المشهد السياسي، إذ إن اختيار المحافظين يتم بقرار رئاسي لا بقراره المباشر، وفي المقابل، أثّر الهجوم الإسرائيلي وتبعات الحرب الأخيرة على أداء وزارة الداخلية، كما حدّت الأوضاع من رقابة البرلمان، ما مكّنه من الاستمرار في منصبه دون مواجهة مباشرة.
هل يعني هذا أن احتمال استجواب وزير الداخلية مطروح؟
لا، أنا لم أرَ مثل هذا الأمر، حتى الآن جرى طرح مسألة استجواب وزير التعاون والعمل والرعاية الاجتماعية، وكذلك وزير الطاقة ووزير الطرق والإسكان، وقد جُمِعت تواقيع كثيرة لهذا الغرض، لكن بسبب ظروف الحرب لم يُعلَن عن تسلّم هذه الطلبات رسميا.

